03-17-2011 12:47 AM


عمود : محور اللقيا

الشعب قالوا عليه ( مكتوب )

د. عمر بادي
[email protected]

عنوان مقالتي هذا بعد أن إخترته وجدته مقاربا من أغنية معروفة للفنان صديق الكحلاوي يقول فيها : ( الناس قالوا علي مجنون ) , و رغم أنني لم أتعمد ذلك وجدت الأمر مشوقا للتشابه الصدفي بين أنواع الحب الذي يقود إلى التملك و ما وراء التملك و هي مرحلة المتعة السادية و الجنون , و أمامكم خير مثال و هو ما يحدث من عقيد ليبيا هذه الأيام . دعوني أجنح بكم قليلا إلى شيء من الذكريات و المواقف النوستالجية الطريفة التي تعودت أن ألتقيكم بها , و التي أبعدتني عنها صروف الوطن و مآلاته ..
في نهاية عقد الثمانينات أتى أحد الأشخاص إلى حينا و إستأجر بيتا متواضعا سكن فيه مع بعض أقاربه . كانت تبدو عليه فوارق اللهجة المحلية , و لم يكن يختلط بالجيران كثيرا , و لكن زوجته كانت تعوض نقص زوجها فتزور النساء الجارات و تدعوهن لزيارتها , و منها تعرفن على حقيقة زوجها فعرفن أنه شيخ فقيه أو ( فكي ) حسب نطقنا و أن يده ( لاحقة ) , فقررن تجريبه . كانت إحداهن من النوع المرتاب الذي يسكنها وسواس يردد إليها أن زوجها يعرف أخريات غيرها و أنه سوف يتزوج عليها فذهبت إليه و حكت له ما بنفسها و دخل هو خلوته ثم أتاها بالعمل , فدفعت له ( البياض ) ووعدته بأضعافه إذا تحقق لها ما تريد . أتته أخرى و كانت من النوع المتسلط و أرادت أن تلبس زوجها كالخاتم في يدها , فعمل لها ما تريده . بعد ذلك بدأت دائرة شهرته في الإندياح حتى شملت كل الحي , و بدأ بعض الرجال يحكون أنهم يشاهدون ( كوابيس ) في أحلامهم و أنهم في صراع مع إراداتهم , فأتتهم النصيحة من المجربين أن يعرضوا أنفسهم على ( فكي ) يصفونه بالقاطع يسكن في الحي . هكذا صار ( الفكي ) هو الذي يطعن و يداوي و هو الذي يربط و يحل , و يقبض الثمن و هو يضحك . عندما عمت شهرته الحي صار أهل الحي من زبائنه يتفادون الذهاب إليه حتى لا يراهم الآخرون و يعرضون أنفسهم للمساءلة و للقيل و القال , و صاروا يفضلون الذهاب إلى ( الفقراء ) الآخرين الذين يسكنون بعيدا من الحي و من عيون أهله . هكذا صار زبائن ( الفكي ) جلهم من الغرباء الذين يأتون للحي و يسألون عن بيته .
كان يتردد على ( الفكي ) أناس مختلفون , و قد أدى ذلك إلى معرفة أهل الحي على بعض الوجوه التي إستطاعوا أن يتذكروها بعد أن رأوها تطل عليهم كثيرا من القناة التليفزيونية الرسمية ! هكذا إنفتحت مصادر الرزق على ( الفكي ) فاشترى البيت المتواضع الذي كان يستأجره و هده و بنى عليه منزلا حديثا من طابقين , و صار يزاول أعماله عن طريق مدير أعماله و بالحجز المسبق , و لكن مع أناس معينين فقط .في مرة أتاني السائق الذي يعمل في السيارة الحافلة التي كنت أمتلكها و كانت تعمل في خط للمواصلات و لكنها كانت كثيرة الأعطال , أتاني السائق و اخبرني أنه قد تعرف على ( الفكي ) و ذهب إليه و أخبره بأمر أعطال الحافلة الكثيرة , فأختفى ( الفكي ) في ( خلوته ) ثم أتاه و قال له أنه توجد قطعة قماش سوداء قد ربطت في الجزء الأسفل من السيارة و أن بها عملا , فبحث السائق عن تلك القطعة السوداء و وجدها حسب روايته !
في مقالة لي سابقة كنت قد كتبت عن المشروع الحضاري في عهد الإنقاذ و أنهم سعوا إلى ما أسموه ( إعادة صياغة الإنسان السوداني ) و أبنت أنهم قد شقوا صدر الشخصية السودانية الكريمة و المقدامة و الجسورة و الصدوقة و أخذوا منها صفاتها تلك و أبدلوها بصفات الذل و التردد و الجبن و الكذب , وكانت وسيلتهم في ذلك هي جماع القهر و التعذيب و التبطيل و التفليس حد الموت صبرا . لكنني اراني أعيد النظر في هذا الأمر في مقالتي هذه و أرى أن الشعب السوداني قد صار و كأنه في تغييب كامل عما يدور حوله في دول الجوار مصر و ليبيا و تونس . إن كان الأمر في القهر و التعذيب و التبطيل و التفليس فقد عانت تلك الشعوب مثله و كانت معاناتها سببا في كسرها لحاجز الخوف و لإنتفاضتها و ثورتها , فلماذا شذ الشعب السوداني ؟ لم أجد سببا سوى أن أقول أن الشعب السوداني ( مكتوب ) ! فمتى ينفك عمله ؟
أنا لا أؤمن بخزعبلات الدجل و الشعوذة و أؤمن أن السحر فيه التشبه و أن همزات الشياطين تزول بالإعاذة بالله وبالإيمان و أن قوة الإرادة تتغلب على الوساوس , و أن الشعب السوداني الذي فجّر ثورتى أكتوبر 1964 و أبريل 1985 قادر بقوة إرادته - إن حاولها - أن يتغلب بها على أسباب ضعفه و ان يخرج ثورته التي أبت أن ( تطلع ) من الواسوق و من الأبرول و من الأقلام كما تقول أغنية مصطفى/ حميد , و أظن المقصود جموع الشعب من المزارعين و العمال و الطلاب و المثقفين .

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1939

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#113437 [منو؟]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2011 10:44 PM
والله الشعب السوداني مكتوب لمن غلط والكاتبنه من شدت ماضامنين فكيهم لمن بتبجحوا وبتحدوا الشعب ان يخرج للشارع لو رجال


#113276 [عدلان يوسف ]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2011 10:43 AM
أخي د.عمر بادي
حالة الشعب السوداني بعد استيلاء نظام الإنقاذ محيرة جدا ... ولم يكن أحد يتخيل ـــ

في أسوأ كوابيسه ـــ أن تثور كل الشعوب ... ولا يتحرك الشعب السوداني ... لم يكن

أحد يتخيل أن يثور الناس حتى في البحرين والسعودية وسلطنة عمان وسوريا ... \"

ولم يبق من حجر ولا شجر ولا ....\" إلا ثار على الظلم ...وظل الشعب السوداني خانعا

مستكينا ....
في مظاهرة النساء الأخيرة كان قوات القمع تقبض على النساء وتضربهن داخل


البكاسي \" الأمنية \" وكان الناس يمرون بقربها وعلى رؤوسهم الطير ...وفي إحدى

مخاطبات الشباب الأخيرة في السوق الشعبي ...كان الطالب الشجاع يصيح وينادي

الشعب السوداني الذي يمر أمامه لا مباليا \" بل ربما فكر في أن يساعد الأمن في

القبض عليه وعلى رفاقه \" ...

وحدثت حالة اغتصاب مريعة لمواطنة سودانية كل ذنبها أنها خرجت إلى الشارع

لتعترض ... وصهين الشعب السوداني \" وصهين وصهين .. حتى كاد أن يصبح

صهيونيا \" (والتعبير لبشرى الفاضل في سياق آخر )


ما الذي حدث لهذا الشعب ... وجعلته يؤثر السلامة ... وهل صحيح أن الشعب السوداني

لا يريد أن يدفع ثمن ثورته على النظام لأنه شعب مسالم ... وكل ثوراته السابقة كانت

مسالمة تماما ...

على الرغم من أنني أصنف نفسي عقلانيا من الدرجة الأولى إلا أنني أصبح أفكر

جادا أن هناك شيئا غير طبيعي جرى لعقل ووجدان الشعب السوداني ... وهو أمر

مريع للغاية لو ثبتت صحته ...


نعم حالة الغيبوبة العميقة التي يعاني منها الشعب السوداني بعد \"الإنقاذ\" هي حالة لا

يمكن أن تحدث إلا من شعب \"مكتوب \" ....


د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية
تقييم
6.47/10 (17 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة