المقالات
منوعات
مرثية للطيب صالح
مرثية للطيب صالح
09-14-2015 12:42 AM


أيها الغريب، يا من شراعه حاذى طويلاً شواطئنا، ويُسمع أحياناً في الليل صريرُ بكراته.

هل ستقول لنا ما بليتك ومن يدفعك، في أكثر المساءات دفئاً، لكي تهبط بيننا على الأرض الأليفة؟»

(سان جون بيرس، منارات، ترجمة: أدونيس، المدى، دمشق 1999).

كان ذلك أول وآخر لقاء لي بالطيب صالح

أتذكره الآن...

لا كمن يطالع صورة في مرآة.

بل كمن ينظر إلى ملامح قريبة عبر عين فاض بين رموشها الحنين أو يكاد.

كان قد جاء إلى القاهرة لإلقاء محاضرة في الجامعة الأميركية.

وكان ذلك حدثاً فريداً في حياة بعض أولئك المنفيين الذين أخذوا يدركون بنوع من الأسى أن وجودهم في تلك المدينة لم يعد في الأخير سوى محاولة بائسة لتوسيع مساحة السجن في دواخلهم.

ما أثار دهشتي وقتها أنه ظل يستقبل الناس عند مدخل تلك القاعة الدراسية، كما لو أنهم كانوا يتوافدون إلى رحاب داره الخاصة.

لكأن لوحاً من زجاج يتهشم في قلبي.

كانت تبدو على مُحيّاه بوضوح تام، الخطى الأخيرة للنهر نحو مصبه، الآثارُ المتبقية عند الحواف الرملية بعد موسم الفيضان، هدير الموج على شواطئ جزر بعيدة ونائية لاحت في ذاكرة بحّار متقاعد، وتلك العلامات التي يخلفها الزمن بين عيني كاتب أشقته عادة أن يجلس على حواف العزلة الحزينة المعتمة... يتأمل مصائر... حيوات آلت إلى زوال... وإحساس بقبلة اشتعلت في فم عـاشقيـن عـاشا قـبـل ألف عــام وهما يـحلمان بـهناءة قــبـلة أخرى لن يرتشفا رحيقها المختوم حتى الممات.

«ريشة بيضاء في الماء الأسود، ريشة بيضاء في اتجاه المجد».

«سببت لنا فجأة هذا الألم الكبير، لأنها بيضاء إلى هذا الحد ولأنها كذلك، قبل المساء...».

سعت إليه سيدة مصرية على مشارف الثلاثين، كانت جميلة كما لو أنها تضرعت إلى الله لحظة الخلق أن يوجدها على مثال ولا أروع. كان كل شيء فيها يغري بالعناق. وقد وشى عن تاريخ عريق من «التغذية الجيدة»، كانت تخاطبه بلغة إنكليزية ذات لكنة أميركية سليمة، تطلب توقيعه على عمل مترجم له. فجأة، أخذ يتقمص دور «عطيل»، وقد بدا مثل شخصية خارجة للتو من كتاب «موسم الهجرة إلى الشمال»، قائلاً بإنكليزية ذات لكنة سودانية خالصة: «على الرحب والسعة».

لسبب ما، أذكر هنا ما حكاه كازنتزاكي من أن جدّه الذي بلغ من العمر عتياً وقتها، كان يتربص عند بئر القرية بالحسناوات الصغيرات، يتلمس فاكهتهن بيدين مرتعشتين، عيناه دموع، لسانه مرارة، وهو يتحسر على نفسه، قائلاً إنه لا محالة سيموت في القريب، تاركاً من ورائه كل هذا الجمال الذي لن ينعم به قط.

هناك، داخل القاعة ذات الدرجات الخشبية المتصاعدة، بدأ يخاطب الحضور بإنكليزية لم تتخل عن تلك اللكنة الأليفة: «الكتابة عملية شاقة وعسيرة، أجل، ذلك أمر من الصعوبة بمكان: أن تغوص بعيداً في أعماق نفسك كيما تخلق عالماً من خيال. ربما لهذا لم أكتب كثيراً»...

البعض يجيد لعب الدور ككاتب، مثال ذلك همنغواي، لعب دور الكاتب بصورة متقنة وجمع مالاً من هذا العمل، لكن بلزاك الذي أفضله لم يستمتع بالدور.

كانت حياته تعيسة. يبدأ الكتابة ليلاً وينام نهاراً. أجدني هنا أقرب إلى يحيى حقي، يكتب فقط حين يأخذه المزاج، يحيى كاتب يضج بالحياة والإنسانية.

صديقي يوسف إدريس، حاول أن يبتلع قطعة «غاتوه» دفعة واحدة فاختنق ومات، قابلته مرة في بغداد. بدا غاضباً لأنه كان يشعر أنه أحق بجائزة نوبل من نجيب محفوظ...

كنت أسمع... أنصت... أصغي... أرهف... وأرخي أذني لكل ذلك الأسى وهو يفيض من بين كلماته الأخيرة: «لو تبقى لي شيء من العمر لأكملت ثلاثية «بندر شاه».
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 902

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1340539 [sikat]
5.00/5 (2 صوت)

09-15-2015 07:34 PM
لقد رحل عنا بعيدا، ذلك الفارس، مثلما ترحل القوافل المحملة بالذهب و الفضة.
رحل الطيب - رجل أتى منا- فكان علما، و "راية قافلة غرقت في الرمال".

هم أربعة - في رأيي- ضمن كثيرين كانوا أعلام، تسنموا قامة الخرطوم و شعابها:

محمد الحسن سالم حميد
الطيب صالح
محمود محمد طه
عبدالله الطيب

الثلاثة كانوا مثقفين حقيقيين ، و الرابع كاد أن يلحقهم، ربما فاق بعضهم في الهمة، و لكنه لم ينبت في أرضهم، الثابتة، كنخلات الطيب الباسقة المعطاءة. فقد كان عبدالله الطيب مفتونا بالحرف أكثر من المعنى، لذلك انحط تمرده، و تنصل من الواقع، فلم يجيء بما جاءوا به، و إن كان قد اعطى الحرف حقه و زيادة. فثقافته لم ترتبط بالإنسان، بل بما كان يطلبه.

أما حميد فقد كان زين الناس، ملتصقا بالأرض حتي كأنه طينة منها، مهموما بالناس كأنه ولدهم جميعا، و دونكم كلامه.
الطيب شاعر كتب الرواية، و لكنه مثقف كامل، و انسان سمح. و هو تماما كما وصف " عبقري الرواية العربية"، لأنه فلسف الألم و اللذة( ما يطليه الانسان و يتجافاه) بكلام بسيط على لسان الزين، بنت مجذوب، و شخصيات مهمشة أخرى.

أما الأخير، فقد كان كما لم يكن أحد، و لا أظن أحد سيكونه. فقد كان المثقف و الكاتب و الانسان، و فوق هذا و ذاك، نبي فاق صاحبيه في التجرد. فقد ملك و مزج البحرين، بحر الحرف و المعنى، و أضاف بأن ربط ذلك بالسؤال المهم: من هو الانسان؟ فهو إذن المثقف المفكر الموضوعي.

و لو كان المكان روح الزمان كما يقال، فطه لم يتسنم فقط المكان، فقد سما كأنه طار في سماء الادريس، فهو في علا لن يجود بمثله زمان و إن حبل.

حميد انسان اشتراكي، و الطيب صوفي موضوعي، و طه كل ذلك، و ربما أكثر.


#1339346 [محمدالمكيتبراهيم]
5.00/5 (1 صوت)

09-14-2015 03:33 AM
كتابة ممتازة تجددفينا ذكرى ذلك العظيم الذي تنازل عن عرش ليجلس معنا على برش نحن ابناء جلدته ذوي الاحلاق الخشنة والتعليم الخالي من ادب المجاملات.قل لي لماذا نحن نظهر في اسوأ طباعنا في الندوات والمناسبات؟ في ندوة الشاعر العظيم محمد بنيس قاطع احدهم السفير المغربي بخشونة وسوء ادب واضطر مدير الجلسة لطرده .نغم ليس هذا موضوعك ولكن ذكرتني ما تعرض له الطيب منا في زياراته للخرطوم في تلك الايام التي شبهتها بنهر وصل الى مصبه واحسنت الوصف.رحمة الله على طيب الاخلاق مليكنا الطيب صالح الذي بنموذجه الشخصي اعطى عنا فكرة ربما كانت افضل من اللازم.رحمه الله


عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة