في



المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام
أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام
03-14-2011 06:51 AM

أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام
د. عبد الله جلاب *
Abdullahi.gallab@asu.edu

ختم السيد إدوارد لينو حديثه لبرنامج ضيف المنتصف لقناة الجزيرة يوم الاثنين الموافق العاشر من يناير ثاني أيام الاستفتاء بأن صحن الصيني قد انفلت من يد عمر البشير ليرتطم بحجر السودان القديم الضخم ويتكسر أشلاء. ولعل حديث الأخ لينو يعيد للأذهان المقولة المشهورة للزعيم الراحل إسماعيل الأزهري بأنه قد سلم السودانيين استقلالهم سالماً كصحن الصيني \"لا طق ولا شق\". لا شك أن لينو ود أن يقول لنا إن السودان الوطن الذي استلمناه من آباء الاستقلال سالماً ذات يوم قد سقط ليتشظى أمام أعيننا الآن. وقد يطيب المقام لأن يتذكر لينو وأن يذكر كل الهاربين من التزامات السودان الجديد بأن هنالك سودان قديم. فإن الذكرى في مثل هذا المقام هي بداية التأمل في المعاني العميقة لما جرى. ولعل الذين يستصعبون ذلك الحدث هم الذين يمكن أن يذهب بهم التأمل إلى النظر في كيف تمت صناعة ذلك الصحن في مراحله المختلفة ولماذا سقط وتكسر أشلاء. أما الطيب مصطفى فإنه لم يكتفِ بما حمل ما ظل ينفثه من نعرات وسموم وإنما ذهب إلى ما أبعد من ذلك بأن أخذ على مسؤليته أن يحدد لنا كيف نفكر وكيف علينا أن نتصرف وإلا فهو سيظل على أقل تقدير سيكون مشفقاً علينا. وتلك طبيعة العقل الشمولي الاستبدادي المستهين بالله وبالناس. فهو قد يقسم بأنه مشفق \"على من لا يزالون ينتحبون ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب ويدعون بدعوى الجاهلية حزنا على هلاك عجل السامري المسمى بالوحدة\". ولعل الذين يستسهلون ويستصغرون الأمور العظيمة مثل الأخ الطيب تأتي عزائمهم على قدرهم. ومن بين هذا وذلك يأتي من يحمل عمر البشير كل ذلك الوزر. وهناك من يستنكر على غيره ساعة حزن استوجبها الوقف في دمن واحدة من أكبر الحوادث التي مرت على البلاد عبر القرون. لذلك فإن أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام.
نعم هناك وزر تنوء بحملة الجبال. هو وزر سيظل في ذاكرة التاريخ كما بقيَ وزر قابيل وما بقيت الأوزار الكبرى تدور في فلكها حتى يقضي الله أمراً كان مقضياً. والوزر هنا ليس لأن أهل الجنوب قد أرادوا أو قرروا مصيرهم بهذا الشكل أو غيره وإنما لأنه قد ظلت هناك لحظة تاريخية مواتية من أجل بناء وطن جديد وفق ميثاق جديد ومجمع عليه من الجميع ينتقل بنا جميعاً من ضيق الموروث إلى رحابة الممكن. غير أننا الآن نرى الآن وأمام أعيننا أن تلك اللحظة التاريخية وقد سعت الحركة الإسلاموية وبشكل منتظم وفق برنامجها الذي قزم التجربة السودانية أدخلها في مأزق تاريخي كان من نتائجه أن خرج البعض من عسف البرنامج الخانق للإنقاذ وسجنها الكبير الذي أدخلت فيه البلاد بعد أن تجرع الجميع مرارة تلك التجربة. ومن هنا فإن الذين خرجوا الآن عن طريق الاستفتاء لم تخرج جموعهم من السودان بقدر ما إنها قد خرجت من جحيم الإنقاذ. وخاصة وإنه حتى الذين استجاروا بالوطن والمواطنين منذ عهد بعيد بأن رحلوا شمالاً فقد طردتهم التصريحات الوزارية والرئاسية الإنقاذية الجائرة التي هددتهم بالحرمان حتى من حقنة الدواء. ولعل الدرس المستفاد لنا ولغيرنا هو كيف يمكن أن يسيئ من يدعي بأنه النموذج للدولة الدينية للدين وللناس ولنفسه أيضاً وذلك بتقزيم الدين وأفقهم المحدود وضيق برنامجهم وأجندتهم التي تود استعمار حياة الناس.
بالطبع لم تتسرب اللحظة التاريخية من بين أيدينا بشكل نهائي وإن كان من الممكن للسودان أن يقدم النموذج الذي كان يمكن أن يُحتذى في مجال بناء الأوطان وصناعة الدولة انفصالاً كانت تلك النتيجة أو اتصالا. إذن على من توزع الأوزار؟ بالطبع إن الوزر الذي يتحمله البشير هنا سيضاف إلى ميزان أوزاره المثقل والتي لم ولن تنمحي من الذاكرة الإنسانية بشكل عام والذاكرة السودانية بشكل خاص. ولعل رمانة ميزان أوزاره التي أثقلتها تصريحاته المتعلقة بالانفصال تشير بأن الرجل من الواضح لم يتعلم شيئاً ولم يتذكر شيئاً طوال عقدين من الزمان وهو في سدة الحكم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الأمر لا يقف عند هذا الحد وإنما يشمل ذلك الوزر الحركة الإسلاموية السودانية بمللها ونحلها خاصة تلك التي تآمرت على الوطن ذات ليل بالانقلاب العسكري ومن ثم حولت الوطن كله إلى شركة قابضة تديرها وحدها لتنال فيه هي ومنسوبيها كل الثواب وينال غيرها كل أشكال العسف والعقاب والبطش؛ الأمر الذي لم تشهد له البلاد من قبل مثيلاً. كل ذلك لا لشيء غير أن أولئك السودانيين من قد كتب عليهم ذلك العقاب كانوا أو ظلوا على خلاف مشروع مع ذلك البرنامج الإسلاموي المغتصب للسلطة ومن ثم فقد غاب أو غيبت كل حقوق المواطنة وحقوق الاختلاف في شؤون أساسية كفل لهم الرحمن والإنسان فيها حق الاختلاف. فحولوا الدولة إلى مشروع قمعي يعلن الجهاد ضد بعض المواطنين ويخص بالتعذيب في بيوت الأشباح البعض الآخر وبالتطهير بأشكال وأنواع برعوا فيها يهتز لها الضمير رغماً عن ذلك فقد خصصت للبعض الآخر من المواطنين. ومن هذا وذاك فقد حولوا الدولة إلى مشروع لاستثمار السلطة من أجل خدمة درجات عالية من السعار نحو تكديس الثروة ودمج السلطة والثروة. ومن \"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِي َكَالْحِجَارَةِ أَوْأَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَ ّمِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَااللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ\".
إضافة لكل ذلك فقد تحول الفصيل الإسلاموي القابض على السلطة من شعار وهرج وغوغائية \"أمريكا قد دنا عذابها\" إلى إعادة تصميم النظام من أجل أن يقدم كل الخدمات التي يمكن أن يداجى بها أمريكا طمعاً في أن تبادله أمريكا بقليل مما يمكن أن يبعث الأمان أو ما يمكن أن يخفف من رعبه التاريخي. ومن هنا فقد تمت إعادة صناعة النظام ليفي بذلك الغرض في الوقت الذي ظلت تتصاعد وتتجدد كل يوم المطالب الأمريكية ويظل النظام يلهث إن حمل عليه ويلهث إن تُرك. ولم يجن من كل ذلك غير الحصرم. وبهذا فقد وصلت الإنقاذ بنظام الدولة الموروث من الدولة الاستعمارية إلى أقبح أنواع وأشكال الاستبداد. لذا فلم يبقَ أي مجال لتغيير طبيعة النظام فلا بد من تغييره وتفكيك القواعد التي يقوم عليها.
وزر آخر تتحمله الحركة الشعبية حين اكتفت من كامل مشروعها المعلن للسودان الجديد بما تيسر لها من وظائف بعد نيفاشا في انتظار أن تكون الوحدة جاذبة وبذا ظل المشروع يتراجع بخطى سريعة بعد أن أدخله الشريك المتمترس بجهاز الدولة في إطار شراكة يقوم أمرها على صراعات أو ترضيات مع فصيل له مشروعه المتآكل للسودان والذي كان قد أسماه بالتوجه الحضاري. لا شك أن ذلك المسمى بالمشروع الحضاري مناقض جملة وتفصيلا لكل مشاريع ورؤى السودان الجديد التي ترى في الاتفاق العام حول مشروع متكامل ينبني حول حقوق المواطنة والحريات وكرامة الإنسان. والأمر كذلك ولكون مشروع الإنقاذ وهو طريق لاتجاه واحد ومثله مثل المشروعات الشمولية الإقصائية يقوم على البطش غير أنه أكثر من المشروعات الشموليات الأخرى لكونه قد انتقل بالقمع إلى حدود إعلان الجهاد ضد مواطنين لم تشفع لهم شيئاً مواطنتهم من تسخير أجهزة النظام العامة والخاصة المكونة من مليشيات هي أدوات قمعه المختلفة. لقد شمل مشروع الجهاد ذلك قطاعات متعددة من الشعب السوداني على طول البلاد وعرضها. وعلى الرغم من أن النظام لم يعد يتحدث عن ذلك المشروع البائس منذ أمد طويل إلا أنه لم يتراجع أو يتقدم بما يمكن أن يعتبر مراجعة فكرية أصيلة أو سلوكية ناقدة لذلك النهج. وحتى بعد الدخول في اتفاق نيفاشا والاتفاقيات الأخرى إلا أنه وحتى الآن لم يقدم الإسلامويون في السودان في جماعاتهم المختلفة دون استثناء في داخل الحكم أو خارجه ما يشير بأن هنالك أي مراجعة أو تغيير في نظرتهم للدولة أو حقوق المواطنة وعلاقة الدين بالدولة. لذا أصبحت كل محاولات الحوار مع النظام أقرب إلى حوار الطرشان كما ظلت شراكة الشريكين أشبه بالجمع بين الماء والزيت. وهو ما يقود إلى قناعة كاملة بأنه مهما يكن فإن تغيير طبيعة النظام قد ظلت من إحدى المستحيلات. لذا فإن الأمر لا يمكن إصلاحه من داخل إطار الدولة أو في إطار النظام. غير أنه فقد كان من الممكن تجاوز ذلك المأزق التاريخي بإخراج نيفاشا خارج إطار الثنائية وإطار الدولة والنظام وذلك بمشاركة كل القوى السياسية السودانية وأهل المعارف العلمية في مناقشات السلام؛ الأمر الذي كان من الممكن أن تتحول به نيفاشا إلى مؤتمر مائدة مستديرة من أجل معالجة ناجزة لصناعة سودان جديد متفق علية لا كحل جزئي لقضية كلية. رغماً عن ذلك فقد مات مشروع السودان الجديد الذي كانت تدعو له الحركة في مهده أربع مرات كما قلت من قبل.
أولاً لقد ساهم الرحيل المبكر لجون قرنق في إحباط الحراك الفياض في المجال العام والذي أعطاه حضوره إلى الخرطوم والاستقبال غير المسبوق الذي استقبل به كتفويض للشخص والمشروع معا. لقد تعاظمت من ذلك حيوية واضحة أمل البعض بأنها يمكن أن تعطي المجال العام قوة إضافية تتواصل مع القوى الأخرى من أجل إحداث حركة تغيير يمكن أن يركن إليها ويمكن أن تخرج مشروع الدولة إلى مشارف دولة ونظام جديدين أساسهما حقوق والتزامات المواطنة. الأمر الذي كان من الممكن أن يجعل من نيفاشا بداية لا نهاية. غير أن من اعتبروا ورثة مشروع قرن للسودان الجديد ولو عنه هاربين حالما اختفى قائد المشروع.
ثانياً: ومما يؤكد استحالة تغيير طبيعة النظام فقد قتل النظام أو خنق حتى الموت ما اتفق عليه من ما يمكن أن يعتبر بدايات في مشروع السودان الجديد عن طريق انقلاب دولة الإسلامويين الشمولي والتي اقتصت لنفسها من الفريق الداخلي الذي شارك في الوصول إلى اتفاق نيفاشا. وذلك هو الانقلاب الثاني في إطار حروبات الإسلامويين الداخلية بعد إنقلاب فصيل منهم في نهاية القرن على الشيخ الأكبر أو الدكتور حسن الترابي الذي تباروا بتسميته بالشيخ حسن ذات يوم تمهيداً لمشروع ولاية فقيه سنية. هذا وقد قضى الانقلاب الثاني ضد من تنادوا خجلاً بتسميته بالشيخ الأصغر أو شيخ علي عثمان وإخراجه وفريقه من دائرة الفعل السياسي والإدارى في الدولة ليبقوا والحال كذلك الشيخ الأصغر في حالة موت سريري في غرفة انعاش القصر. ومن هنا فقد لحقت بذلك الانقلاب الصامت هزيمة بالشيخ الأصغر للجماعة --علي عثمان --القائد الطموح لقطاع من الجماعة والمتطلع دوما للسيطرة المطلقة على المركز الأعلى في الدولة والحزب. لقد أودى الإنقلاب الثاني والأسلوب الذي أخرج به شيخ علي إلى هزيمة ظلت بلا دوي لتذهب بعلي ومن معه من فريق مناقشات نيفاشا إلى مجالات التهميش. ولعل في ذلك شيئ من المكر حتى لا يذهب الشيخ الصغير بقدراته التآمرية إلى المنشية متصالحاً مع الشيخ الأكبر مما يمكن أن يشكل تهديداً مروعاً للنظام. وبهذا وذاك الانقلاب إنتقل المشروع الأسلاموي بقضه وقضيضه من التآكل إلى دائرة النسيان. وفي ذات الوقت تحول مشروع السودان الجديد نسخة الحركة الشعبية إلى مكاسب هزيلة يتشاجر حولها الشريكان. ومن كل ذلك لم يبق من خطاب النظام الفكري والجماهيري شيئا ذا بال إلا لغة لحس الكوع وغيرها من لغة نابية لم تعهدها الخطابة ورصانة أسلوب رجل الدولة وأسلوب الخطاب بشكل عام. لا شك إن ذلك الخطاب النابي يتكامل وخطرفات بيريا الانقاذ نافع علي نافع.
ثالثاً: لقد إنكفأت الحركة الشعبية في تكوينها العسكري لتقفل كل الطرق المؤدية إلى برنامج التغيير الشامل الذي دعا إليه قائدها ذات يوم. فلم يعد المتحدث بإسم الهامش أو أحد الهوامش حتى. وإكتفت بما أعطى الوضع الجديد من وظائف وأزمات انتظاراً لمائدة في السماء قد يأتي بها الإستفتاء.
رابعاً: لقدأضاف استمرار تفجر الموقف في دارفور وتداعياته المحلية والإقليمية والدولية ما يشير إلى تفاقم أزمات الإسلامويين والإسلامية السودانية والنظام ككل؛ ولذا أصبح أن كل ما ياتي الآن من جانب المجال الرسمي أو النظام هو أشبه بغناء البجع. لذلك فالأمر يتجاوز إسقاط النظام إلى ضرورة تغيير النظام وتفكيك المنظومة التي تقوم عليها الدولة المستبدة من أجل بناء سودان جديد.
الآن لقد خرج الجنوب من نظام الدولة المستبدة. ولكنه لم يخرج من السودان. فالذين دخلوا السودان بالميلاد سيظلوا مواطنين سودانيين ويظل السودان بيننا جميعاً كحالة وجودية حتى أمر آخر. ويظل التحرر من النظام ودولته الموروثة مشروعاً وأولوية قصوى وحالة سياسية واجبة التنفيذ حتى تتحقق بشكل آخر ولا بد من الوصول إليها مهما طال السفر. وقد نجد في تحررنا كل ما يعظم إرثنا في تدافعه صوب تعظيم تجربتنا الإنسانية العميقة. لذا فمن الأوجب أن ننظر لما حدث كبداية لا كنهاية. وأن هناك في ذات الوقت لحظة تاريخية مواتية. وأن تلك اللحظة التاريخية تشير إلى الخروج كلية من هذا الوضع الذي نحن فيه وذلك بالخروج كلية من الإنقاذ نظاماً ودولة وبما ورثت. وإن كان الأمر يتطلب إبتكاراً سودانياً جديداً فقد كانت لنا ابتكاراتنا ذات الأثر من قبل دول أوربا الشرقية وتونس ومصر في مجال قيادة حركة التغيير من خارج إطار الدولة. ذلك الابتكار بالطبع يبدأ بتغيير المناخ العام للحوار الوطني ليتضمن رؤية مشتركة ونهجاً جديداً من أجل التحريرالكامل من ربقة استعباد دولةالسودان القديم التي وضع أسسها ونجت وقام على أركانها هذا النظام بوجه خاص والنظم الاستبدادية الأخرى وسخرت أجهزة الدولة من كسب سبل معيشتها القمعية. وذلك لا شك يتطلب أيضاً تطوير أدوات تجاربنا الكبرى التي بنى وخاض بها الشعب السوداني خارج إطار الدوالة المركزية في إطار المجال العام المزالق الكبرى وترك إرثاً يعتد به يمكن أن يدرس ويمكن أن يلهم. ولعل ما يمكن أن تعطي تلك التجربة قوة إضافية وفاعلية عظمى. الآن وأدوات الاتصال في تقدمها ويسرها وفاعليتها تمكن في أن يجمتع أهل التجارب والمعارف والجمهور الواسع على صعيد واحد من أجل التداول والاتفاق على برنامج الخروج. وتظل أكتوبر أحد إبتكارات ومبادرات هذا الشعب في إطار قيادة المجال العام لحركة التغيير ذات الأثر.
هذا والأمر كذلك فإن التقويم الجاد لأكتوبر يمكن أن يعطي ذلك الإنموذج وزناً وقيمة أخلاقية وأسلوب عمل له من القوة والفاعلية التي يمكن أن تلهم أسلوباً جديداً من أجل الوصول إلى ميثاق داخلي جديد يقوم على تصور مدروس ومتكامل لإعادة صناعة الدولة الوطنية ومن ثم صناعة السودان الجديد الذي يجد فيه كل منا ملامحه. مرة أخرى إن الأوطان تبنى ولا تنزل هبة من السماء. ومن واقع التجربة السودانية المعاصرة هناك من الإرث الحي الذي لا يزال يلهم. ولعل ما يهم هنا أن كل التحولات الكبرى قد حدثت بشكل أساسي في إطار قيادة المجال العام لحركة التغيير. لقد إستطاع علي عبد اللطيف ورفاقه من قبل تحرير الخيال القومي من ربقة الاستعمار وأكدوا على حق مخيلة الجماعية لأهل السودان في تصوير ماهية واختيار رؤاه وقيام أمة تقوم على أساس أن تكون المواطنة هي حجر الزاوية في بنائها. هذا ومن جهة أخرى فقد أعطت أكتوبر المجال العام السلطة والقوة الكبرى في قيادة حركة التغيير. كما وضعت أكتوبر الإطار العام الذي يمكن أن يرسم خريطة طريق مبتكرة يتبناها ويحافظ عليها المجال العام ويدخل عن طريقها الناس أفواجاً ينتقلون عبرها إلى رحاب تلك الأمة التي يختارونها بالتراضي لا عن طريق القوة أو القمع. هذا وفي الوقت الذي تتنادى فيه القوى السياسية الآن بالدعوة إلي مؤتمر جامع فقد يكون من الأجدى أن يقوم هذا المؤتمر الجامع على أساس أن هنالك لحظة تاريخية تدعونا جميعاً وتفتح لناالباب واسعاً لبناء سودان جديد وبناء دولة وطنية جديدة. بداية ومن باب التطوير للإطار الأكتوبري قد تستدعي الضرورة إلى وضع أساس فكري مجمع عليه تقوم عليه قواعد بنيان صناعة الوطن وصناعة الدولة وفق ميثاق جديد. يضع مثل ذلك الجهد الفكري تحت المجهر والبحث والدرس كل تجاربنا السابقة والوثائق المتعلقة بالتجربة السودانية بما في ذلك مقررات المؤتمرات السودانية المتعددة والاتفاقيات وأي وثائق أخرى من اتفاقية الحكم الثنائي حتى وثيقة هايدلبيرج ويضيف إلى ذلك كل جهد فكرى واجتهاد يمكن أن تبني عليها صياغة مسودة ذلك الميثاق كجهد متكامل من أجل تصور واتفاق على رؤية جديدة تجعلنا ننظر لواقعنا كما هو حتى نتمكن من التعرف على سبل ووسائل تجاوزه.
من هنا يمكن أن نتمكن في ذات الوقت من السيطرة على اللحظة من أجل تغييرها والمستقبل من أجل بنائه والمجال العام من أجل إعادة بناء مؤسساته وأحزابه. وفي إطار خارطة الطريق تلك يمكن أن تقدم مسودة ذلك الميثاق لأهل التمثيل والمعارف السياسية وقادة الرأي للاتفاق حولها واعتمادها في مؤتمر للمائدة المستديرة أو مؤتمر جامع حتي يكون ذلك الاتفاق هو الميثاق الداخلي للسودان الجديد. ومن ثم يقدم لكافة جماهير الشعب السوداني من أجل أن يكون الميثاق الخارجي لبناء الأمة الجديدة. مرة أخرى هنا تكمن اللحظة التاريخية التي يمكن عن طريقها تعظيم التجربة السودانية وتخطيط منهج متميز يمكن أن يضئ لنا ولغيرنا الطريق إلى الوطن الممكن. وفق ذلك المنهج يمكن أن تصبح صناعة الوطن والدولة عملية ثورية نتحرر بها جميعاً من ربقة عبودية السودان القديم الذي تقوم دولته على تأكيد وتوطيد هياكل السيطرة والعنف والتهميش. وننتقل بفيض ذلك التحرر إلى رحابة الدولة القائمة على قيم المواطنة وتأكيد قيم العدل والمساواة والكرامة واحترام إنسانية وحقوق الإنسان. ومن ذلك أيضاً يمكن أن نعيد العافية للمجال العام السوداني وللمجتمع المدني ليكون هو مجال المبادأة والمبادرة ونماء الجهد الخلاق في صناعة الوطن والشعب والدولة. ومنذ لك نستطيع بناء الدولة ومن ثم الثورة المستدامة. مرة أخرى لقد صنع السودان وتخلق في رحم التحديات والذي أمامنا الآن هو تحدي العصر. إذ من هنا يمكن أن يكون السودان أكبر أو أصغر أو في ذات حجمه بداية من يوم غد أو في المستقبل. إذن فإن أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير النظام. لا مجرد إسقاطه فقط.
يا صناع السودان الجديد اتحدوا.
• جامعة ولاية أريزونا.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1787

خدمات المحتوى


التعليقات
#111256 [د. ياسر الشريف]
0.00/5 (0 صوت)

03-14-2011 12:01 PM
المحترم الدكتور عبد الله جلاب

مقالك في صميم الصميم.

والشكر للراكوبة التي تجعل التعليق ممكنا.
أرجو الإطلاع على الميثاق المقترح من الدكتور عبد الله النعيم في هذا الرابط. فقد لاحظت تقاربا شديدا بين نظرتيكما.

http://tawafan.com/index.htm

ياسر


ردود على د. ياسر الشريف
United States [عبدالله جلاب] 03-15-2011 01:16 PM
شكراُ يا أخ ياسر لقد قرأت بإهتمام شديد الميثاق المقترح من الأخ العزيز عبدالله النعيم وأتمنى أن يتطور هدا الأمر للقاء جامع لأهل الفكر والسياسة معا من أجل الإتفاق على ميثاق عام يكون هو بوابة دخولنا لرحابة ا لسودان الجديد وخرجنا من ضيق الشموليات. وهذه دعوتنا أن يتوحد صناع السودان الجديد. ;)


د. عبد الله جلاب
د. عبد الله جلاب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة