07-26-2015 12:54 PM



كتب المفكر اللبناني الدكتور علي حرب، في كتابه " أوهام النخبة، يصف العلاقة بين المثقفين، يقول عنها ( العلاقات بين المثقفين ليست تنويرية، و لا تحررية، بل هي علاقات سلطوية، صراعية، سعيا وراء النفوذ، أو بحثا عن الأفضلية، أو تطلعا إلي الهيمنة و السيطرة. أخيرا، المثقف يدعي التجرد و النزاهة و الانسلاخ، دفاعا عن قضية الأمة و مصالح الناس، فيما هو يمارس مهنته و يدافع عن مصلحته) و يضيف قائلا ( إلي ذلك آلت مشاريعهم إلي الفقدان أو تهميش دورهم، و فشلهم و اغترابهم عن الواقع، أو آلت بالعكس إلي التحاق المثقف بالسلطة لا كمستشار يقدر و يقي، أو ينصح و يسدد، بل كموظف أو كواجهة ثقافية أو كزينة فكرية) و المثقف السوداني في منابر الرأي، شخص متنازع بين ثقافات متنوعة و مختلفة، يفتقد المبدئية، متناقض في الخطاب و الفكرة، و خاصة في قضايا الحرية و الديمقراطية، فالحرية تعني للمثقف السوداني، إنها شعار يرتفع في حالة الضيق و فقدان الحرية، و عندما يلج إلي السلطة يصبح هو أحد معوقات الحرية، إن كان من خلال تغيير الخطاب أو من خلال الممارسة، و التاريخ أثبت فلس المثقف السوداني، حيث يمكن أن يتنقل بين المكونات دون أن يجد حرجا في ذلك، مادام هو يبحث عن مصالحه، و المواقف تحرجه، و تجرح مبدئيته، عندما يقف مواقف متناقضة للشعارات التي يرفعها.
تعتبر العلاقة بين الحرية و الإبداع، هي علاقة جدلية و مفصلية، فليس هناك إبداع دون مساحة للحرية، و الحرية هي البيئة الراعية للإبداع و الحاضنة، و إذا تتبعنا مسيرة تاريخ الحضارة الغربية، نجد إن العلوم و الاختراعات و الفنون و التنمية، و كل التطور الذي تشهده الإنسانية، بدأ بعد ما انتزع المجتمع حرية من سيطرة الكنيسة، و تفكيك الترابط بين الكنيسة و السلطة، و بروز الطبقة الوسطي، التي قادت العملية التنويرية في المجتمع، و زادت من رقعة الحرية، و يقول عنها الدكتور بشير خلف في مقال بعنوان " لا الإبداع بلا حرية" قال ( أن الإبداع باعتباره تجديدا، أو إيجاد لما هو غير موجود، و تجاوزا للمألوف، يأتي إلا عن تحرر مما ألفه غيره، و استسلموا له طائعين راضين، أو خاضعين شعرهم " ليس في الإمكان أبعد مما كان" الإبداع صنو الحرية، و الحرية هي الشرط الأساس لوجود الإبداع) و يضيف قائلا ( فالحرية ظاهرة أو واقعة أو حالة، و هي تشترك مع الإبداع في كونها فعلا ينتقل من الإمكانية إلي الوجود، بفعل التحرر، الذي يقوم به الإنسان) فأية عمل إبداعي يحتاج لمساحة واسعة من الحرية، التي تتيح للشخص التعبير عن حاجياته دون أية ضغوط تمارس عليه، كما تقول الدكتورة أفنان نظير دروزه ( المبدع لا يستطيع أن يخرج إبداعه إلي حيز الوجود إلا إذا عبر عن رأيه و أفكاره بحرية، و صور أحلامه و خياله دون خوف أو وجل، أو تهديد أو وعيد، فالإبداع يحتاج إلي أفاق واسعة، و فضاء رحب، و صدور مفتوحة، و عقول نيرة، و نية صافية، و هذا كله يحتاج إلي بيئة راقية، و نظام اجتماعي متطور، يحترم الإنسان و مشاعره و فكره و عمله و انجازه) فالفضاء الذي يحتاجه الإبداع فضاء كبيرا، و غير مقيد، لكي يستطيع المبدع أن يقدم كل صوره الجمالية، و خاصة في الفن الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالخيال، حتى إذا كان يتناول قضايا واقعية، و الصور الجمالية لا تتداعى إلا إذا كانت القيود التي تعيقه تتكسر، لذلك كانت الدراما هي من أرقي أنواع الفنون، لأنها ارتبطت بقضايا الواقع و تسهم في معالجة مشاكله، و لكن عبر الصور الجمالية و الخيال الموار، و الدراما رغم أن النقد هو أهم أدواتها، و لكن يوظف من خلال الأدوات و التعبير الجمالية، لأنها تدخل الخيال كركن أساسي في هذه الصور، فالإبداع لا يمكن أن نحاكمه بأدوات غير إبداعية لأنها تخل، فالسياسة و أدواتها ليس هي أدوات ناجعة لمحاسبة الإبداع و الفنون.
و الفن يعكس رقي الأمة، و مدي تطورها، و يعكس تفكير نخبتها، و قضية "مسلسل بيت الجالوص" للدكتور علي بلدو و الذي أوقفته الإذاعة السودانية، بعد ما ذاعت 12 حلقة منه، هو عدم احترام المستمع و لدوره كركن فاعل في العملية الإبداعية و جزء من الحوار، و أيضا هو عدم احترام للجنة التي أجازت العمل، و هي لجنة تضم إذاعيين و دراميين، بينهم الأستاذ الخاتم عبد الله، المدير العام السابق للإذاعة، و الخاتم كاتب درامي، كتب مسرحية "تنصيب رث الشلك" و هي مسرحية تتناول قضية من أهم القضايا في مجتمع الشلك، الذي يقتل فيه الرث وفقا لطقوس قبيلة الشك، خنقا من قبل زوجاته، و عن رضي القبيلة، و رضي الرث، بعد ما يفقد قدرته علي ممارسة مهامه كرث، و هي قضية تخالف القانون، و تعتبر من انتهاكات لحقوق الإنسان، و لكنها تتم تحت سمع المجتمع و يتجاوز عنها احتراما لثقافة القبيلة، و رغم ق قساوة العملية، لكنها تمارس في المجتمع، اعتقادا أن الرث إذا مات موتا طبيعيا، سوف تهرب الروح الفاعلة، و هذا يشكل فأل سيء للقبيلة، و عندما يقتل الرث تكون الروح معلقة في الهواء داخل البيت، لكي تتقمص الرث الجديد، هذا التناول الثقافي، كان لفت المجتمع لقضية مهمة في الثقافة، و كاتبها هو الخاتم عبد الله الشاعر و المسرحي، الذي تمت أجازة النص بوجوده، و يعرف إذا كان النص يسئ لفئة من الناس، أم هو مجال للنقد لظواهر اجتماعية، من خلال تعابير جمالية، و القضية تحتاج أن نأخذها من جوانب و زوايا مختلفة، و لكن الأستاذ الرزيقي أخذها في بعد واحد و عبر بخطابه عن مكنونات الثقافة التي يدخرها، دون حتى أن يكتب عنها ناقدا لكي يفتح مجالات من الحوار الفكري بدلا من إجراءات المنع التي تتعارض مع مبادئ الاتحاد الذي هو علي رأسه.
فإذا كان السيد الصادق الرزيقي ينطلق من إن المسلسل يسئ إلي فئة الصحافيين، فهل يعتقد الرزيقي إن هذه الفئة هي بعيد عن الأمراض الاجتماعية، فهي فئة مثلها مثل الفئات الأخرى، رغم إنها فئة ناقدة، و تمارس النقد بصورة مستمرة، باعتباره من أهم أدواتها، فلماذا نسي الرزيقي هذه الخاصية و سعي لاستخدام وسائل هو يعاني منها؟ و كتابته لمدير الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون بأن يوقف المسلسل، يشكك في مصداقيته، بأنه يسعي من أجل توسيع دائرة الحرية للصحافة، فالذي يناضل من أجل الحرية لا يمكن أن يكون لديه خطابان عنها، و لا اعتقد إن الحرية تمثل ركن أساسي في ثقافة السيد رئيس اتحاد الصحافيين السودانيين، فهي تمثل انزلاق سوف يعاني منه كل الجسد الذي يمثله في قضيته من أجل توسيع دائرة الحريات، فالحرية قيمة من يناضل من أجلها لا يناقضها في السلوك.
الزاوية الأخرى، هي زاوية الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون، و هي الزاوية الأخطر في القضية، إذا أدعي الأستاذ الرزيقي إنه يدافع عن قبيلة الصحافيين، عن ماذا يدافع السيد مدير الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون، الذي كان خطأه أكبر حيث ضرب كل الإرث الإذاعي عرض الحائط، إن الإذاعة في تاريخها الطويل و خاصة إن الدراما الإذاعية تناولت قضايا عديدة بالنقد في المجتمع، كما تناولت ظواهر و فئات بالنقد دون أن تتنازل عن حقها في الإبداع، و لكن السيد مدير الهيئة لم يكلف حتى نفسه بمراجعة تقرير اللجنة التي أجازت العمل الدرامي، و لم يأخذ رأيها كجنة فنية، و حتى لم يأخذ رأي مسؤول الدراما في الإذاعة، هل كان يعتقد إن خطاب رئيس اتحاد الصحافيين سوف يكون وراءه السلطة تنفيذية، أو غيرها، سوف تمارس عليه نوع من الضغط، أم كان يعتقد إن لجنته الفنية و قسم الدراما علي خطأ و إن الرزيقي وحده هو علي حق؟ كثير من الأسئلة يمكن أن تطرح و لا اعتقد يستطيع مدير الهيئة الإجابة عليها، لأنه أهمل الإجراءات التي من المفترض أن تؤخذ في هذه الحالات.
و ربما أجد العذر للأخ مدير الهيئة، تخفيفا علي ممارسة النقد عليه، خاصة في أرث ثقافتنا، التي مساحات الرأي فيها مخنوقة، و مكبلة بكثير من القوانين و الأعراف، و أنا قد زاملت الأخ و الصديق الزبير عثمان أحمد، سنين عددا، في إدارة الأخبار و السياسة بالإذاعة السودانية، حيث إن الأخ الزبير منذ التحاقه بالإذاعة السودانية في أول عقد الثمانينات من القرن الماضي، ظل طوال هذه السنين في القسم السياسي، دون أن يفارقه، و أصبحت هناك حالة عشق بين الزبير و السياسة بكل مشاكلها و مطباتها، رغم إن الزبير لم يمارسها كسياسي إنما كفني يستخدم أدوات التحليل، و العمل في إدارة الأخبار و السياسة يختلف كليا عن الأقسام الأخرى من جانب الإجراءات الإدارية، كما إن مشكلته دائما تتجاوز مدير الإذاعة إلي السلطة التنفيذية، حيث أن القسم دائم التعرض لنقد السلطة التنفيذية في إذاعة خبر أو تعليق أو لقاء مع مسؤول، أو حتى بيان من وزير أو مدير أو غيره من التنفيذيين، التي تتعرض في بعض الأحيان إلي نقد قاسي تتخذ فيه إجراءات الوقف باستمرار للمادة أو الشخص الذي نفذها، هذه البيئة مقيدة بإجراءات الوقف و منع تؤثر في العاملين فيها، كما إن الزبير لم يتنقل بين أقسام الإذاعة المختلفة، ظل طوال سنين عمله في إدارة الأخبار و السياسة، التي حجبت عنه الكثير من القضايا المتعلقة بقضايا الإبداع و الفنون، خاصة قضية الدراما، و الفنون و غيرها التي تجعل للشخص مقاييس أخرى، يستطيع من خلالها أن يجد معالجة أفضل من المنع و التوقيف، و في نفس الوقت أن لا يهدر حق الإذاعة في معالجة مشاكل المجتمع من خلال العمليات الإبداعية، و ربما اعتقد إن المنع هو أفضل علاج للمشكلة أرضاء للصحافيين، رغم إنه لم يراع حسابا للإرث الإذاعي، و هذا لا تبريرا و لا دافعا عن صديق الزبير، و إن كانت المسئولية الجماعية لا تعفيه من أن يرجع لأهل الاختصاص، خاصة إن القضية جاءت تظلم من مؤسسة صحافية، كان من المفترض أن تكون عونا و سندا و دعما لحرية الإبداع، و أن تنقد العمل بذات الأدوات الإبداعية، و لكن رئيس المؤسسة اختيار الجانب الأسهل و الأسرع، الذي ربما كان يعتقد أنه يتماشي مع المزاج العام في السلطة، و لكنه إجراء يتعارض مع أهداف مؤسسته، مهما حاول أن يقدم من مسوغات.
إن قضية وقف مسلسل " بيت الجالوص" و الشخوص المشاركة فيه، تفضح مبدئية المثقف السوداني، و تجرح شعاراته المنادية بالسعي الجماعي لتوسيع مساحة الحرية، كما تعطي مؤسسات أخرى الحق في اتخاذ ذات الإجراء دون أن يستطيع الاتحاد أن يعترض عليها، الغريب إن الاتحاد يعاني من مثل هذه الإجراءات، و مشكلة المثقفين السودانيين، توجد أوراق في ثقافتهم، تنادي بالوقف و المنع و غيرها من الأساليب التي تعيق توسيع دائرة الحرية، فالمثقف السوداني متناقض في مواقفه و في شعاراته. و نسأل الله البصر و البصيرة.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1758

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة