المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أحمد الملك
نورا تطلب من المشير تأجيل غروب الشمس
نورا تطلب من المشير تأجيل غروب الشمس
06-22-2010 09:18 AM

نورا تطلب من المشير تأجيل غروب الشمس

أحمد الملك

يوم الجمعة الاول من اغسطس كان يوم بداية موسم زراعة محصول الذرة، أصوات الصبية كانت تتصاعد من علي البعد وهم يشاركون ذويهم حراثة الأرض وتجهيزها، نورا كانت جالسة في ظلال شجرة النيم في الركن الشرقي من فناء البيت الواسع المفروش بالرمل الاحمر، غرد طائر ابو البشير فوق شجرة الحناء فرفعت نورا رأسها قليلا فإصطدمت عيناها بحزمة ضوء خلّفها الطائر الذي طار فجأة باتجاه حقول الذرة .

اضاءت حزمة الضوء ذاكرتها فرأت تفاصيل الحلم الذي ظلت تراه كل ليلة اثناء نومها وتنساه صباحا رغم انها كانت تجهد ذاكرتها طوال اليوم لأنها عرفت ان مصيرها كان متوقفا علي ذلك الحلم، وبسبب اجهاد محاولة التذكر غرقت في دوامة قلق نهاري حتي انها توقفت عن الذهاب للحقول للمساعدة في الاعداد لموسم الدميرة، وأهملت حتي ثروتها القليلة من الدواجن والحيوانات المنزلية التي تعتمد عليها من أجل تأمين حياتها تاركة لأمها عبء ادارة اقتصاد منزلي منهار .

فتحت باب المنزل حينما سمعت صوتا ينادي عليها، وجدت سليمان حاج علي الاعرج منتصبا مثل الجدار وفوق رأسه حزمة من جريد النخيل ألقاها فوقها دون تردد ولاذ بالفرار، كانت تعلم أنه يحاول التودد إليها عبر كل الوسائل بعد أن فشلت مساعيه للزواج من بتول الجميلة .

اضاءت حزمة الضوء التي خلفها طائر أبو البشير عتمة ذاكرتها، فرأت تفاصيل الحلم الذي أجهدت ذاكرتها بحثا عنه، رأت خطيبها الجندي الذي لبثت خمس اعوام في انتظاره رغم البرقية التي وصلت الي القرية منذ سنوات تعلن موته في الحرب الاهلية جنوب الوطن رأته قادما يتهادي ببزته العسكرية الكاملة مخترقا طريقا ضوئيا تطل من علي جانبيه وردات نبات صباح الخير، رأته يتقدم في محيط ضوئي متلاطم الامواج ومن خلفه إمتد غروب دون نهاية .

كانت الصور المخزونة في ذاكرتها واضحة جدا حتى انها رأت تفاصيل وجهه واضحة لم تمسسها يد الموت، رأت عينيه المليئتين ببريق الحياة فعرفت انه لم يمت، وأن الواقعة المحفوظة في ذاكرتها كانت أقوي حتى من الموت وأنه بإستطاعتها بمجهود قليل أن تفرض تلك الواقعة علي الحياة اليومية من حولها .

لم تبال بإحتجاجات أمها لانشغالها بالاوهام وانه يتعين عليها ان تعتني بالدواجن وتطعم طيور الحمام وأن تذهب لتجمع بعض الحشائش لاطعام الماعز الذي يتضور جوعا لأن والدتها المصابة بحمي الملاريا عجزت عن ممارسة أعمالها اليومية .

اعدت لأمها كوبا من مغلي الحرجل والعرديب لمقاومة الحمي، قبل ان تغادر البيت لتعود بعد قليل بربطة من الحشائش ساعدها سليمان الاعرج لترفعها فوق رأسها، ثم غادرت البيت مرة أخري لتعد تفاصيل خطتها لفرض واقعة حلمها علي الحياة اليومية، بدأت بإستكشاف الطريق الذي يعبر خور أرقو ليؤدي الي غابة السنط بين تلال الرمال والمنازل المتناثرة المهددة بالدفن بسبب الزحف الصحراوي، استطاعت نورا ان تحدد طريق الورود الذي كان يعبر فيه خطيبها في طوفان المغيب الممتد الي ما بعد صلاة العشاء، كان طريقا ضيقا يمتد بين اجمة أشجار الطرفاء ونبات العلق ولم يكن ينقصه سوي وردات صباح الخير الكبيرة الحجم ليطابق ورود حلمها .

كانت الحاجة فاطمة بت حاج النور نائمة حينما استيقظت علي مشهد شخص يطرق باب بيتها بقدمه الضخمة وهو واقف علي رأسه، حين فتحت الباب وجدت نورا منتصبة في ضوء الضحي، دعتها لتدخل ثم خرجت لتجمع بعض الحطب لتعد القهوة، أثناء إعداد القهوة ألقت الحاجة فاطمة حبات الودع فرأت نورا تبحث عن بذور ورود حلمها فقالت لها:

· لا توجد بذور هذه الورود الا في مملكة سرية للجن أسفل النهر، والباب الذي يؤدي الي هذه المملكة لا يفتح الا مرة واحدة كل مائة عام ، ثم أحصت الحاجة فاطمة بعض الخطوط التي رسمتها أمامها علي التراب وألقت قطع الودع فوقها وأعلنت ان الباب إنفتح قبل سبع وعشرين عاما ولن ينفتح بالتالي مرة أخري قبل سبعين عاما .نورا شعرت بصدمة خيبة الامل تشل أوهامها، الا ان الحاجة فاطمة لم تفقد الامل في إيجاد حل، جمعت قطع الودع والقتها مرة أخري، ثم أشارت الي قطعة ودع سقطت بعيدا، رأتها تشير الي شخص غريب يرتدي ملابس الجنود، عرفت ان ظهوره في القرية بات وشيكا، رأت سيماء الشعور بالوحدة يكتنف بريق عينيه ووجهه المغطي بالتجاعيد، فعرفت أنه جاء الي مسقط رأسه، لا ليبحث عن إرث مزعوم لاسرته كان هو الامل الوحيد له من أجل تحقيق سلام لا مع العالم بل مع نفسه . عرفت من سيماء وجهه ورائحة الخريف الملازمة له انه يبحث عن موطنه، لا ليستأنف فيه تفاصيل حياة تعيد اليه بعض أواصر حياة سالفة، بل ليموت فيه .

· رأت تساقط هالات المجد التي أحاطت به، رأته مجردا من أية سلطة حتي من سلطته علي ذاكرته، رأته أكثر المخلوقات ضعفا وانه يجهل حتي قدره، رأته يهز رأسه مرارا دون أن تفهم أنه كان يرج ذاكرته ليصبح في متناوله إستعمال بقية الذكريات التي رسبت في قاع ذاكرته، ورغم صورته الواضحة امامها الا انها اعلنت لنورا كمحاولة اخيرة لحملها علي النسيان أن تحقق نبوءتها لن يتم الا بظهور هذا الغريب القادم عبر زمان كان يتفتت ويتحول الي هشيم بمجرد مروره، ثم دلتها علي الاشارات التي سوف تبين ان ظهوره بات وشيكا : انه سوف يظهر في شهر مسري مع بدء موسم فيضان مدمر سوف يمسح قري كثيرة من علي وجه الأرض وسوف يكون ايذانا بانتهاء آخر فصول دورة الجفاف التي رافقت عهود سلطته، ان نبات صباح الخير سيتوقف عن الازهار لحظة ظهوره وان نبات عباد الشمس سيزهر في احراش الحلفاء للمرة الأولى منذ اعوام طويلة .

· كلتاهما لم تلاحظا ان تلك الاشارات كانت تتحقق في تلك اللحظة، فقد ارتفع منسوب نهر النيل خلال بضعة ايام ارتفاعا خطيرا، حتي ان اهل القرية قسموا انفسهم الي عدة مجموعات وزعت فيما بينها مهام مراقبة النهر واقامة السدود الترابية لدرء خطر النهر عن القرية، ان ورود عباد الشمس بدأت للمرة الاولي تطل من داخل اجمة نبات الحلفاء الكثيفة التي تغطي الطريق المؤدي الي نهر النيل، لم تلاحظا بدء تحقق اشارات ظهوره رغم ان الحاجة فاطمة رأت في قطع الودع اشارات تؤكد ان وجوده في القرية كان سابقا لحضوره الفعلي، دون ان تنتبه الي ان تلك لم تكن سوي اشارة الي موته الوشيك .

· عادت نورا الي البيت بعد ان تجددت امالها بامكانية تحقق أوهامها، وجدت امها لا تزال تئن من وطأة الحمي فأعدت لها مغلي الحرجل والعرديب وساعدتها علي ابتلاع قرص اسبرين .

· ثم سحبت فراشها ليكون قريبا من فراش امها، لبثت لفترة ترقب اشباح اشجار النخيل في ضوء القمر الذائب في رائحة موسم الدميرة، استغرقت في النوم وهي لا تزال تري المشهد نفسه، وفجأة رأت أشجار النخيل تتلاشي تماما في ضوء القمر ورأته قادما من علي البعد، رأت الغريب قادما يقطع ارضا جرداء دون نهاية وهو يسير علي رأسه بينما سائل صمغي أصفر ينزف من ثقب في مؤخرة رأسه متحولا الي دم بمجرد ملامسته للأرض. ولدي بدء انتشار ضوء الفجر كان اول صوت سمعته يخترق غناء عصافير الصباح هو صوت سليمان حاج علي الاعرج يعلن وصول السيد المشير .

· هرعت نورا لاستقباله ضمن اهل القرية، لكن سليمان الاعرج اخبرها انه يتعين عليها كتابة عريضة بقضيتها لتقديمها للسيد المشير ضمن عرائض اخري سيقدمها اهل القرية، لم تتردد نورا المخبولة فيما ستفعله، وجدت طه ود حاج محجوب المدرس متأهبا للذهاب للمدرسة فأستبقته ساعة كاملة كانت كافية ليكتب لها طلبا مذهلا في وضوحه شرح فيه قضية خطيبها الغائب منذ عدة سنوات، منذ ان ارسل ليشارك في الحرب الاهلية واشاعة اعتقاله في مؤامرة مزعومة ضد السلطة العسكرية، مشددا علي المطالبة بعودته، حتي طه ود حاج محجوب نفسه لم يلاحظ أنه انساق وراء لعبة نورا المخبولة لفرض واقعة حلمها علي الواقع اليومي ، وانه طالب ضمنا في سياق العريضة باعادة خطيب نورا من الموت .

· في ظهر اليوم نفسه كانت نورا ضمن الوفد الذي شكله اهل القرية لاستقبال السيد المشير بعد جهد كبير بذلته لاقناعهم بعدالة اوهامها التي تحتم ظهورها ضمن اول من سيستقبله، كان الكثيرون يرون بأنهم اكثر جدارة بذلك الشرف ، واعلن سليمان حاج علي الاعرج بأنه الاجدر برئاسة الوفد لأنه كان اول من رآه قادما، واول من اعلن خبر وصوله كما انه اعتمد علي واقعة حدثت قبل بضعة سنوات اثناء سمر ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية، حينما عرض احدهم جائزة زجاجة من عرق البلح لافضل من يضع تصورا لاخر الامجاد التي وصل اليها السيد المشير وكيف تبدو صورته، كان سليمان الاعرج هو الوحيد الذي نجح في اعطاء صبغة عسكرية لصورة السيد المشير رغم ان نجاحه كان بائسا فقد اعطاه صورة مجند في قوات الشرطة الشعبية يتعقب السكاري ويجمع الضرائب علي اشجار النخيل .

· وفي النهاية عثروا علي السيد المشير مشغولا بقياس الأرض مستخدما حبلا من ليف النخيل لتحديد مكان بيت اسرته القديم، بدا مستغرقا في بحثه حتي انه لم ينتبه لوصول اهل القرية، ولا للاحتفال الرسمي الذي بدأ بضرب النحاس الذي كان يخص الملك طمبل اخر ملوك مملكة ارقو، نورا لم تعنها كل تلك الضجة في شئ، لم تكترث ولا حتي للكلمة الرسمية التي ارتجلها النور ود حاج الزين رئيس اللجنة الشعبية مرحبا بالضيف الكبير ومحييا الثورة العظيمة التي اسهم القادم الكبير في تفجيرها، مستخدما طوال الوقت عبارات ثورية عامة غير محددة، لأنه كان يجهل اسم العهد المجيد الذي ينتمي اليه الضيف الكبير، بسبب فشله في التمييز بين ثورات كثيرة كانت تنطلق في جهاز الراديو .

· طوال الاستقبال الرسمي الذي وزعت خلاله اكواب مشروب الكركدي البارد ظلت نورا المخبولة تتحرق شوقا لانهاء مراسيمه دون ان ترفع نظراتها ولو لبرهة عن الرجل الذي سيحقق حلمها، دون ان تلاحظ انه كان عاجزا حتي عن ان يحلم، وأنه كان جالسا في تلك اللحظة في مقعده دون ان يفهم أي شئ عن الضجة التي تدور من حوله او يتعرف علي أي من الوجوه التي كانت تختلط امام عينيه في مشهد سيريالي. بعد انتهاء الاستقبال الرسمي بدأ تقديم العرائض، قدمت نورا المخبولة عريضتها بعد الحاجة سكينة بت حاج احمد التي طلبت استبدال بضعة اوراق من العملة القديمة بالعملة الجديدة لأنها كانت تعاني في فترة تغيير العملة الوطنية في مطلع العقد الاخير من القرن الماضي، كانت تعاني من تشوش وفقدان للتركيز بسبب حمي الملاريا .

· تسلم السيد المشير العرائض دون ان ينظر اليها او يعلق عليها، واكتفي بوضعها في جيب سترته العسكرية واحكم وضع قبعته علي رأسه قبل ان يغادر المكان فجأة مواصلا بحثه حتي قبل ان ينفض الوفد من المكان .

· نورا كانت تشعر بالقلق حينما ذهبت عصر نفس اليوم لتجمع بعض الحشائش من حقول الذرة، لكن سليمان الاعرج طمأنها أن طلباتها ستجد طريقها الي التنفيذ، وان هناك اجراءات حكومية معقدة تتم دائما قبل تنفيذ أية مطالب شعبية، ثم ختم النقاش بقوله : ما دام قد تسلم منك العريضة فذلك يعني أنه قبل تنفيذها .

· شعرت نورا المخبولة ببعض الاطمئنان، رغم انها كانت تشعر بالحيرة اذ لم تستطع ان تفهم ان شخصا في مثل امجاده يقود دفة الحياة في وطن مترامي الاطراف ورغم ذلك يحمل حبلا من ليف النخيل يقيس به الأرض بحثا عن قطعة ارض صغيرة تخص اسلافه، قالت لسليمان حاج علي الاعرج :

· كيف يبحث عن قطعة ارض صغيرة بينما هو يملك وطنا بأكمله ! ضحك سليمان الاعرج وقال : انه الطمع !

· شعرت نورا ببعض الاطمئنان حتي انها استأنفت اعداد نفسها من اجل الزفاف الذي تأخر بضعة اعوام، اكتشفت ان الملابس التي كانت اعدتها للزواج اصبحت غير صالحة بسبب العتة وبسبب النحول الذي دب في جسدها من وطأة انتظار دون أمل، فقررت ان ترسل كل النقود التي ادخرتها طوال سنوات مع الطاهر حاج عثمان الذي يسافر كثيرا الي مدينة امدرمان من اجل شراء ثوب للزفاف، ثم تفحصت مخزونها من الاواني المنزلية التي اشترتها طوال سنوات من الغجر فوجدته سليما رغم خطوط الصدأ التي بدأت تظهر علي بعض قدور الطبخ واواني الالمنيوم، فقررت ان تبدأ في اعادة تأهيل مخزونها تدريجيا وان تشتري مستلزمات الزفاف الأخرى مثل الحناء والعطور التي يجلبها بعض الباعة الجوالة من الحجاز ويعرضونها للبيع في سوق الأربعاء، الا أنها وجدت ان ذلك سوف يستلزم ان تعطي اهتماما اكبر للارث الذي خلفه لهم والدها بعد موته من اجل توفير مصادر لتمويل احتياجات اوهامها .

· بدأت بالطواف علي مزرعة اشجار النخيل ولحظة دخولها اكتشفت للمرة الاولي عمق الهوة التي دفنت نفسها فيها خلال اعوام دون ان يعنيها بشئ ان الحياة كانت تتدهور من حولها بوتيرة يومية، حتي انها حينما نظرت حواليها بعد ان استعادت وعيها بالاشياء لم تستطع للحظة ان تميز ان كانت قد عادت الي الحياة ام الي الموت .

· وجدت المزرعة الصغيرة التي كانت تغص بأشجار النخيل حتي ان المرور داخلها كان متعذرا، وجدتها خالية حتي من اشارات الحياة كأن اعصارا اكتسح المكان، نورا قررت ان تذهب لزيارة عمها حاج الزين لتتشاور معه لاعادة تأهيل مزرعة النخيل، ثم حاولت تتبع ثروة والدها من الابقار والتي قام عمها حاج الزين بعد وفاة والدها بتوزيعها علي بعض اهل القرية ليقوموا برعايتها بالمشاركة في انتاجها، وجدت نورا ان تلك الثروة كانت افضل حالا وانه يمكن الاعتماد عليها لتأمين نفقات الزفاف. شغلتها همومها الاقتصادية عن تتبع اخبار السيد المشير، اتفقت مع بعض الاعراب الرحل لحفر بئر جديدة للماء وتركيب طلمبة لسحب الماء منها لري اشجار النخيل التي تأثرت بسبب تراجع مواسم فيضان نهر النيل نتيجة الجفاف، واثناء متابعة مشاكلها لم تلق بالا للأخبار التي كان يحملها سليمان الاعرج احيانا وكان يتحدث عن السيد المشير قائلا انه يقول كلاما مثل السكاري، ويحكي وقائع أحداث تبدو كأنها وقعت لعدة أشخاص وليس لشخص واحد، وانه في الليلة الثالثة لاستقباله قطع فجأة حديثه غير المترابط عن ذكرياته أيام عمله في البحر ليبدأ بصورة مفاجئة في الغناء مستعيرا مقاطع متداخلة من عدة اغنيات .

· بعد ايام من وصوله كان أهل القرية قد انفضوا من حول السيد المشير لأنهم لاحظوا أن مجرد الاستماع اليه كان يؤدي باستمرار الي تاكل هالة المجد التي رسموها حول صورته التي احتفظوا بها في خيالهم الجماعي، تركوه هائما في طرقات القرية يبحث عن بيت اسرته القديم، وجدته نورا في اليوم الثامن لوصوله وهو نائم وقد أسند رأسه الي جذر شجرة حراز، أيقظته ودعته ليذهب معها الي البيت، تردد في البداية وهو يحدق في نورا بنظرات زائغة، كانت تبدو علي وجهه سيماء شخص فاقد للذاكرة، ساعدته نورا ليقف ويمضي معها وهي تسحبه مثل طفل، في البيت احضرت له ابريقا مليئا بالماء ليغسل وجهه واحضرت له مرآة، لم تجد تفسيرا لشعورها بأنه كان بحاجة ليري وجهه، وان استعادته لتفاصيل وجهه في ذاكرته قد يكون المفتاح الذي يعيد اليه القدرة علي الامساك بزمام الذاكرة، تركته يحدق في المرآة دون ان تلاحظ انه كان يحدق في وجهه بشراهة لا ليتعرف علي تفاصيل وجهه بل لأنه كان يجهل انه علي قيد الحياة .

· اعدت له نورا القهوة وبمساعدة امها المنهكة من اثار حمي الملاريا احضرت له عنقريبا ليستريح فيه، ثم خرجت لتجمع الحطب لتعد له طعام العشاء، دون ان يحملها مظهره البائس علي اعادة النظر في فكرتها الجازمة بأنه الوحيد القادر علي مساعدتها من اجل تحقيق نبوءتها .

· في الخارج واثناء جمعها لجريد النخيل الجاف وجدت سليمان حاج علي الاعرج يتسكع دون هدف، فاجأها بقوله :

· سمعنا ان الحكومة في بيتكم !

· قالت نورا : انا وامي نعيش وحيدتين في حاجة الي من يحرسنا

· فقال سليمان الاعرج قبل ان يبتلعه هواء الدميرة المشبع بضوء القمر :

· انه اول حارس برتبة مشير !

· بعد ان تناول السيد المشير طعام العشاء من كسرة الذرة واللبن الرايب، جلست نورا بجانبه وحاولت ان تشرح له تفاصيل حلمها الذي ينتظر اشارة منه ليبدأ في التحقق علي ارض الواقع، لم تلاحظ أنه كان عاجزا عن القيام بأي شئ رغم انه استمع لها بكامل حواسه، ولم تلاحظ أيضا ان ذاكرته توقفت عن تسجيل أية وقائع جديدة وانه كان يتلقف وقائع قصتها ثم ينساها في نفس اللحظة، ورغم ذلك لم تتوقف نورا المخبولة عن سرد تفاصيل حلمها دون ان تلاحظ انها في استرسالها في رواية الحلم تجاوزته لتروي تفاصيل تتعلق بانتظارها منذ لحظة خروج خطيبها من البيت ذات صباح غابر، معتقدة ان هذه التفاصيل كانت جزءا من حلمها، الا ان السيد المشير لم يكن منتبها بما يكفي ليميز بدء انفلات حلمها الذي ظل حبيس الذاكرة حتي تحرر بفضل ومضة ضوء من جناح عصفور، لم يكن متنبها ليميز انفلات حلمها نحو الواقع اليومي فقد اخلد بعد قليل للنوم . اكتشفت نورا انه كان نائما منذ فترة ولم ينبهها الي ذلك سوي انطلاق شخيره، سحبت فوقه ثوبا قطنيا خفيفا ليحميه من رطوبة الفجر، واصلحت وضع جسده علي الفراش وخلعت له حذاءه العسكري، ثم خلعت له قبعته العسكرية وعندها لاحظت بدهشة الثقب الصغير في مؤخرة رأسه ينزف سائلا صمغيا أصفر تماما مثلما رأته في الحلم حينما رأته ليلة ظهوره قادما، أحضرت قطعة قماش وبللتها في محلول ثمار شجرة السنط ثم وضعتها فوق الثقب لتوقف النزيف دون أن تلاحظ انها أغلقت ذاكرته ولكن بعد ان نزفت كل وقائع حياته، ثم سحبت الغطاء ليغطي رأسه .

· ألقت نورا بجسدها في فراشها جوار امها، شعرت بنفسها تتلاشي في ضوء القمر الذائب في رائحة موسم الدميرة، رائحة الأرض المروية ورائحة اسماك الكور، وضوضاء الصبية الذين يسهرون لمراقبة ارتفاع منسوب نهر النيل الذي بات يهدد القرية، سمعت صوت ألحان طمبور بعيد كانت تصل الي اذنيها في موجات متقطعة بسبب عدم استقرار الريح، وفجاة رأت سرابا ضوئيا يتدفق من حولها، رأت السائل الاصفر المتدفق من ذاكرة السيد المشير يتحول الي نهر صغير جرف حولها امواجا من الذكريات المنفية من ذاكرته، فرأت صور ضحايا عصور جفافه، رأت النسوة المسنات الجالسات علي أرصفة محطات نائية في انتظار قطارات لن تصل ابدا تحمل ذويهن المفقودين منذ اطلالة عهده، رأت أرتال الفقراء النازحين من مختلف الكوارث الوطنية في عهده، رأت الموتي المدفونين في ظلام قبور جماعية منسية، ثم جرف النهر امامها بساطا أحمر من وردات نبات صباح الخير، فرأت خطيبها يعبر من فوقه، قويا مشرقا، متخطيا سياجا محكما من غروب يمتد دون نهاية .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1389

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية
تقييم
1.38/10 (80 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة