المقالات
السياسة
حديث الثلاثاء : بين صلاح تشطيبة وبالمر وجعفر بن عوف وميلتون فريدمان
حديث الثلاثاء : بين صلاح تشطيبة وبالمر وجعفر بن عوف وميلتون فريدمان
07-07-2015 03:22 PM



رحم الله صلاح تشطيبة فقد كان كثير الفأل وفير العشم بسودان ثقافي سياسي اجتماعي صادق ونبيل وبديل لما نحن فيه من أخمص الزيف والعنت والسخف. وتغمده سبحانه وتعالى بواسع مغفرته وعميق عفوه فلربما لو لم يكن قد اختار جوار ربه لرفضت هذه الكلمات أن تخرج بفيحها هذا وفحواها حياء منه على الرغم من أنها – ربما – تتمثل شيئا من خلاصاته الفلسفية لهذه الحياة وهذا السودان.
كأنما وجد البعض ضالتهم في إعادة توجيه اللوم والنقد (المفترض توجيهه لسياسات النظام وجرائمه ضد شعب السودان ككل؛ بحيث لا يستعفى من الإدانة مشارك ظاهر ولا خفي ، ولا صغير ولا كبير) إلى أشخاص بعينهم فكالوا كل السباب وكل الشتم للدكتور الوزير رجل المال والأعمال مامون حميدة على تهريب وتسريب أطفال ومراهقين لطاحون الحرب العبثية في داعش ولا نعفي هنا حميدة من هذه الجريمة النكراء ولا من مشاركته في جرائم انقاذية أخرى لا تقل بشاعة ولا شناعة ولكن الذين يوجهون عدسات كاميراتهم وكلماتهم إلى الرجل هنا كأنما يريدون للناس أن يصدقوا أن ذلك التسريب والتهريب لم يتم بتخطيط ومكر النظام وأجهزته بالليل والنهار مثلما أراد بعض آخر أن يصدق الناس أن فرار البشير الأخير من جنوب أفريقيا كان من باب مصادفات وفرص حافة الهاوية السينمائية وليس بأمر أو على الأقل إذن “عمر بشير” آخر كوكبي لا يريد لابن سفاحه الإفريقي أن ينتهي دوره الآن.
علينا. في خضم موتنا الجماهيري المستدام بمواجهة نظام البشير أن نعي وبأقصى عمق ممكن جوهر صراعنا كسودانيين عاديين فقراء ومنتجين معه ومع الدوائر والحلقات التي تحيط بنا وبه. إنها قصة حرية وقصة موارد اقتصادية في ذات الآن فخلال 26 سنة مشئومة ظل البشير ومن معه يعملون بجد واجتهاد لتجريد السودانيين من مواردهم الاقتصادية الخاصة والعامة على حد سواء بذات الوقت الذي ظل يجردهم به من حريتهم الخاصة والعامة أيضا ومن كل كرامة وعز وفخار.
وفي محاولاتنا المستميتة هذه لانتزاع الحرية لكل السودانيين علينا أن لا نغفل أن المطلوب أيضا وبشكل لا يقل أهمية وإلحاحا هو استعادة الموارد المسلوبة للسودانيين كافة وليس لجزء أو لنخبة أو لممثلين منهم ومن أقل مقتضيات هذه الاستعادة الواجبة تجيئ مهمة استعادة “حق” العلاج المجاني عالي الجودة والتعليم المجاني عالي الجودة أيضا وأن نختار طريقا غير طريق المفكر الأمريكي ميلتون فريدمان على الأقل فيما يلي السماح لأمثال مامون حميدة أن يستمروا في إحلال محل أمثال دكتور جعفر بن عوف في التصدى لمهام العلاج والتعليم في بلادنا .
يرى المفكر الأمريكي ميلتون فريدمان أن (هناك سبيلان فقط لتنظيم الأنشطة الاقتصادية لملايين الناس. يتمثل السبيل الأول في التوجيه المركزي المتضمن استخدام الإكراه؛ وهذا أسلوب الجيش والدولة الشمولية الحديثة. والسبيل الثاني يتمثل في التعاون الطوعي بين الأفراد؛ وهذا أسلوب السوق) [الرأسمالية والحرية- ميلتون فريدمان – ترجمة مروة شحاتة – كلمات عربية – ط 1 – 2011 – ص 35] بهذا القول “الفصل” يضع فريدمان الانسان المؤمن بالحرية – بمعناها السياسي على الأقل- أمام مهمة إجبارية بقبول الخيار الرأسمالي لتنظيم الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية نافياً بشكل ضمني أن تكون هناك إمكانية للتفريق بين الحرية من حيث المبدأ وبين الرأسمالية بكل ما أفرزته من ويلات ومشاكل – حسب ما يعتقد منتقدوها المعاصرون على الأقل – ولعل من أبرز هذه المشاكل والويلات التضخم والبطالة والمشكلات المتولدة عن الوفرة والندرة التي يتسبب فيها التنافس (التعاون؛ حسب فريدمان) الرأسمالي بين الأفراد والدول والمجتمعات والذي يجسده الحوار التالي الذي أورده الدكتور رمزي زكي في صدر كتابه (الاقتصاد السياسي للبطالة ) ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية اكتوبر 1998 الإصدار رقم 226) والآتي نصه:
(وقف طفل صغير أمام والدته وهو يرتعش من قسوة البرد في أحد أيام الشتاء وسألها ببراءة : لماذا لا تدفئين المنزل يا أمي؟ قالت الأم : لأنه لا يوجد لدينا فحم بالمنزل يا ولدي. فسألها الطفل : ولماذا لا يوجد فحم بالمنزل ؟ أجابت الأم : لأن والدك متعطل عن العمل؟ وعاد الابن يسألها : ولماذا يتعطل أبي عن العمل؟ قالت الأم : لأنه يوجد فحم كثير بالأسواق ياولدي.)
لسوء حظ فريدمان – ولسوء حظنا جميعا ربما – أن ثمة مشكلة كبيرة اسمها التلوث وأن نسبة مسئولية هذا “السبيل” <الذي أراد للمؤمنين بالحرية أن لا يتنكبوه ولا يتبعوا السبل من دونه فتفرق بهم عن سبيله> كبيرة جدا. فالرأسمالية هي المتهم الرئيس بما أصاب كوكبنا ومجتمعاتنا الانسانية من تلوث ولكن قبل المضي في كثير من التفاصيل،
ماهو التلوث ؟ تذهب معظم التعريفات الأكاديمية لظاهرة تلوث منظومة ما (مثل البيئة ، الهواء ، الماء، إلخ ) بأنه هو زيادة أو نقصان أو اختفاء أو ظهور عناصر في المنظومة يخل بصلاحيتها ويسبب الضرر للانسان أو للكائنات الحية. وبالتالي فإن تلوث أي منظومة هو اختلال مضر في تركيب عناصر المنظومة ويمكن أن يكون هذا الاختلال كميا (بتغير نسب العناصر) أو كيفيا (باختفاء عناصر أو ظهور عناصر جديدة) ومثال لذلك فإن تلوث الهواء يكون بزيادة نسبة أكاسيد الكربون مثلا أو بطروء غاز سام لم يكن ضمن تركيبته. والآن كيف يمكن الحديث – حقاً – عن تلوث رأسمالي يجمع بين طياته ظواهر مثل داعش والبشير ومامون حميدة .
يفترض أشخاص عديدون في هذا الكوكب أن الطبيب الذي يعمل بمستشفى حكومي يقدم العلاج مجانا للمرضى يكون بالضرورة أقل حماسا من زميله الذي يعمل في مستشفى استثماري يتقاضى اتعابا باهظة من المرضى ومن أولئك الأكاديمي الألماني المرموق توم غوردون بالمر الذي سرد هذه الواقعة في مقال له بعنوان العلاج الاستثماري ودافع الرحمة (ص 42-44 من الطبعة العربية للكتاب التي نشرتها كلمات للترجمة والنشر في 2013) ضمن كتاب (أخلاقيات الرأسمالية) من تحرير بالمر نفسه . يقول بالمر : (حين دخلت المستشفى غير الاستثماري تحدثت إلى بعض الرجال والسيدات المتقاعدين الخدومين الذين كانوا يرتدون زي المتطوعين الأنيق. كان من الواضح أنهم أشخاص محبون للخير، كما يتوقع المرء من مستشفى غير استثماري غير هادف للربح. بعد ذلك مشيت مستنداً على عكازي صوب عيادة علاج الألم، وهناك سجلت اسمي. جاءت ممرضة ونادت اسمي وبعد أن عرفتها بنفسي جلست إلى جواري في حجرة الانتظار. جرت المقابلة وأنا محاط بأشخاص غرباء. ولحسن الحظ لم تكن هناك أي أسئلة محرجة. لكني لاحظت أن الممرضات الأخريات كن يحدثن المرضى بلهجة آمرة. أمرت إحدى الممرضات مريضة، كان من الواضح أنها تتألم، بالجلوس في مقعد آخر، وبعد أن قالت المريضة أنها كانت مرتاحة أكثر حيث هي أشارت الممرضة نحو المقعد وقالت : ((كلا، اجلسي هناك! )
يواصل بالمر وصفه لتجربته بالمستشفى غير الاستثماري إلى أن يقول (دخل الطبيب المعالج، ودون مقدمات أو تعريف باسمه أو مصافحة نظر في ملفي وغمغم ببضع كلمات لنفسه ثم أمرني بالجلوس على الفراش، وأن أنزل بنطالي وأرفع قميصي. أخبرته أنني عندما أخذت الحقنة المرة السابقة كنت مستلقيا على جانبي، وأن هذا الوضع كان أكثر راحة لي؛ لأن الجلوس كان يسبب لي الكثير من الألم. لكنه أخبرني أنه يفضل أن أجلس، فرددت عليه بأنني أفضل الاستلقاء. قال أن جلوسي سيجعل دخول الحقنة أسهل، وهو أمر في مصلحتي كما هو في مصلحتي لذا أذعنت. بعد ذلك، وعلى عكس الطبيبة بالمستشفى الاستثماري، دفع الإبرة بعنف وحقنني بالدواء بشكل آلمني بشدة، حتى أنني صرخت، وهو ما لم يحدث في المرة السابقة. ثم أخرج الإبرة ودون شيئا في ملفي واختفى عن ناظري. ثم ناولتني الممرضة ورقة ما وأشارت إلى طريق الخروج. دفعت المبلغ المطلوب وغادرت. )
ثم يخلص إلى نتيجة أنه (إذا احتجت علاجا آخر أو طلب مني أحدهم أن أرشح له مستشفى فسأفكر في المستشفى الاستثماري. بيد أنني لن أعود إلى المستشفى غير الاستثماري أبداً، أو أرشحه، واعتقد أنني أعرف السبب : فالأطبا والممرضات هناك لم يكن لديهم سبب يجعلهم يرغبون في أن أفعل ذلك)
من المؤكد أن خلاصة بالمر هذه لم تستصحب تجربة الدكتور جعفر بن عوف ورفاقه وأبنائه الذين غادر معظمهم بلادنا بعد سبتمبر 2013 لأسباب غير مادية وغير ربحية في معظمها ويمكن برهنتها بتحقيقات صحفية أولية.
ثلاثاء مباركة يا أصدقاء وإلى لقاء جديد الأسبوع القادم والحديث ذو شجون .
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1845

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1299931 [إسماعيل آدم]
0.00/5 (0 صوت)

07-08-2015 09:51 AM
الموضوع جميل و قد إستغربت للرابط العجيب بين هؤلاء ! و كنت مقنعاً- واصل الكتابة و لكن أرجو إختيار عناوين أفضل !


فتحي البحيري
فتحي البحيري

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة