المقالات
السياسة
أخطاء ومسلمات في تاريخ السودان تتطلب ضرورة المراجعة 5
أخطاء ومسلمات في تاريخ السودان تتطلب ضرورة المراجعة 5
09-21-2015 05:35 PM


متى اتحدت مملكتا نوباديا ومقُرة

تناولنا في الخلقة الماضية الرسالة التي أرسلها ملك مقُرة ميركوريوس الذي اعتلى العرش نحو عام 697م/78هـ إلى البطرك اسحاق ورد البطرك على الرسالة كما ورد عند أبا مِنا وابن المقفع. كتب أبا مِنا Abba Mina حوالي عام (81ه/700م) سيرة والتي توضح وجود مملكة نوباديا ككيان مستقل عن مملكة مقرة. ونواصل هنا النصوص التي أتت في هذا الصدد.
تناول ساورس بن المقفع الذي كان عائشاً في القرن الرابع الهجري (10 ممقفع) في كتابه تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية (في مسعد ص 77 - 78) تلك الأحداث تحت عنوان سيرة البطرك اسحاق (67-70هـ /686-689م) في الرسالة التي كتبها البطرك إلى ملك الحبشة والنوبة فقال:
1. "في تلك الأيام كتب البطرك إلى ملك الحبشة وملك النوبة أن يصطلحا، ولا يكون بينهما سجس، وذلك لحلاف كان بينهما. فسعى به بعض أهل المكر إلى عبد العزيز بن مروان [والي مصر 65 - 85 هـ / 684 - 704] وأرسل من يحضره ليقتله." ولما علم بذلك رجال البطرك في بلاط الوالي كتبوا كتباً بغير ذلك المعنى وأسرعوا في إرسالها إلى الرسل الذين أرسلهم البطرك. وقبل أن يصل البطرك إلى الوالي أحضر رجالالوالي رسل البطرك، فأمر بهم واطلع على الرسائل التي معهم فلم يجد فيها ما قيل له، فسكن غضبه على البطرك.
ومن بين الأدلة التي استخدمت للتعرف على اتحاذ المملكتين النقشان الذان عثر عليهما شمال وادي حلفا في فرس وتافة وهي مناطق كانت في السابق داخل حدود مملكة نوباتيا، ويوضح النقشان أن:
2. ملك مقُرة ميركوريوس الذي اعتلى العرش نحو عام 697م / 78 هـهو الحاكم الوحيد على المنطقة، ويعني ذلك أن نوباتيا كانت في عصر هذا الملك قد اتحدت مع مملكة مقُرة. ويعود تاريخ نقش كاتدرائية فرس إلى عام 707 م / 88 هـ، وتاريخ نقش تافة إلى عام 710 م.
هذه هي الأدلة التي اعتمد عليها من يرى أن اتحاد مملكتي نوباديا ومقرة قد تم في وقت سابق لمعركة عبد الله بن سعد عام 31 هـ / 652م. ويلاحظ أنه وردت الاشارة في الأربعة نصوص الأولى إلى ملك مورتانيا. فقد ذكرJohn of Nikiou قبل نهاية القرن السابع الميلادي في كتابه الذي نشره H. Zotenberg تحت عنوان Le Chronique de Fean de Nikiou في Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia p34 "أن بربر مديرية النوبة وافريقيا يطلق عليهم المورتانيون، والبربر الآخرون يطلق عليهم ماريكوس"
ووضح المحرر في الحاشية أن الماريكوس مقصود بهم المازيكوس أي الأمازيغ. وافريقيا هنا مقصود بها الولاية الرومانية في منطقة تونس الحالية. فمورتانيا هنا المقصود بها بربر النوبة أي النوبايين سكان مملكة نوباديا. كما جرت عادة بعض الكتاب الأقباط مورتانيا على نوباديا. فمملكة مورتانيا في النصوص أرقام 1 و3 و4 أعلاه مقصود بها مملكة نوباديا.
فقد جاء في النص رقم 1 "أن ملك مورتانيا يمنع أساقفة مقرة من عبور بلاده ليصلوا إلى الاسكندرية" وفي النص رقم 3 طلب البطرك من ملك مورتانيا أن لا يمنع مواطني المملكة الواقعة جنوبيه من عبور بلاده للوصول إلى الاسكندرية" وفي النص رقم 4 طلب البطرك من ملك مورتانيا المصالح للمسلمين إقامة سلام مع ملك مقرة الذي لم يوقع صلح مع المسلمين. وواضح من هذه النصوص أن مورتانيا هنا مقصود بها مملكة نوباديا التي تقع بين حدود مصر الجنوبية ومملكة مقُرة.
فنص أبا مِنا الذي كتب بعد خمسين سنة من صلح عبد الله بن سعد مع النوبة يوضح وجود ملكين هما ملك الموريتانيين (ملك نوباديا) الذي كان على صلح مع المسلمين، وإشارة الصلح هنا تعود بالطبع إلى الصلح الذي وقعوه مع عبد الله بن سعد. والملك الثاني ملك مُقُرة الذي لم يكن في صلح مع المسلمين وهو ملك مقُرة الذي لم يدخل المسلمين بلاده ولم يوقع معهم اتفاقاً.
ورغم أهمية ما ذكره أبا منا وما يوضحه من أن اتحاد المملكتين تم بعد حروب عبد الله بن سعد التي كانت عام 31 هـ / 652 م إلا أن أغلب المؤرخين لم يتعرضوا له، والقلة من المؤرخين الذين تناولوه لم يوفوه حقة من البحث والتقييم والنقد المنهجي. فالأب جيوفاني فانتيني في كتابيه: "تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث" وكتابه الثاني: "إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم" أشار إلى ما كتبه أبا منا عندما تناول رسالة البطرك اسحاق (67-70هـ /686-689م) في النص رقم 5 أعلاه.
فذكر في كتابه إعادة إكتشاف تاريخ النوبة ص 78 أن "سبب تلك الرسالة هو أن ملك مورتانيا منع رسل ملك مقرة الذى اعتلى العرش عام 697 م / 78 هـ من السفر عبر أراضيه إلى مصر لاستقبال أسقف كان قد رسمه البطريرك لمملكتهم" وعلق فانتيني على ذلك قائلاً: "ويبدو من الوهلة الأولى أن مملكة المقرة تقع جنوب نوباديا وشمال مملكة علوة بحيث إذا أراد أهل المقرة الحصول على أسقف عليهم عبور أراضي مورتانيا أي نوباديا التي كانت في حالة سلام مع مصر." ثم انتقل إلى خطاب البطرك اسحاق كما سنتعرض إلية لاحقاً، ولم يربط بين هذا الخطاب الذي ذكر أنه يتناول مملكتي نوباديا ومقرة في عصر البطرك اسحاق الذي أصبح بطريكا بعد مضي ستة وثلاثين سنة من حرب عبد الله بن سعد.
وفي كتابه تاريخ المسيحية ذكر فانتيني ص 74 "كان ملك نوباديا يمنع وصول مبعوثي البطريك إلى ملك المقرة ومبعوثي ملك المقرة إلى مصر من المرور عبر أراضيه" وعلق على ذلك قائلاً: ونستنتج من هذا أن مملكة نوباديا ما زالت مستقلة من ملك دنقلة في زمن البطرك المذكور" وقد تولى البطرك عام 67هـ أي بعد مضي ستة وثلاثين سنة من حرب عبد الله بن سعد. ورغم كل ذلك يقول في نفس الكتاب ص 68 "سارعبد الله بن سعد إلى النوبة عام652 ، وسار العرب إلى دنقلا رغم المقاومة الشديدة من النوبة ، ودار القتال العنيف على ضواحي مدينة دنقلا"
أما مصطفي محمد مسعد (الاسلام والنوبة في العصور الوسطى 73 - 75) فإنه لم يقبل ما كتبه أبا منا لأنه كما قال"اعتماد هذا الرأي على المصادر القبطية وحدها لا يعد دليلاً كافياً على صحته" وهذا هو ما عنيته من القول بأن المؤرخين لم يهتموا بهذا النص ويوفوه حقة من البحث والتقييم والنقد المنهجي.
وأضاف مسعد أن ما ذكره أبا منا "لا يتفق وما جاء في عقد الصلح سنة 652" أي أنه بنى رأيه على ما ورد في نص المقريزي. وكلك فعل كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennar 23) وكيروان (“Notes o the Topography of the Christian Nubian Kingdoms”, JEA, XXI, 1934. P 61) وآركل (History of the Sudan: From the Earliest Times to 1821.p 186)) ووليام آدمز (النوبة رواق افريقيا ص 404) وكذلك فعلت الغالبية العظمى من المؤرخين فأصبح اتحاد المملكتان قبل حرب عبد الله بن سعد من المسلمات التي لا تتطلب النقاش أو البحث، وبالتالي فحرب عبد الله بن سعد كانت بعد اتحاد المملكتين.
ونواصل ....

ahmed.elyas@gmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1385

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة