06-22-2015 08:02 PM


تأسست المحكمة الجنائية الدولية فى العام 2002 كأول محكمة عالمية دائمة لمحاكمة الأفراد، وهى فى هذا تختلف عن محكمة العدل الدولية التى تختص بالنظر فى النزاعات بين الدول، وعن المحاكم الجنائية الدولية الخاصة (international tribunals) التى تفصل فى قضايا مرفوعة ضد أفراد تتعلق بجرائم ضد السلام وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية كتهجير المدنيين. وأشهر المحاكم الخاصة هى محاكمات نورمبرج لمقاضاة قادة المانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية.

والملاحظ أنه لا يوجد دليل على أى أثر رادع لتلك المحاكمات الخاصة أوأنها أظهرت كل الحقيقة أو أثبتت نجاحها فى تحديد المشتبه فيهم...

تبنت المحكمة الجنائية الدولية لائحة الإتهامات التى تشمل الجرائم الرئيسية التى تضمنتها وثائق المحاكم الخاصة، ومهما كانت نوايا بعض الدول التى تحمست لتاسيسها إلا أنها أصبحت سلاحاً فى يد الدول الإمبريالية بهدف إضعاف سيادة الدول الفقيرة باسم العدالة الدولية لصالح تكريس إخضاعها.

أثبتت الوقائع أن المحكمة الجنائية الدولية لا تباشر عملها كجهاز مستقل حسب قانونها الاساسى وإنها ليست سوى أداة مكملة للهيئات الاقتصادية والمالية العالمية التى تستخدمها الدول الكبرى كأدوات لإحكام السيطرة على الدول الفقيرة. فنشاط المحكمة الجنائية الدولية، التى لم تنظر حتى الآن الا فى أربع قضايا تتعلق بدول افريقية، يتميز بالإنتقائية، فسكوتها عن جرائم الإبادة فى غزة ولبنان (صبرا وشاتيلا) و جرائم الحرب فى العراق ومذابح أفغانستان والصومال (عملية إعادة الأمل) ومصر والتهجير القسرى للمدنيين فى بورما يوضح إنحياز هذه المحكمة. ومعظم هذه الجرائم ينطوى على هولٍ وفظاعة أكثر من كل ما نظرت فيه المحكمة الدولية حتى الآن. وهكذا فإن المشتبه فيهم هم الذين ترتبط إزاحتهم باجندة سياسية للدول الكبرى، أو أن إسنادهم أصبح له تبعة (liability) وإن كانوا من أخلص الموالين للغرب.

النفاق الأمريكى
إن الموقف الأمريكى من الاحداث الأخيرة في جنوب افريقيا، فيما يتعلق بقرار إحدى المحاكم هناك توقيف الرئيس عمر البشير استنادا على إدعاءات المحكمة الجنائية الدولية، كشف عن العنجهية التى تمارسها أمريكا حيال العدالة الدولية.

فحول ما جرى بجنوب أفريقيا عبر متحدث وزارة الخارجية الامريكية عن أن الولايات المتحدة محبطة لعدم إتخاذ إجراء لمنع البشير من مغادرة جنوب أفريقيا وكأنه لا يدرك ما ينطوى عليه تصريحه من نفاق. فأمريكا رفضت التصديق على قيام المحكمة الجنائية الدولية منذ أن بدأت عملها، ولم تكتفى بهذا إذ أفلحت، عن طريق ممارسة كافة اشكال الضغوط، فى اصدار قرار من مجلس الأمن، يُجدد سنويا، يمنح العساكر والمسئولين الأمريكيين حصانة تمنع محاكمتهم عن الجرائم التي يقومون بها خلال إشتراكهم فى قوات حفظ السلام او مغامراتهم فى دول العالم. ودرجت أمريكا على توقيع اتفاقات ثنائية مع كل دول العالم لتنفيذ هذا الإستثناء؛ وعند إحالة مجلس الأمن قضية دارفور المتهم فيها البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية تضمن قرار المجلس شرطاً بانه ” لا يجوز للمحكمة محاكمة أي أمريكي بموجب هذه الإحالة لأسباب تتعلق بارتكاب جرائم في دارفور“!!

التصرف المتعجل الخاطئ
كرد فعل فورى على المذكرة القضائية التى صدرت مؤخراً فى جنوب أفريقيا بتوقيف البشير حث الأمين العام ل ”الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال“ حكومة جنوب أفريقيا على إعتقال البشير وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، ولم ينس فى توسله لجنوب أفريقيا أن يُذكِّر قادتها بان إعتقال البشير ” يمثل تحدي لكل تاريخ وإرث جنوب أفريقيا ولا سيّما المؤتمر الوطني الأفريقي في مكافحة العنصرية وجرائم الحرب والبشير مجرم حرب لا تختلف سياساته عن نظام الأبارتايد.“ الحكمة البسيطة القديمة تقول أن التصرف المتسرع (gut reaction) يقود مباشرة لإرتكاب الأخطاء. وهذا ما وقع فيه أمين حركة (تحرير السودان- شمال). نظام الأبارتايد الذى كانت تطبقه حكومة الاقلية من البيض فى جنوب افريقيا هو فصل الأعراق فى كيانات إدارية منفصلة عن بعضها: البانتوستان. ولأن كل العالم يعرف أن السودان لا يتكون من بانتوستانات، لا بد أن يكون الناس قد تلقوا تصريح أمين تلك الحركة بالإبتسامات المستخفة. وعلى أى حال إن الهوس بالمسألة العرقية يقود للأخطاء فى تحليل الواقع ومن ثم التخبط فى مجرى النشاط السياسى.

الوهن الأفريقى
تجنب رؤساء الدول الأفريقية خلال الازمة التمسك بقرارهم السابق الذى يلزمهم بعدم تنفيذ أمر التوقيف، ولم يتحركوا لتجاوز قرار محكمة جنوب افريقيا المحلية، وكان يمكنهم أن يفعلوا على اساس ان الدعوة للإجتماع تمت بواسطة الإتحاد الأفريقى وأن جنوب أفريقيا يقع على عاتقها حماية الرؤساء خلال تواجدهم بجنوب أفريقيا بصفتها عضواً فى الإتحاد مكلفة من قبله بضيافة القمة الافريقية. ولكن تمخضت قرائح الرؤساء على تدبير هروب البشير من جنوب افريقيا بشكل مهين لكل الدول الأفريقية (تماماً كما حدث سابقاً فى نيجريا).

ولو إختار الرؤساء آنئذ تحدى المحكمة الدولية على النحو المذكور، لكان موقفهم ملائماً ونافعاً (expedient) لقضية التحرر من قيود الهيمنة الاجنبية، ولكن يبدو أن هذا مطمح لا يقدرون عليه لأن معظمهم لا يملك قراره ويعيش فى دوامة مأزق تتنازعهم فيه الرغبة فى التحرر من المحكمة الجنائية الدولية لأسباب معروفة والخوف من غضبة الدول الكبرى، التى تسلب إرادتهم، إن أقدموا على هذه الخطوة.

نحو سقف أعلى من العدالة الجنائية
لا يمكن لأى شخص جاد الا أن ينظر لقرار الإتحاد الافريقى بعدم الإلتزام بأمر التوقيف كخطوة إيجابية تصب فى إتجاه الإبتعاد عن المحكمة الجنائية الدولية وتجنب أذاها كأداة فى يد الدول العظمى لإخضاع الدول الفقيرة. كما يجب عدم الخلط بين مطلب الشعوب لتحقيق العدالة فى مواجهة جرائم أنظمة مستبدة وبين المحكمة الجنائية الدولية ودورها فى خدمة المطامع الإستعمارية؛ وإذا تمعنا كثيراً فى النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية نجد أن فلسفتة تقوم على أساس إخضاع الدول الفقيرة الذى اشرنا له سابقاً. فمثلاً مبدأ التكامل فى المادة الاولى من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التى تنص على أن ” تكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية“، يجرى تفسيره لغير صالح الدول الفقيرة بحجة أن نظمها القانونية أضعف من ما تتمتع به الدول الكبرى فى هذا المجال؛ كما أن المادة 13(ب) تمنح المحكمة النظر فى الجرائم التى يحيلها مجلس الأمن ” متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة“. مَنَحَ النظام الأساسى هذه السلطات الإضافية لمجلس الأمن الذى لم يصادق ثلاثة من اعضائه على قيام المحكمة الجنائية الدولية وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين. وخطورة هذه المادة أنها مجافية لمبدأ المساواة بين الدول وأن دول مجلس الامن الكبرى قد تسئ إستعمالها لمعاقبة البلدان التى تتمرد على هيمنتها.

إن الترويج للمحكمة الجنائية الدولية فى أحيان كثيرة يعكس رغبة قوية لدى أصحابه فى القصاص من المجرمين، ولا خلاف حول هذا الامر. ولكن إفتقار النظام الاساسى للمحكمة للعدل والمساواة لا يحقق هذا الغرض. وأهم من هذا إن معاملة المحكمة الجنائية الدولية، كنافذة قانونية، للسياسيين المشتبه فيهم كحالات جنائية فقط لا تكفى للقضاء على جرائم الدولة. فالإنتهاكات الكبرى التى ترتكب فى حق مواطنى الدول الفقيرة هى جزء من الإستبداد السياسى للدولة الذى تمارسه للحفاظ على أنساق إجتماعية وإقتصادية وثقافية بالية، وهى أنساق تحرم المواطن من أبسط حقوقه وتمارس ضده شتى انواع التهميش السياسى والإستغلال الإقتصادى كما هو الحال فى معظم الدول الطرفية.

إن العدالة التى تنشدها البلدان الفقيرة لا تتحقق الا برفع سقفها ليشمل إزالة الانساق الإجتماعية/الإقتصادية القديمة التى تكرسها فى البلدان الطرفية الدول الكبرى؛ وشعوب هذه البلدان هى الأحرص على إنجاز هذه المهمة وهى قادرة على ذلك.

[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2458

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1291323 [فارس]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2015 03:04 PM
بدون فلسفة ومحاولة دفاع عن الباطل يجب أن ننظر إلى هذه القضية من منظور إلهى فكيف بحاكم ولاه الله السلطة أن يفعل بشعبه مثلما يفعل البشير؟؟ إن حربه ضد شعوب دارفور وجبال النوبة وجبال الأنقسنا هي حروب ممعنة في العنصرية وسبه للنساء الدارفوريات تقع في دائرة القذف.

اعلم يا أخى إن ما يحدث هو عقاب من الله وسيزداد ضغطه يوما بعد يوم بعدما آثر البشير المكابرة ورفض وقف هذه الحروب العنصرية وسيجد نفسه يوما في لاهاى طال الزمن أو قصر.


#1291209 [علي محمد سناده]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2015 12:59 PM
( فالإنتهاكات الكبرى التى ترتكب فى حق مواطنى الدول الفقيرة ....)
اذا لم تطال العدالة كل المجرمين هل نتركهم جميعا ؟
ارجح انه يجب ان لا يغلت مجرم من العقاب بحجة اننا لم نحاكم مجرم اخر .
لنفرض ان المحكمة مسيسة هذه قضيةلكن القضية الاهم ان لا يفلت مجرم حرب متي قدرنا عليه ونسعي لمحاكمة كل من قدرنا عليه وهذه حركة نضالية للشعوب سوف تدركها غدا ان شاء الله


#1291188 [دنيا فرندقس]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2015 12:32 PM
العدالة لاهلنا فى دارفور
القصاص لمن نفذوا المجازر ضد اهلنا فى دارفور
العقاب لمن شردوا اهلنا فى دارفور
الاقتصاص من الذين اغتصبوا نساء اهلنا فى دارفور
لا عدالة لا بانصاف اهلنا فى دارفور
تتباكون على اهل غزة و تنسون اهلكم فى دارفور
تتحسرون على اللاجئين السوريين و لاتهتمون لاهلكم فى دارفور
العار العار الى يوم القيامة وانتم لا تنصرون اهلكم فى دارفور


محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة