جداريات رمضانية (10)
07-01-2015 07:33 PM

لن يمر سوى أسبوع واحد أو أقل حتى تبدأ الأبدان في التراخي ويشعر الناس بالتعب، وقتها سوف يكون رمضان قد دخل في العظم كما يقال، وهذا يعني أن الصيام سوف يكون ليس هينا ولا سهلا وبالتالي لابد من رفع التقنيات التي يجب الصبر بها والانتباه لعدم الوقوع في الخطأ خاصة زلات اللسان التي تخرج حتى لو عن عفو الخاطر بسبب إننا بشر.
طبعا سوف تستمر حيل تبريد الجو بالشكل البلدي الذي سردناه سابقا، من أعمال الخيش والمكيفات المتوهمة، وكل ذلك لن يجدي كثيرا لأن الحر إذا اشتد لا فكاك منه أبدا. وهنا يقمن النساء بابتكارات تمييع الوقت مثل الألعاب النهارية ومنها لعبة "الطاب" التي تقوم على قطع أغصان النخيل ومن ثم توضيبها لتكون بظهر أخضر وبطن بيضاء، ومن ثم عمل مجموعة من الحفر المتقاربة التي سوف تعبر فوقها الحجارة الصغيرة المحمولة بالأيدي ويتنافس فريقان على إقصاء أو إماتة حجارة الطرف الآخر بعد أن يرمى بـ "الطاب" وهي أربعة أجزاء من الأغصان الموضبة بشكل مستقيم وبطول لا يتجاوز ثلاثين سنتمترا لكل واحد، واللعبة يطول شرحها إلا لمن يعرفها طبعا. لكنها في النهاية تصور نوعا من التنافس الترويحي الذي تنتهجه نساء الحي في نهار رمضان، وغالبا ما تأخذ الوقت وتأكله أكلا ليضيع بسرعة كما تسمعهن يرددن فلا يقمن إلا والاتجاه للعمل بالبيت بعد أن يكون أحيانا العصر قد قرب وقته، والعادة لا يبدأ اللعب إلا في الأسبوع الثاني من رمضان، فنادرا ما ترى هذه التسالي محبوبة أو ثمة اقبال عليها في الأيام الأولى لأن النساء يكن منشغلات بتحضيرات البدايات، كما أن الإحساس بالصيام القوي لم يبدأ بعد وقتذاك، ما يعني الصبر.
منافسات "الطاب" يتجمع فيها الأطفال حول كبار السن من سيدات البيوت والفتيات ويحتدم التنافس، كل فريق يحاول أن يخسر الآخر بأن يهلك حجارته ليبعدها، وهنا لابد من الانتباه إلى أن الحجارة قد تكون من الطوب الأحمر لطرف وحجارة حقيقية للطرف الثاني أو ممكن استخدام الفحم في بعض المرات. ويرتفع صوت الأطفال صراخا وهم يقودون مهمة التشجيع في المباريات المحتدمة، وهذه اللعبة لا تجد فيها الذكور إلا في السنين المبكرة لأنها بإمتياز لعبة الكبار من النساء وقبلهن البنات.
ولا أعرف هل هذه اللعبة لها وجود في أماكن أخرى في البلاد أم لا؟ كما أن تاريخها من أين جاءت ولماذا ارتبطت برمضان فقط، من الأمور غير الواضحة، المسألة الوحيدة الملموسة هي أن النخيل يشكل إحدى مفردات الحياة في تلك المناطق الواقعة بجوار النهر في شمال السودان ويدخل في فنون الحياة والثقافة بشكل عام، ومن هذا فاختراع ألعاب متعلقة به ليس مستبعدا. وهذا السؤال يتعلق بالكثير من الألعاب الشعبية السودانية من أين جاءت ما هو تاريخها بالضبط وهل هي مرتبطة بمناسبات معينة أم هي معممة على كل الأزمنة؟ مع النظر إلى أن كثيرا من هذه الألعاب بدأ في الاندثار بعد أن دخلت الحياة الجديدة بقوة، فالتلفزيون مثلا بما فيه من مسلسلات ودراما وبرامج ترفيهية منوعة صار يغطي أغلب الوقت سواء بالنهار أو بالليل للعائلة وللنساء بوجه خاص، وهذا أخذ رصيد تلك الألعاب وأزاحها، بحيث بات الإتكاء على الأسرة والوسائد والمعاينة هو الشغل الجديد في الرمضانيات، ولا ننسى أن دخول ثقافة الحياة الجديدة غيّر كثيرا من القيم الاجتماعية حتى العادات المرتبطة بالتواصل الاجتماعي فليست الألعاب وحدها هي التي تم تهديدها أو إزاحتها فعليا من خارطة الزمن الرمضاني.
في لعبة "الطاب" ثمة من ينتصر والثأر غالبا ما يكون في اليوم نفسه أو اليوم الثاني، ليس من استعجال، ويتم إزاحة التراب ودفن الحفر الصغيرة وترتيب الموضع من قبل صغار السن بعد الفراغ من اللعب على أمل اللقاء في الغد، وفي الليل وإذا ما تحدثت النساء بعضهن البعض عبر الحوائط وهن يتبادلن بعض من الأكل الرمضاني كالعصيدة لابد أن يتطرق للعبة اليوم ومن فاز ومن خسر، ويتكلمن قليلا عن فلسفة الحظ في حياة البشر، فاللعبة تمثيل للحظوظ كيف تلعب دورها في الحياة الإنسانية وكيف تقسم الأرزاق وتجعل أحدهم يرقى والآخر يمضي للحضيض.
لكن الذكاء أيضا مطلوب كما تقول إحدى الجارات وتتمسك بذلك، لأن مجرد الرمي بالطاب وانتظار النتيجة لا يفعل شيئا، لابد من تشغيل المخ والاعتماد عليه في تحريك الحجارة أو القطع الشطرنجية، فالفوز يحتاج عقل مستيقظ ويقظ، ولهذا فإن الخسارة في بعض المرات تفسر على أنها ليست سوء حظ فحسب. وربما تكثر الأعذار أو يتم افتعالها فهذه سيدة تقول إن الصداع النصفي الشديد قد حرمها اليوم من الفوز، وأنها لولاه لما وقعت في الفخ. لكن الجارات يعرفن هذه الحيل جيدا ويفهمن المعقول وما سواه من فنون التبرير اللائي يبرع البعض فيها.
الأطفال يراقبون ويتعلمون دروسا في الحياة وهم بجوار الكبار، ليس بالضرورة أن الدروس تأتي مباشرة أو أن تكون قصصا مسرودة أو أوامر يتم توجيهها كما في المدارس، بل ربما تأتي من مثل هذه التفاصيل المثيرة في حياة الناس. من مجرد لعبة يقوم عليها الكبار ويلتف حولهم الصغار ليكون للعالم صيرورة الانتباه والتعليم والتلقي والنقل ما بين جيل وآخر. خبرات حول الحظ والمتعة والانتقام وحول كيف يمكن للصبر أن يحقق المعجزات وكيف له أن يخرق الحواجز أحيانا ومرات يفعل العكس ليدمر صاحبه الذي انتظر طويلا، وفي كل الأحوال تمضي السنوات يتبخر الكثير من الماضي، بل أغلبه ولا تبقى سوى "رتوش" أو مساحات متباعدة من الحنين الممزوج بالخبرات البعيدة التي كان مستقرها في تلك الأيام. ويبقى السؤال المعلق الذي ينتظر الإجابة دائما حول هذا العالم، حول المسافة ما بين الأمل والتحقق. وحول الذات الإنسانية وهي تصارع من أجل المجهول وحول كثير من صفات التكوين الشخصي والذاتي كيف تتبلور وإلى أين تمضي بالمرء في عالم ليس فيه سوى المزيد من الأسئلة والغموض.
كأني بذلك الصبي ينتظر دوره في رمي "الطاب" في حين أن الجدة الكبيرة التي سوف تشارك اليوم في اللعب هي من اختاره بالتحديد ليرمي لها دورها تيمنا بذلك الصبي. هؤلاء الجدات لهن أساطيرهن الخاصة وقصصهن التي لا تنتهي في رمضان وسواه، وهن الأخريات مع الزمن الجديد بتن من أشكال الماضي الذي بات يتسرب بعيدا غير آبه بالانتظار لأجله.
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4587

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية
تقييم
1.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة