المقالات
السياسة
أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية
أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية
09-12-2015 10:03 AM


أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية والتقليد - 1
Sudan’s Security Agencies: Fragmentation, Visibility and Mimicry. 1908 – 1989 (1)
ويل بيريدج Will Berridge


تقديم: هذه ترجمة مختصرة للجزء الأول من بعض ما جاء في العدد الثامن والعشرين في مقال نشر في مجلة "المخابرات والأمن الوطني Intelligence and national Security" والتي صدرت في عام 2013م بقلم الدكتورة ويل بيريدج المحاضرة بجامعة نورثهامتون البريطانية. عملت الكاتبة من قبل في قسم التاريخ بجامعة درم البريطانية، ونشرت عددا من المقالات المحكمة عن أجهزة الأمن والشرطة والسجون في السودان، ومقالا عن الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، وكتابا بعنوان "الثورات المدنية في السودان الحديث" عن ثورتي الربيع العربي في السودان عامي 1964م و1985م، صدر حديثا عن دار بلومزبيري للنشر ببريطانيا.
أشكر المؤلفة لتكرمها بمدي بنسخة من هذا المقال.

المترجم
-------------- -------------- ------------

ليس هنالك من اتفاق بين المحللين على مدى قدرة الدول الاستعمارية على فرض نظم جامدة وصارمة للأمن الداخلي تؤثر على حياة السكان المحليين. وذهب الدارسون لهذه القضية مذاهب شتى في تبيان قدرة تلك الأنظمة الأمنية على فرض رقابة اجتماعية واسعة الانتشار والنفوذ. وذهب آخرون إلى أن تلك الأنظمة الأمنية لم تستطع اختراق العوالم الاجتماعية والأمنية لمواطني البلاد المستعمرة. ولعل ذلك ما كان يحدث في السودان. فقد أثبتت تجربة الدولة الاستعمارية في السودان أن نظام أمنها الداخلي لم يكن شديد الفعالية بسبب ضعف امكانية المسئولين في الأقاليم في جمع المعلومات الاستخبارية، ولاشتغال أجهزتها بحماية سكان السودان "الطيبين / الحميدين benign" (افتراضا) من شرور الإيديولوجيات الخارجية الوافدة مثل الشيوعية وموالاة مصر.
ولم يتطرق إلا قليل من الباحثين لوراثة أجهزة الأمن الوطنية بعد خروج الاستعمار لتلك العاهات التي أقعدت بالأمن وأجهزته إبان العهد الاستعماري. وبينما كان من المعروف أن أجهزة الأمن في غالب البلدان لا تفصح إلا نادرا جدا عن تفاصيل حجمها وعملها وتمويلها، ولا تحاسب عادة من قبل السياسيين أو موظفي الخدمة المدنية. غير أن ذلك لم يكن حال أجهزة الأمن بالسودان. فقد ظل جهاز الأمن السياسي يتعرض للتدقيق الناقد من قبل أطراف عديدة في المجتمع، خاصة بعد انتصار ثورة أكتوبر في 1964م، ومرة أخرى بعد سقوط النظام المايوي في أبريل من عام 1985م. وقام ضباط سابقون في أجهزة الأمن (مثل حسن بيومي وعلي النميري وهاشم أبو رنات ومحمد عبد العزيز) بنشر كتب ومذكرات ناقشت أمورا متعددة تتعلق بأجهزة الأمن التي عملوا بها، وشملت كتبهم معلومات عن حجم تلك الأجهزة وطرق عملها وتمويلها وغير ذلك من دقائق الأمور. وتتوفر جميع تلك الكتب في مكتبات الخرطوم، وتحتفظ المكتبة البريطانية في لندن بنسخة من كتاب علي نميري.
لقد ظلت الأجهزة الأمنية في السودان، ومنذ العهد الاستعماري، مدركة ومشاهدة visible للناس بوضوح، خلافا لما كان عليه الوضع في كثير من البلدان الأخرى (ضرب المؤلفة لذلك مثلا بما ورد في كتاب ساتيا المعنون:
Spies in Arabia: The Great War and the Cultural Foundations of Britain's Covert Empire in the
Middle East
وكان وضوحها وظهورها علنا في السودان سببا في عدم تمكنها من إداء وظائف عديدة تتطلب السرية التامة. وظل العاملون في الأجهزة الأمنية السودانية في سنوات ما بعد الاستقلال يقدمون علاقاتهم الأسرية والاجتماعية على عملهم في تلك الأجهزة. وكان ذلك مدعاة لتعطيل استخدام تلك الأجهزة كأداة من أدوات بسط الهيمنة السياسية للدولة.
كذلك وقع العاملون في تلك الأجهزة الأمنية بعد خروج الاستعمار بين مطرقة وسندان مختلف الصراعات والانقسامات السياسية والاجتماعية. وكانت الدولة السودانية أكثر تخلخلا وتسامحا porous) ) من دولة العهد الاستعماري، إذ كانت "مختطفة" ، وبالتتابع، من قبل مختلف المؤسسات السياسية والاجتماعية. وشملت تلك المؤسسات الحركة المهدية (طائفة الأنصار في مناطق النيل الأبيض وغرب السودان والنيل الأزرق) وحزبها السياسي (الأمة)، وطائفة الختمية (ذات العلاقات الموروثة والمصالح التجارية في شرق السودان والشمالية) وحزبها (الاتحادي الديمقراطي)، وعهدي العسكر (1958 – 1964م و1969 – 1985م)، و"القوى الحديثة" مثل الأحزاب اليسارية والمنظمات الجماهيرية والنقابات، وأخيرا الحركة الإسلامية (جبهة الميثاق الإسلامي، ثم الجبهة الإسلامية القومية) والتي بدأت في الانتشار منذ نهايات السبعينيات مع تمدد نفوذها في المصارف الإسلامية وتحالفها مع نميري في سنواته الأخيرة. وتناوبت تلك القوى والمؤسسات المختلفة السيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخبارية في عهود مختلفة، وحاولت فرض هيمنتها على المجتمع بواسطة تلك الأجهزة، ولم تحرز في ذلك إلا قدرا محدودا جدا من النجاح.

قسم (مديرية) الأمن العام وثورة اللواء الأبيض

سبق السودان (تحت الحكم البريطاني) معظم الدول الإفريقية الأخرى في انشاء أجهزة أمنية مركزية. غير أنه لم يكن لتلك الأجهزة من وجود فاعل في كامل البلاد وذلك لتركيزها كل جهودها على ما عدته مهددات خارجية للسودان. وأقام البريطانيون قسما أسموه "البوليس السري" في عام 1908م، تم ضمه لاحقا إلى قسم المخابرات والذي كان قد أنشيء في عام 1910م. وضم ذلك الجهاز في ذات العام لمكتب السكرتير الإداري. وفي عام 1915م أعيدت تسمية الجهاز بـ " قسم (مديرية) الأمن العام"، والذي كانت مهمته تتلخص في " مراقبة كل المؤثرات السياسية والاجرامية والدينية وغيرها، والتحكم والسيطرة عليها". ولعل الدافع الرئيس لتكوين "البوليس السري" في عام 1908 كان هو قيام ثورة ود حبوبة المهدوية، وما رأته السلطات البريطانية من ضرورة التحسب لقيام حركات مهدوية في المستقبل. غير أنه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى صوبت السلطات غالب جهودها الأمنية والاستخبارية ضد الأخطار الخارجية (القومية المصرية والشيوعية).
وقام قسم الأمن العام من مقره في مكتب الاتصالات العامة بمراقبة نشاط الشيوعيين الأجانب بالبلاد، وكذلك بمراقبة نشاطات كل الأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية التي ترتادها الصفوة الناشئة من متعلمي العاصمة. وذكر حسن بيومي في كتابه "جهاز أمن الدولة أمام محكمة التاريخ" والصادر في طبعته الثانية عام 1993م أن جهاز الأمن كان يقسم منطقة مركز الخرطوم إلى أربع أو خمس "مناطق أمنية"، ومثلها في الخرطوم بحري وأمدرمان، وكان بكل منطقة عدد من "بوليس الجلابية" يعملون بقسم التحقيقات الجنائية.
وكانت لإدارة القسم السياسي أذرع وأعين في الأقاليم، حيث كان رجاله يقومون بجمع المعلومات ويعدون التقارير ويقدمونها لمركزهم الاستخباراتي في الخرطوم. وكثيرا ما كانت تلك التقارير تصل متأخرة جدا، أو تأتي ضمن كم كبير من المعلومات والتقارير الإدارية العامة مما يجعل التنبه لها والاستفادة منها عسيرا. بالإضافة إلى أن غالب ما كانت تقوم به أجهزة الأمن والمخابرات لم يكن "سريا covert" بما فيه الكفاية مثلما كان عليه الحال في بريطانيا مثلا، مما قلل من فعاليته. وكان الأمن وشئونه موكولا في الأقاليم إلى الإداريين الذين كانوا في غاية الانشغال بأعمالهم الإدارية الأساس. وجاء إلى السودان البريطاني جي ايوارت عقب انتهاء أحداث ثورة 1924م ليحقق في وضعية الأجهزة الأمنية وبنيتها، وجاء في تقريره التالي:
"إن الزعم والافتراض بأن الإداريين البريطانيين في الأقاليم يعلمون كل ما يجري في أقاليمهم، وفي أوساط الأهالي الذين يحكمونهم، ليس له ما يسنده ... لقد أضعف انغماس الإداريين في حل المشاكل الاقتصادية والتجارية المتزايدة، وزيادة التأثيرات الخارجية على سكان البلاد في خلال السنوات الماضية تلك "الحميمية مع والقرب من الأهالي intimacy “ والتي كانت موجودة من قبل ... ولا شك في أن المعلومات الأمنية والاستخباراتية الواردة من الأقاليم لا تجد اهتماما ولا استجابة من الخرطوم ولا يستفاد منها بما فيه الكفاية، وأنها لا تعمم بحرية كما ينبغي ". ولم يكن السبب وراء ذلك الإخفاق لوجستيا logistic محضا، بل كان يتعلق في الواقع بالصراعات الشخصية بين العاملين بالدولة. فقد كان الإداريون، وعلى وجه العموم، لا يثقون كثيرا بالعاملين في قسم الأمن العام، بل ويشكون في أنهم (وتحت رئاسة سي. أي. ويليس) كانوا يتدخلون بأكثر مما يجب في أعمالهم (breathing down their necks)، ولا يكلفون أنفسهم مشقة استشارتهم، ويجعلون من أنفسهم مصدرا دائما للصراع والتوتر.
وكانت مصادر قسم الأمن العام هي العملاء في العاصمة والأقاليم، بالإضافة لـ "عملاء السودان" في القاهرة، وكانوا من الممثلين البريطانيين لحكومة السودان في مصر، والذين وكلت لهم مهمة مراقبة وتمحيص المعلومات عن نشاطات مؤيدي مصر في السودان. وكما ذكرنا من قبل، فقد جعل قسم الأمن العام بالسودان أكبر همه متابعة الأخطار الخارجية المحتملة ، وليس الأخطار الداخلية. وكان ذلك نابعا من قناعة راسخة عند المسئولين البريطانيين بذلك القسم بأن الأجانب وحدهم هم الذين بمقدورهم إثارة وتحريض السودانيين على الثورة ضد "الرعاية الخيرةbenevolent patronage " التي كانوا يمنحونها للسودان وأهله.
وأوضحت "المعركة الاستخبارية" بين الدولة الاستعمارية والوطنيين السودانيين وأتباع القومية المصرية قبل قيام ثورة اللواء الأبيض مكامن قوة الأجهزة الأمنية بالسودان، وضعفها أيضا. وفشل البريطانيون في تعقب آثار العملاء المصريين والدعاية المصرية المنتشرة بالبلاد. ولعل السبب في ذلك كان هو اعتماد البريطانيين على المصريين في إداء كثير من الوظائف الادارية والفنية بالسودان في ذلك الوقت. فقد فطنت الأجهزة البريطانية (ربما متأخرة كثيرا) إلى أن كثيرا من العاملين بالسكة حديد السودانية (مثل نظار المحطات ومفتشي التذاكر والحراس وغيرهم) كانوا في الواقع ينقلون الدعاية المصرية والتقارير عبر الحدود المصرية - السودانية إلى أعضاء جمعية اللواء الأبيض. وكانت المواد السياسية تجد طريقها لداخل البلاد عن طريق البواخر والسفن عبر ميناء بورتسودان، بينما كان بعض التجار السودانيين في أمدرمان يجندون وكلاءهم التجاريين عملاء لنقل مثل تلك المواد عبر نهر النيل لمصر. وحاولت الإدارة البريطانية وقف تلك النشاطات بفرض رقابة على البريد القادم والصادر إلى مصر. غير أن موظفي البريد والتلغراف (من المصريين والسودانيين المتعاطفين مع ثوار 1924م) كانوا يقومون بإرسال برقيات أفراد تلك الثورة لمصر وبقية أنحاء العالم (يمكن النظر لمقال الينيا فيزا ديني المترجم المعنون "برقيات وطنية" في هذا الرابط: http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-142669.htm ) مما شل الرقابة البريطانية . وأعترف قسم الأمن العام في تقريره عن ثورة 1924م بأن كل معلوماته الاستخبارية عن تلك الثورة كانت قد جمعت "بعد فوات الأوان"، وأن ما كان متوفرا للحكومة قبيل وقوع تلك الثورة من معلومات كان قليلا ومتفرقا وتخمينيا في كثير من الحالات. وكان قسم الأمن العام يقلل من أهمية أن علي عبد اللطيف ورفاقه كانوا يستغلون التأييد المصري لهم من أجل أغراضهم الخاصة، ولعل ذلك كان السبب في عجز السلطات البريطانية عن توقع تمرد القوات السودانية والكتائب المصرية في غضون أيام ثورة 1924م، واضطرارها لاستخدام القوة المفرطة من أجل دحر ذلك التمرد. وبذا فقد فشلت المخابرات الاستعمارية في القيام بدورها في "الانذار المبكر" للحكومة، مما أضطرها للقيام بعمل عنيف لا يخلو من فجاجة في التعامل مع تلك الثورة.

قسم (مديرية) الأمن العام بعد ثورة اللواء الأبيض

تمت إقالة ويليس مدير الأمن العام عقب انتهاء ثورة اللواء الأبيض. غير أن ذلك لم يعن انتهاء أزمة ذلك القسم. فقد بقيت مشاكله كما كانت قبل تلك الثورة، وظلت عقيدة قسم الأمن العام أن السودانيين سيظلون " راضين ومطيعين بسذاجة naively compliant لمعلميهم البريطانيين إن سلموا من المؤثرات الخارجية". واتخذت وفقا لذلك خطة لضمان عدم تكرار ما حدث في 1924م تقضي بإبعاد التأثير الأجنبي (خاصة المصري) عن السودان بطرد الضباط والجنود والمهندسين في الري المصري من البلاد، وكذلك تثبيط التغلغل البلشفيكي القادم من الجزيرة العربية (!؟ المترجم)، وتشديد الرقابة على السودانيين الذي كان يشك في ميولهم للقومية العربية أو الشيوعية.
وتمت في عام 1935م مراجعة واصلاح هيكلية قسم الأمن العام وذلك للتعامل مع بوادر أزمتين هما: "الوطنية السودانية" التي بدأت تطل برأسها في المشهد السياسي بالبلاد، والتي اعترفت بها – أخيرا- السلطات الحاكمة، والتمدد الاستعماري الفاشي في إثيوبيا. وتم إنشاء إدارة خاصة في قسم الأمن العام برئاسة ضابط شرطة متخصص هو (هوزي بيني) للقيام – ضمن واجبات أخرى- بمهام الاستخبارات العسكرية. وأقيمت كذلك إدارة للصحافة والدعاية كان أول انجاز لها هو إنشاء أول إذاعة بالسودان في أمدرمان كانت تقوم بالدعاية للحكومة وجهازها الأمني. وكان من مهام تلك الإدارة أيضا الرقابة على الصحف المحلية والتأثير عليها.
وأنشئ بعد الحرب العالمية الثانية فرع سمي "القسم المخصوص / المخصص al - mukhassas" في قسم الأمن العام، وضم لاحقا لرئاسة الشرطة. وتخصص ذلك الفرع في مراقبة أعضاء "مؤتمر الخريجين" والنقابات العمالية والطلاب اليساريين، خاصة العائدين من مصر. وكان لأفراد ذلك "القسم المخصوص" خبرة سابقة واسعة باللغة العربية والأعمال الاستخباراتية في بريطانيا وبلدان الشرق الأوسط المستعمرة مثل فلسطين وغيرها. وكانت الإدارة البريطانية تقدر البريطانيين المجيدين للغة العربية، وتؤمن بعدم جدوى تعيين ممن لا يتكلمون العربية في ذلك "القسم المخصوص". وتم كذلك تعيين عدد من السودانيين في ذلك "القسم المخصوص"، من الذين كانوا يعملون في "البوليس السياسي" و"بوليس المباحث".
وقام قسم الأمن العام بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بالتركيز على الأحزاب السياسية التي قامت مثل حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي. غير أن التركيز الأكبر كان على الشيوعيين ومن يناصرونهم في النقابات العمالية. وتم في عام 1949م تعديل قانون الاجراءات الجنائية لمنح الشرطة مزيدا من السلطات لتعقب ومحاكمة ذوي الميول الشيوعية. وشملت تلك التعديلات الحق في حبس المتهم لثلاثة أيام دون تقديمه لمحاكمة ، والحق في تفتيش المنازل وغيرها دون إذن من القضاء. وقابلت الصحافة السودانية تلك الاجراءات الجديدة بالرفض الشديد، وأتهم حزب الأمة الحكومات الاستعمارية باستغلال التهديد الشيوعي من أجل كبت الحركات الوطنية في البلدان المستعمرة. وكتب أحد الشيوعيين أن الشرطة تبالغ في مدى تأثير وتحريض الشيوعيين على المظاهرات التي يقوم بها الوطنيون ضد الاستعمار. واضاف أن "البريطاني جيمس كوتس (نائب مدير المباحث الجنائية) وكلبه السوداني بابكر الديب (نائب مدير البوليس) يريان شبح الشيوعية في كل حركة ... ويصرخان كالمجانين عندما يشاهدان مظاهرة تجوب الشوارع". (ورد هذا النص في "سلسلة المقاومة الوطنية – الكتاب الأول: الأحد الأسود يقدم الكتاب الأسود" والصادر في سبتمبر من عام 1960م. وتوجد منه نسخة في المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي العالمي – مجموعة الحزب الشيوعي السوداني – في امستردام بهولندا).
وصدر في عام 1953م قانون "مكافحة الأنشطة الهدامة"، والذي يحرم الانضمام والاتصال بمنظمات شيوعية عالمية محددة.

التشظي والرؤية والتقليد

كان من المتوقع قيام قسم الأمن العام بأداء مهام متعددة ومتنوعة. غير أن ضعف التمويل المقدم له من الحكومة جعل الحفاظ على سرية عمله أمرا عسيرا. وجاء في تقرير ايورات في عام 1924م ما يفيد بأن الحفاظ على سرية جهاز المخابرات أمر لا يمكن الركون إليه أو افتراضه بثقة. وعزا التقرير ذلك لتهالك المباني التي كانت تؤوي ذلك الجهاز وعدم تأمينها، إضافة لسهولة مراقبة ورصد المحادثات الهاتفية. ثم نقل المبنى بعد حين لمكان بعيد عن المباني الحكومية حتى يمكن للمخبرين والبصاصين غشيانه دون أن يلفت ذلك الانتباه. وعلى الرغم من ذلك تساءل ايورات فيما بعد عن ميزة ذلك المقر الجديد عند المقارنة بالخطورة المحتملة من ملاحظة وانتباه الجيران ومرتادي الدكاكين حول المبني "السري" لعدد كبير من الداخلين والخارجين له من الجواسيس.
وكان انكشاف أمر العاملين في قسم الأمن العام مصدر تندر وسخرية عندما تبين أن "بوليس الجلابية السري" كان معلوما للكافة بسبب المناديل الحمراء التي كان القسم يصرفها البريطانيون لكل واحد منهم، وهي لا تستخدم عند غيرهم كما ورد في كتاب هاشم أبو رنات المعنون "أسرار جهاز الأسرار". وربما يشير ذلك لعدم رغبة أولئك الجواسيس والبصاصين في الانفصال عن مجتمعهم بإخفاء حقيقة شخصياتهم.
وواجه قسم الأمن العام معضلة أخرى تمثلت في الحفاظ على كفاءة وسلامة ونزاهة العاملين فيه. فقد حدثت عدة حالات من استغلال النفوذ، ومن انتحال غير العاملين به لهوية شخصيات تعمل في القسم، وقيامهم بعمليات ابتزاز للسكان المسالمين بتهم لم يقترفوها. وتم في عام 1949م تسجيل حالة انتحال جديدة في كل شهر بشمال الجزيرة. . ولعل مرد ذلك كان الاستقلالية في العمل التي كان يتمتع بها العاملون في القسم، مع انعدام أي التزام أيديولوجي عند أولئك الرجال العاملين به. وسجلت حالة محرجة للقسم قام فيها أحد العاملين السودانيين بالقسم في النهود بإلقاء القبض على رجلين دون تهمة محددة، ثم تشاجر مع أحدهما وقتله. وقرر القاضي في تلك القضية أن لا يسمح بعد تلك الحادثة لبوليس الجلابية السري بالعمل في المدينة، وأن يقتصر العمل في المدينة على رجال الشرطة الذين يرتدون الملابس الرسمية. وعزا ايورات عجز السلطات الحكومية عن كبح التجاوزات التي كان يقوم بها رجال "البوليس السري" لعدم التواصل بين قسم الأمن العام والإداريين المحليين في الأقاليم. فقد كانت القسم يحجب اسماء وشخصيات "البوليس السري" عن كل الإداريين في المنطقة المعينة. بل كانت الحكومة الاستعمارية تحجب معلومة مهمة عن المواطنين وهي ضرورة أن يبرز رجل "البوليس السري" بطاقة هويته للمتهم قبل القيام باعتقاله. وأوضحت سهولة عمليات التقليد والانتحال التي كان يقوم بها البعض لشخصيات رجل "البوليس السري" الحكومي محدودية المؤسسية limited institutionalization في أجهزتها الأمنية.

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2165

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1338576 [بدر الدين حامد الهاشمي]
5.00/5 (1 صوت)

09-12-2015 08:14 PM
تصحيح
كان معلوما للكافة بسبب المناديل الحمراء التي كان القسم يصرفها البريطانيون لكل واحد منهم

كان معلوما للكافة بسبب المناديل الحمراء التي كان يصرفها البريطانيون لكل واحد منهم


ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة