07-12-2015 05:51 PM


في خطابه أمام أخر أجتماع للجمعية العمومة للحوار الوطني "وثبة البشير"، الذي خصص لبحث الأزمة السودانية في ضوء تعثر خطة رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوي ثابو أمبيكي، بل فشلها في حقيقة الأمر، قال الأمين العام لمجلس أحزاب حكومة الوحدة الوطنية "الفكة" ورئيس تهيئة مناخ وثبة البشير الأستاذ عبود جابر في مرافعته عن نظام الرئيس عمر البشير: "ستصدر دعوات قريبا بها ضمانات واضحة للممانعين عن المشاركة في الحوار الوطني تجعل الطريق سالكا وممهدا أمام مشاركة الجميع في مؤتمر الحوار خاصة أن مشاركة المعارضة تمثل خطوة وطنية... وإن الحوار ليس له علاقة بأي ضغوطات خارجية... ومرحبا بالاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وآخرين كمراقبين لفعاليات الحوار الوطني في السودان... وإن دماء السودانيين جميعا، مدنيين وعسكريين وأطفالا ونساء وشيوخا وشبابا، بما في ذلك المعارضة الداخلية والخارجية، غالية علي الحكومة السودانية فكل هؤلاء سودانيون"!!
وكان الرئيس عمر البشير قد قال قبل ذلك بشهرين في خطابه "القسم الكاذب" أمام برلمانه الجديد الذي جاء مختصرا ولم يستغرق علي غير العادة إلا أربعين دقيقة فقط لا غير: "سوف تصدر الرئاسة الجمهورية توجيهات صارمة تمهد الطريق أمام مشاركة الجميع في الحوار الوطني... إن البعض يطرح في نفس هذا الإطار ومنذ بداية الأزمة أن الرئيس يجب أن يكون لكل الشعب، وأنا كي أكون دقيقا، إن الرئيس هو لكل من يقف تحت سقف الوطن والدستور والقانون، إلا ساويت بين العميل والوطني، وبين الفاسد والشريف، وبين من يخرب وبين من يبني"!!
فمن هو الذي يجب تصديقه يا تري.. هل الرئيس الذي من المفترض أنه مسؤول عن كل شعبه، حتي بمن في ذلك الذين يحاولون إسقاطه بالقوة، أم أمينه للمجلس الأحزاب الفكة الذي يبدو أنه حاول "ترقيع" ما قاله رئيسه في لحظة التوتر في أداء القسم الكاذب لم يستطع خلالها السيطرة علي أعصابه، أم مساواة بين الضحية والجلاد؟!!
في نهايات عام 2013 كان التذمر لدي بعض مجموعات الحركة الإسلامية وقادة أحزاب الفكة قد بدأ يتعاظم بعد مرور أكثر من عشرة أعوام علي ما سمي "حكومة الوحدة الوطنية" التي راهن كثيرون علي أنها ستخرج السودان من المأزق الذي أدخله فيه الأكثر إرهابا وتطرفا في حزب المؤتمر الوطني, وعلي أنها ستحل محل المرحلة السابقة لأنها تتسم بعدم التوتر ومشاركة للجميع في السلطة وببعض الحريات العامة وبعض الممارسات الديمقراطية وتخفيف قبضة الأجهزة الأمنية علي الناس والانفتاح علي المحيط الأفريقي والكف عن أساليب النزق السياسي، ليس تجاه الغرب "الرأسمالي" والولايات المتحدة فقط، وإنما أيضا تجاه كل العالم.
ولامتصاص ذلك التذمر المتعاظم بعض أحداث "هبة سبتمبر" جرت الدعوة لاجتماع مميز في مدرج القاعة الصداقة التاريخي حضره عدد كبير من مليشيات النظام وبعض زعماء الأحزاب السياسية تحدث فيه الرئيس عمر البشير، وكان يومها، أي يناير 2014، في عنفوان عنفه وكذبه وخدعه وفي بؤس سيطرته وضعف حكمه، كعادته لساعات طويلة وخطاب طويل ما سمي ب"وثبة البشير" وحسب بعض من حضروا ذلك "الاجتماع الهزلي" ومن بينهم رئيس حزب الأمة القومي الامام الصادق المهدي، والأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور حسن الترابي, ورئيس حزب الإصلاح الآن الدكتور غازي العتباني، فإن "الرئيس" قد رسم صورة عن الفترة الربع القرن الماضي من حكمه، وكأنه يتحدث عن إحدي الدول الإسكندنافية، فالرخاء عام، والحريات إضافية، ورغد العيش يعم الجميع، ولا وجود للمعتقلات ولا للسجون ولا لنحو ستة أجهزة أمنية مليشياوية، من بينها قوات الدعم السريع سيئ الصيت والسمعة.
يومها كان قد مرعلي رفاق عمر البشير "الانقلابيون" من قادة الدولة والحزب والقوات المسلحة والمجاهدين، الذين انقلب عليهم في ديسمبر 1999، في سجن الكوبري الشهير وزنازنيته، ربع قرنا أو أكثر، وكان القمع باسم "المشروع الحضاري" قد بلغ ذروته، وكان وهج الحرب في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق ما يزال لم يتراجع نهائيا، وكان حزب المؤتمر الوطني قد استكمل سيطرته علي بعض القوي السياسية وشدد قبضته علي خناق الصادق المهدي، وكانت العلاقات الخارجية في أسوأ حالاتها، وكانت الأوضاع الداخلية متردية، وكانت قضية إبادة جماعية في دارفور المعروفة تقف علي الباب، وخلافا لما قاله الرئيس في ذلك الاجتماع الهزلي المطول في مدرج القاعة الصداقة، فإن السودان كان يمر بأصعب ظروفه، فباسم مقاومة عصابات مسلحة والعملاء كان تكميم الأفواه قد باغ ذروته، وكانت المعتقلات قد طفحت بنزلائها، وكانت الميليشيات تطارد الناس في الشوارع، وكانت الأحكام الجائرة تتواصل ضد قوي المعارضة.
لقد سمع الأمام الصادق المهدي مثله مثل كل الذين حضروا ذلك الاجتماع من عمر البشير كلاما مغايرا لما كانت عليه الأوضاع في السودان فكان هذا السياسي المحنك، الذي هو أيضا مثله مثل غازي العتباني من الحركة الاسلامية إلي تصريح: إن قوات الدعم السريع قوات غير نظامية ترتكب جرائم في حق المواطنين، لذلك تم اعتقاله، وتنصل من وثبة البشير، بقوله: "عندما يكذب النظام". وقد انتقل من الخرطوم إلي القاهرة هروبا من جهاز الأمن والمخابرات الوطني ومليشيات الدعم السريع التي كانت قد أصبحت تسيطر سيطرة تامة علي سودان البشير بكل ما فيه وبكل عليه من مليشيات النظام "الدفاع الشعبي، الحرس الحدود، الرباطة، المجاهدين،..." ودولة مهلهلة.
لقد كان هذا في الماضي وقبل عاما وأكثر، أما الآن فإن هذا النظام قد كذب عندما أعلن أن هذه الثورة قد انتهت، أنه يحارب عصابات مسلحة، أنه كذب علي الاتحاد الأفريقي وعلي ثابو أمبيكي والمجتمع الدولي، وكذب أيضا عندما بادر بعض رموزه إلي القول في بدايات كل هذا الذي جري، إن الأزمة أصبحت وراءهم، وهو يكذب الآن عندما يقول إنه مستهدف لأنه نظام "اسلامي" ولأنه الوحيد في هذه المنطقة الذي يتصدي للإمبريالية والصهيونية!! وهو يكذب أيضا عندما يتنصل من كل المواثيق والعهود، وأنه يكذب عندما ينكر إبادة عرقية وينكر التدخل الإيراني في الشؤون السودانية، وعندما يستنكر الطابع القبلي العنصري الاثني الذي يتقصد استخدامه ضد شعبه، وعندما يصف انتخابات الدم الأخيرة بأنها جزء من العملية الإصلاحية التي يقول إنه بدأها بعد انطلاقة شرارة هذه الثورة التي وبلا أي تردد بالإمكان وصفها بأنها عظيمة وأنها جوهرة الثورات في العصر الحديث.


[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1932

خدمات المحتوى


احمد قارديا خميس
 احمد قارديا خميس

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة