المقالات
منوعات
أحمد عبدالمكرم في لوحات (2)
أحمد عبدالمكرم في لوحات (2)
09-17-2015 07:32 PM


كنت أهمّ بمطالعة أخبار الوطن، وكان صباحا عاديا من صباحات مدينة سيدني في أستراليا، عندما تسللت زوجتي إلهام إسماعيل، على غير العادة، بحذر تام، حتى إنني لم أشعر مطلقا بوقفتها تلك، وراء الكرسي الذي أجلس عليه قبالة شاشة الكومبيوتر. لم يمضِ سوى نحو الدقيقة، حتى أحسست (في قاع الهوَّة العميقة للضياع) براحة يدها، وهي تربت برفق وحنو بالغين على كتفي، حاملة بذلك عزاء بدا أنها أعدته منذ الساعات الأولى للصباح بقدر عال من "التعاطف"، أو"التفهم". لقد كانت إلهام إسماعيل تدرك بوضوح حزين أن ما بين طيّات الأخبار الواردة في ذلك الصباح أمر سيحدث وقعه دمارا هائلا في نفسي. وقد كان.

قالت "كنت أعلم". هززت رأسي في صمت. قالت "حال الدنيا وسيف النصر يطلب منك أن تكتب". كانت تظن أنها تمد لي طوق النجاة الملائم في مثل تلك الأحوال. أخيرا، قلت أخاطبها "إذن!، مات أحمد الطيّب عبدالمكرم"، بذات النبرة الحزينة المشبعة بالأسى والملتاعة لرجل يعلم جيّدا أنه بدأ للتو في مغالبة أمر لا طاقة له به، البتة.

مضى الآن نحو خمس سنوات على آخر مكالمة بيني وبينه، وكان قد سبقها سنوات ممتدة على آخر لقاء عياني لي به عند بداية هذه الألفية في القاهرة، حيث عاد وقتها من الوطن في مهمة قصيرة ما، هو نفسه الذي بذل من قبل الرفض سخيا لمنحة اللجوء إلى أمريكا، مرجحا بذلك العودة طوعا إلى (وطن الجدود). لعله كان يبحث عن تربته. وكنت أثناء هذه السنوات، أوتلك السنوات، ولا أزال منشغلا بأمور حياتية متشعبة، كان من بينها تبعات الرحيل الباهظة من كندا إلى أستراليا، ناهيك عن مواصلة المعافرة في مسودة رواية أنفقت في كتابتها ولا أزال سنوات. كان كلما أوشكت على الوصول، أكتشف أن ما قمت به لم يكن سوى مراوحة دائريّة في المكان، وأنني في الواقع لم أصل إلا بقدر ما يكون الوصول إلى نقطة البداية، لأبدأ عناء إعادة الكتابة مجددا. لكن، ووسط كل هذا وذاك الزحام، كان مجرد الشعور أن أحمد الطيب عبدالمكرم يتنفس في مكان ما بمثابة سبب وجيه آخر لمواصلة الصمود. والآن، الآن الآن، وقد مضى وقت على الفجيعة، أجدني لا أزال أشعر على نحو متزايد باليتم، كما لو أن أبي لم يسبقه في رحلة العبور إلى ضفة لم يعد منها سوى من مات بالصرخة. لكن هذا، لحظة أن أتأمّله ثانية، ليس يتما، بل شعورا كثيفا مقبضا وخانقا تماما أن العالم بعد غيابه صار أكثر وحشة، وأنني بالذات صرت مثقلا بكوابيس الفقد بأكثر مما ينبغي للراسيات أن تحتمل.

في أثناء تلك المكالمة، وهي مكالمة ثلاثية بيني وبينه وإلهام إسماعيل، بدا وكأن أحمد الطيّب عبدالمكرم، قد أخذ يدرك بحدس باطني مبكر جدا أن قسمة الكلام بيني وبينه تلك المقدرة لنا من قبل الرب في الأعالي خلال هذه الحياة الزائلة توشك أن تنفد، لحظة أن أخذ يخاطب زوجتي إلهام إسماعيل على حين غرة، قائلا "عبدالحميد هذا.. وديعتنا لديك". عيناي تدمعان، الآن. مَن يوصي مَن على مَن ولِمَ الوصايا؟. وفي أثناء المكالمة نفسها، أبدى أحمد سعادته أنني عثرت على رقم هاتفه بعد سنوات من الغياب. كان حريصا على التواصل. وقد أخذت حيرتي تزداد من نبرة الرجاء المتواترة في صوته. كما لو أنه يريد أن تصلني رسالة يعلم هو جيدا أنني لا أريد لها أن تصل. ألا وهي "إقامتي في الحياة أوشكت على النفاد". كانت مياه روحي قد أضحت عكرة وفي مدار لم تعد قادرة فيه على الرؤية من بعد. كان يقول لي بتهذيبه المعهود "لا أسألك أن تهاتفني شهريا، أودوريا، ولكن رجاء أن تفعل كلما أُتيح لك ذلك". وعدته في المقابل على أمر كنت أعلم في قرارة نفسي جيّدا أنني أكثر حرصا عليه منه. وهو ما لم أفعل إلى أن نعاه الناعي أخيرا.


في أحد أيام القاهرة تلك، كنت أقف وراء سور سطح البناية الأسمنتي القصير، على بعد أمتار قليلة من غرفة غاردن سيتي المؤجرة لأحمد، في انتظار خروجه للذهاب إلى مكان ما، وكنت لا أزال أتأمّل تفاصيل العالم على هدى الضوء الأشهب الشحيح للغسق الآخذ في العتمة، عندما تناهى صوت أحمد قريبا مني "أتدري"؟. وأخذ يجيل ناظريه هنا وهناك. تماما، كما لو أنه يقتفي آثار الخطى التي خلفها مسار تأمّلاتي تلك على الأشياء. قال أخيرا كمن يضع لبنة مفقودة تماما في المكان المحدد لها من بناء الأفكار الذي بدأ ينهض في ذهني أثناء تواريه داخل الغرفة "هذا النشاط البشري في مجمله". وصمت. قال "تارة تنظر إليه فتجده خاليا من المعنى، وتارة أخرى يبدو ذا جدوى وغاية". هكذا، كان يحلو لأحمد أحيانا أن يقول إنه لحظة أن يحاورني يشعر كمن يفكر بصوت عال. أجل، كان التقارب بيننا قائما إلى درجة أن الدهشة تتملك كلانا. ولو تأخر أحدنا ثانية لسبقه الآخر إلى نفس الفكرة. ولا أكاد أقول ذات الصياغة. ولعل ذلك، لا يعود إلى تلك الأرضية المشتركة الواسعة على مستوى التردد إلى المنابع المعرفية والتراثية في بعدها الإنساني الشامل فحسب، بل كذلك إلى طبيعة ما يجهد كلانا من محاولة إعتماد منهج عقلاني في النظر والمقاربة ما أمكن. هكذا، في أثناء حواراتنا المتصلة لسنوات، بدا لي جليّا أن أحمد الطيّب عبدالمكرم ظلّت تتنازعه رؤيتان للعالم، وهما رؤيتان أعتقد أنه لم يتخل عنهما معا حتى النهاية، بل لم ير في اجتماعهما ذاك معا تعارضا ثنائيا، أوحتى تناقضا. لقد ظلتا تتعايشان في نفسه مثلما يتعايش الزيت والماء داخل كوب واحد. تلتحمان ولا تمتزجان، وأعني جدوى النشاط البشري وعبثيته في آن. الرؤية الأولى ألهمته بامتياز صفة ذلك "المثقف العضوي" في بعدها الغرامشي، أما الثانية فكانت على ما سبق صفة "القلق الوجودي" التي أبدع كامي في توصيف وتحليل مختلف أبعادها أثناء تناوله لأسطورة سيزيف. وهي سمة ملازمة على أية حال لما كان يطيب لأحمد نفسه أن يسميه "الوعي الشقي".

ربما للفكرة الأخيرة تحديدا، أولتلك السمة الملازمة للوعي الشقي، يعود سلوك أحمد الطيب المترفع عفيفا ودوما عن الخوض في وحل الصراعات الصغيرة البائسة، على النقيض هنا بمكان من حسن موسى على أصالة طرحه الجارح في كثير من الأحيان. ولعل دافع أحمد يتمثل هنا كذلك في أنه يبحث غالبا عن التيارات الباطنية المنتجة لحركة البؤس لا عن التبديات الهشة لذلك البؤس، وهو ما يضعه قريبا من مهدي عامل الذي يحلو له أن يناقش ظاهرة ما في أعلى تجلياتها وأكثر تبدياتها اكتمالا. وقد أدرك أحمد في هذا المقام أهمية الحياة وقصرها من أن تنفق في ما يسميه أحمد الطيب نفسه بكثير من الأسى "أحزان لا مبرر لها". وأحمد إذ يتعاطف وفق هذا النحو وذاك مع المآل البشري المحكوم سلفا بالفناء أوالعدم، يتحول هو نفسه تدريجيا إلى عنوان وتمثيل حيّ دال على "التسامح" و"المحبة" في آن. ربما لهذا لم ينفك عبدالمكرم يردد على مسامعي، بوصفي "الشقيق الأصغر" حسب توصيفه هو أحيانا للعلاقة القائمة بيننا، لا سيما خلال لحظات الحدة المدمرة في طبعي والتي ظللت أخفيها بلا جدوى تحت ستار كثيف مما يبدو للوهلة الأولى "طيبة يأكل الغنم من راحتها"، قائلا "الحياة معركة لم ينتصر فيها أحد". وأحمد هنا يبدو لي على الأقل ظاهريا على النقيض من صديقي الراحل القدير إبراهيم أصلان، الذي أخذ مسألة "الحياة" بغريزة البقاء، لحظة أن أخذ يخاطب أحد أبناء جيله من الراحلين في سنّ مبكرة، قائلا "ما أعاننا على البقاء (أنت يا مَن هناك) أننا كنّا أكثر قسوة منك وأقلّ طيبة". وعودة إلى عبارة "الحياة معركة لم ينتصر فيها أحد"، إذ ينسبها أحمد إلى الأمريكي وليم سارويان. بدا لي لاحقا أن أحمد الطيب قام مع تقدم الوقت بتحوير تلك العبارة وزحزحتها عن أصلها الصياغي الأول بالرغم من إبقائه على الجوهر. كذلك، بدا لي لاحقا أن الوطأة الثقيلة لخطى الزمن، على ذاكرة أحمد المنهكة بتعب المنفى، قد دفعت به هنا إلى الخلط ما بين سارويان وصاحب المقولة الأصلي، وأعني به مواطنه، ذلك (الأكثر تأثيرا على كتاب القرن العشرين من أمثال ماركيز)، ألا وهو داهية الأساليب السردية صاحب الفخامة "وليم فوكنر". وإذا لم يكن الأمر كذلك، دعنا نقرأ معا، في هذا السياق، أخي أحمد، ما ورد على لسان "كونتن" في مستهلّ الفصل الثاني من (الصخب والعنف)، وبالمناسبة لعل في ما يقوله كونتن تاليا ما ينير لي قليلا الطريق إلى تقبل فكرة موتك:

"... كانت تلك ساعة جدي، وعندما أهداني إياها أبي قال:

كونتن، اني أعطيك ضريح الآمال والرغبات كلها. وإنه لمن المناسب إلى حد العذاب أن تستخدمها لتكسب النهاية المنطقية الحمقاء لاختبارات الإنسان جميعها، وهي التي لن تنسجم وحاجاتك الشخصية أكثر مما انسجمت وحاجات جدك أوأبيه. إني أعطيك إياها لا لكي تذكر الزمن، بل لكي تنساه بين آونة وأخرى، فلا تنفق كل ما لك من نَفَس محاولا أن تقهر الزمن لأن ما من معركة ربحها أحد، قال أبي. لا بل ما من معركة حارب فيها أحد، فالميدان، لا يكشف للمرء إلا عن حماقته ويأسه، وما النصر إلا وهم من أوهام الفلاسفة والمجانين".

على سطح بناية غاردن سيتي نفسها، ثمة موقف حدث، لا أزال أذكر تفاصيله، حتى لحظة الكتابة هذه، بشيء من الابتسام. كان عبداللطيف علي الفكي قد أقبل وقتها، قادما من ليبيا في طريقه إلى ماليزيا، وقد حلّ ضيفا على أحمد. بدا لي مدهشا تماما أن أرى عبداللطيف وهو يعامل مخطوطاته بقدر كبير من الحنان والمحبة. وهو الأمر الذي شمل بتعدد ألوان أقلامه وجمال خطوطه حتى ترجمته لكتاب رولان بارت الضخم "خطاب العاشق". عبداللطيف يأخذ مسألة الكتابة بقوة. وهو إلى ذلك يفيض فكاهة إذا كان المكان ضاجا بحميمية وصدق الآخر. عبداللطيف ينكمش إزاء الخواء. ويصفو أكثر إذا تحدث عن ثلاثة: والدته، ابنه علاوي، ومحمد عبدالحيّ. وفي ذلك المساء، حلّ على سهرة أحمد صلاح الزين ويحيى فضل الله وخطاب حسن أحمد وغيرهم. لكنني وصلت في اللحظة التي أخذ فيها الجميع في المغادرة. ولم يتبق في الأخير سواي وعبداللطيف وأحمد. كانا يتهيآن لمغادرة السطوح ودخول الغرفة استعدادا للنوم، عندما دفع بي الشيطان الرجيم نفسه إلى النظر من فوق حاجز السطوح الأسمنتي القصير إلى أسفل، حيث توجد بلكونة شقة زميلنا الصحفي "مزمل"، وصادف أن رأيت هناك واحدا من أكثر شخصيات القاهرة في تلك الأيام إزعاجا وثرثرة. صوته عال، عيناه زائغتان لا تستقران على حال، ويقفز خطفا من حديث لآخر بلا ترابط. هكذا، ما إن ألقيت عليه تحية الإسلام، حتى غادر شقة مزمل وصعد تلك السلالم القليلة لملاقاتنا في الأعلى. وبدأ الكلام. ولما كنت مرهقا، افترشت أرض الغرفة، تاركا السرير والكنبة وطبعا الثرثار لعبداللطيف وأحمد. ثم أصبح الصبح، وما إن استيقظت مشبعا براحة النوم، حتى تناهى لي صوتهما فوق رأسي. كانا جالسين ينظران إليَّ في رقدتي تلك. عبداللطيف في صمت مشحون بالكلام. وأحمد يواصل الضحك، وهو يشير إليَّ بالسبابة قائلا "سواها ولا يخاف عقباها". لقد وضح لي جليّا أن الثرثار لدماثتهما الجمة لم يتركهما إلا بعد شروق الشمس، أوقبله بقليل.

هكذا، كما في شقة ميدان هارون بمصر الجديدة، بدا حضورنا العابر، على سطح البنايات، بمثابة أجنحة ملائمة، في كثير من الأحيان، لاستخلاص ما هو جوهري من ركام ما هو يوميّ تارة، ولرؤية الأشياء على نحو مختلف تارة أخرى. هكذا، كان أحمد الطيّب يعشق وجود (أفق) أثناء كتابة شيء ما. الأفق!، ذلك الفراغ، أوالمنظر الجميل، أوالامتداد الواسع للفضاء أمام نافذة مشرعة حيث يوجد كاتب ما يتأمّل في تفاصيل العالم من وراء مكتب بينما يحترق صدره بدخان سيجارة ما. حسنا، كنت أجادل أحمد هنا في أهمية الأفق أثناء الكتابة، زاعما كنصّاب ولا بد أن الأفق يوجد في داخلي. ولعل ما عضّد مسألة الولع بالرؤية المغايرة للعالم في نفس أحمد، كما في نفسي كذلك لاحقا، ذلك الطفل الكبير المشاغب، الحزين بنبل، المتسق قولا وفعلا، الثوريّ بلا منازع، مصنع الأحلام ذو الورديات الثلاث، المميز بنبرة صوته بدءا ومنتهى، وأعني بشّار الكتبي.

كان بشّار الكتبي، إذ حلّ أخا في تلك الشقة المشتركة، أقبل لتوّه من ليبيا، وقد شمله على ما بدا إعياء كونيّ "من قمة رأسه حتى أخمص قدميه". ومع ذلك، بدا لي بشّار الكتبي، الذي قضى وقتها سرطان القضايا العامة على الحيّز الخاص في دواخله أويكاد، عنيدا.. مشاكسا.. مستعدا للصدام في أية لحظة. ولعل ذلك وسم حتى تلك اللحظات المتاحة للمزاح: "كيف أحترق بالعرقي هنا، بينما التيجاني الطيب يتمتع بالويسكي، على الجانب الآخر من المدينة"؟!. لكنّ نبرة بشار ظلّتْ تنطوي في كثير من الأحيان على ذلك الوقع الخفيّ المسالم الذي يستبطن عادة ما يمكن تسميته "تصريحات عنيفة لبطل معتزل". وإذا جلس بشار ساكنا، منطويا على نفسه، محدّقا في الفراغ، كنت تحسّ بلهب البراكين تتفجر في شرايينه بلا صوت، في عينيه تطل للداخل أكثر مما للخارج معارك وبطولات غير مرئيّة أومؤجلة أوجار تحويلها ل"الأجيال القادمة"، أطرافه تتحرك في ثباتها توثبا كما لو أن المرء بحاجة أخرى لقرن آخر لتحقيق تلك الأحلام وما أضيق الحياة أوالعالم. ومن هناك، إذا أصغى المرء جيّدا، ومن هناك، من أعماق قلبه، كانت تتناهى بحماس منقطع النظير، تلك الأغنيات الثوريّة الممجدة للحرية، تماما كتراتيل موَّقعة تخطو صوب آذان لا تريد في العادة أن تسمعها.

ربما لهذا وذاك، كان أحمد الطيّب عبدالمكرم، يعجب بأمر غريب يدعى "الضباب"، بل يفتتن به، بالدهشة التي اعتبرها أرسطو مفتاحا للمعرفة. كنّا وقتها نستأجر شقتين صغيرتين منفصلتين، على جانبي فيلا قديمة، بمنطقة الهرم بغربي القاهرة. كانت ملكيتها تعود إلى ما ظللنا نسميه "عمّي إبراهيم". أحد خريجي جامعة القاهرة خلال خمسينيات القرن الماضي. لم يكن لديه على ما بدا ليفعله، وهو الموظف بالمعاش، سوى العناية دوريا بمقبرة عائلته في صعيدي مصر، ثم ولا ريب العناية بأمر الشقتين المستأجرتين. كان بعد رحيلي إلى منطقة المنيل دائم التردد على أحمد، مشددا عليه أثناء ذلك أن يغلق باب الشقة جيّدا بعد خروجه، قائلا في كل مرة "الحرامي ما تسهلوش المهمة بتاعتو". كان ما يبهج أحمد هنا يتمثل في ما تنطوي عليه تلك العبارة المصرية الدارجة من دلالات متجاوزة لمراميها المباشرة. إنه يطرب كثيرا للرمز أوالعلامة.
في ذلك الصباح، والمركبة العامة تعبر كوبري قصر النيل، شاقة طريقها صوب ميدان التحرير، تناهى صوت أحمد الطيّب عبدالمكرم، على حين غرة، بذلك الفرح الطفولي المشع، قائلا "يا سلام!!!... الضباب"!!!!. وأخذت أنظر مندهشا لحماسه المباغت ذاك إلى مرمى نظرته على الجانب الآخر من النيل، وكان ذهني منشغلا في تلك اللحظة بشطائر الكبدة المتبلة على جانب من شارع القصر العيني، فإذا البنايات العالية تلك مغلفة جميعها بالفعل بالضباب، تبين ولا تبين. وكمن أدرك حيرتي تلك، قال "كيف ياخ؟!!، الضباب يغيّر ملامح الأشياء". حسنا، يا أصدقائي وصديقاتي، ليأكلني الشيطان، ثم ليرمي بما تبقى من عظامي في بيت النمل الأبيض، لو أنني كنت أشعر قبلها عميقا بالوجود الساحر في غموضه لذلك المدعو "الضباب". ومن هنا، من هنا تحديدا، تتكشف شخصية أحمد عن تلك المرونة العالية في النظر إلى الناس والأفكار والأشياء، بوصفها كائنات أوموجودات أوتصورات ذات منحى حراكيّ، مراوغ، ومتغير في آن، وهذا لعمري هو بعينه الشك الخلّاق مقابل تلك المقولات التي ظلت تنظر إلى هذه المعرفة أوتلك كثوابت أزليّة، وقد قيل "الحقيقة تبدو ولا تبين".

أحمد الطيّب عبدالمكرم، على المستوى الثقافيّ، ناقد حصيف حاذق واسع الاطلاع، وهو (كما أعتبره) ساهم، عبر منتوجه المنجز، مع آخرين مثل عجب الفيا ومعاوية البلال وأسامة الخواض وعبداللطيف علي الفكي وأحمد ضحية ولمياء شمت وغيرهم، في إنقاذ الرؤية إلى الأعمال الإبداعية أوالأدبية (خاصّة) من براثن الوقوع التاريخيّ بين فكيّ النقدين الآيديولوجي والانطباعي. وعلى الرغم من غنى أدواته، إلا إنه تمّ استهلاكه في واقع فقير على نطاق واسع، وغالبا بلا رحمة، ((سواء)) على مستوى المقابل المادي لقاء نشاطه في مجال الصحافة الثقافية.. وقد كان يسرّ لي في القاهرة موضحا أن هاجسه المركزيّ يتمثل في كيفية تأمين قيمة الإيجار الشهريّ لمرقده (على بؤسه غالبا). هنا، أذكر بوضوح حزين تلك الأفراح الصغيرة التي ظلّت تغمر وجهه كلما توافر لنا شيء من لحوم البقر أوالدجاج. وقد كان طباخا ماهرا في حدود القليل المتاح. طباخ صقلته عيشة الغرباء المتوحدين، إلى درجة التبجح الحميد من شاكلة "كيف تصنع طبقا شهيّا"، بينما يكرر تلك اللازمة "إتَّ (هكذا كان ينطق (أنت) كسوداني قح) قايل الطبيخ دا شنو؟!. ما تجريب". ويضحك، أويبتسم، قبل أن ينتقل بسلاسة، وقد فرغ من (تقليب الحلة للتو)، إلى مواصلة الحديث كما يحدث كثيرا عن أحد أصدقائنا المعتمدين مثل هربرت ماركوز، أوفرانتز فانون، وغيرهما... أو((سواء)) على مستوى استغلال حبّه غير المشروط لكل ما هو سوداني، أويمتّ إلى السودان بصلة ما، حتى ولو اتسم هذا (السوداني) بالقشريّة أوالزيف أوانعدام الأصالة مطلقا. وكنت دائم التحذير له هنا من خطر الوقوع في فخ تبديد الطاقة أوالجهد في واقع سمته العام التخلف. إذ يجد المثقف نفسه ملزما في كثير من الأحيان على الحديث في كل شيء وعن كل شيء نائيا بذلك عن أهم ما يميز روح العصر: التخصص.

وعلى الرغم من أن أحمد الطيّب عبدالمكرم توقف عن كتابة القصة، إلا أن منجز أحمد النقديّ، على قلّته قياسا لحجم إمكانياته الفعليّة، يكشف عن كون أنه عمل مشبع بالمحبة والصبر والتفهم وبالكثير من الألمعية. كناقد، برهن أحمد على سعة اطلاعه والمام دقيق بمختلف مراحل وتقلبات المشهد السرديّ في السودان على وجه التخصص. وهنا، أجده عن حق من أميز أولئك النقاد الذين اعتمدوا البنيويّة التكوينيّة في مقاربة النصوص الإبداعيّة. إذ له فهم عميق وحصيف بمقولات جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان. لقد اختبر أحمد عمل ذلك المنهج، بمفاهيمه ومقولاته الأساسية مثل "الجوهري" و"الوعي الكائن" و"الوعي الممكن" و"الرؤيا للعالم" و"ماذا قال النصّ وكيف قال ذلك"، ب"تمهر مكين"، على حد تعبير الناقدة الحصيفة لمياء شمّت. ومنطلقا من واقعة كون العمل الأدبي تمثيلا نوعيّا لرؤية جماعيّة، على الرغم من أن انجازه في الأخير يتمّ بجهد فرديّ خالص، بحث أحمد ونقّب كاشفا بذلك وعلى وجه الخصوص عن تجليات ما يسميه هو ""أسئلة الهويّة"، بوصفها المفتاح الأساس لمقاربة واقع الأزمة الشاملة في بلد مثل السودان بالغ التعدد والتنوع العرقيّ والثقافيّ، واصفا هنا ومحللا مسارات تلك الأسئلة وتمثيلاتها الإبداعيّة في أعمال كبار كاتباتنا وكتابنا مثل ملكة الدار محمّد والطيب صالح وإبراهيم إسحق.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 699

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة