10-09-2015 05:17 PM



يقول الله تعالي في سورة يوسف " الآية 3" مخاطبا نبيه عليه أفضل الصلاة و التسليم ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من قبله لمن الغافلين)
و قصص القرآن، هي قصص من أجل أخذ العبر و الدروس، و خاصة للأنبياء، و إن طريق الإصلاح و الدعوة طريق محفوف بالمخاطر و الأشواك، و يحتاج إلي إعداد نفسي و جسدي و فكري، أي الرسالة و مضمونها و ما تهدف إليه، لذلك كان الرجوع للتاريخ، لأنه يكسب الإنسان وعيا جديدا بالقضايا، و كيف استطاع الأولون مواجهة التحديات، التي واجهتهم و ما هي أنجع الطرق و السبل للحل، و كتب الفضل شلق رئيس تحرير مجلة الاجتهاد، المجلة المختصة في قضايا الدين و التجديد، كتب يقول عن الوعي التاريخي ( إن تكوين وعي تاريخي أمر لا ينفصل عن الوعي النظري عموما. ليست المسألة مجرد دراسة للتاريخ لتكوين معرفة من أجل اكتشاف العبر، فهذه مسألة تقنية تأتي كنتيجة لأمر هام و أعم و أشمل. إن احتقارنا للنظرية و التفلسف يجعلنا غير قادرين علي حل الإشكاليات الكبرى في تاريخنا و حاضرنا كما يجعل المستقبل أمرا مشكوكا فيه) و الوعي التاريخي مسألة ضرورية لأي سياسي و باحث، و كما ذكرت في مقالات عديدة إن مشكلتنا في السودان إن أغلبية النخب التي في قمة القوي السياسية، هي عناصر لا يشكل الفكر لها أية نوع من الاهتمام، و بالتالي هي عجزت في مسيرتها التاريخية أن تعالج مشاكلها، و ظلت ترحل فيها، من نظام إلي أخري، المتغير الوحيد هو الوجوه، و لكن ظلت العقلية السائدة عقلية واحدة، إن كان في تكوينها الثقافي أو في فهمها للعمل السياسي، و هي تمثل أحد الأسباب المهمة جدا في استمرارية الأزمة، و هي عقليات كسبت ثقافتها من خلال تجارب الخطأ و الصواب " نظرية فابلوب" و لكنها هجرت طريق الفكر لذلك عجزت عن طرح الأسئلة المهمة في مسيرتها التاريخية، و إعادة طرح الأسئلة حول المشكلات، تهدف إلي تغير في المنهج السائد، أو فتح نوافذ لأراء أخرى تقدم تصوراتها فيما هو مطروح، و لكنها رفضت المسير في طريق الفكر فحاصرتها المشاكل من كل اتجاه.
إن استمرار فشل النخب السياسية في مسيرتها التاريخية، يعود لأنها لا تراجع تاريخها، و تستقي الدروس و العبر منه، و لا تخضع المجهود الذي قام به من سبقوها إلي للدراسة و التحليل، و الآن مطروح علي طاولة السياسة " الحوار الوطني" و الذي جاء في خطاب الرئيس المعروف ب " خطاب الوثبة" و رغم مرور هذه الشهور الطويلة ظلة الفكرة تواجه تحديات، و تعترضها الكثير من الموانع، لكن الملاحظ في تعليق بعض القيادات عن موضوع الحوار، و تحدياته، إنها تلجأ لتبسيط المشكلة، دون الجنوح لدراسة العوامل المؤثرة في تطور مفهومه، لكي يصبح واقعا متفق عليه، و هذا يبين إن الحوار نفسه في ثقافة هؤلاء القيادات ليس له جذور، تجعله يتجاوز هذه العقبات، بل يعتقد المراقب إن الحوار لا يأخذ العمق الكافي في القاعدة الفكرية لهؤلاء، إن كانوا في الحكومة أو في المعارضة.
كان من الأجدى علي النخب التي تعتقد إن الحوار سوف يأخذ طريقه إلي الانعقاد، حتى إذا رفضت قوي المعارضة، أن يستدعي تاريخ الحوارات السودانية، و نتائج تلك الحوارات، و تسأل نفها لماذا لم تؤدي إلي حل المشكل؟ بل عقب الحوار مباشرة يتفجر الصراع و النزاع بقوة أكبر مما كان عليه، فهناك مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد بعد ثورة أكتوبر مباشرة، و لكن لم يستطيع أن يؤتي آكله بسبب تخندق الأحزاب و كانت قد أعلت مصالح الحزب علي المصلحة الوطنية، و أتفاق " أبوجا" أيضا اتفاق لم يستمر و الذين وقعوا عليه رجعوا مرة أخرى إلي حمل السلاح، و اتفاق " ينيفاشا" 2005 بين الحكومة و الحركة الشعبية، و رغم إن الحوار كان بسبب قضية وطنية، تتمثل في وقف الحرب و العمل من أجل السلام، لكن القيادات المفاوضة، كانت تميل للمكاسب الحزبية أكثر من القضية الوطنية، و لذلك كان سببا في انفصال الجنوب، و هناك اتفاقات كثيرة "اتفاقية مالك عقار و دكتور نافع علي نافع – اتفاق القاهرة و جيبوتي وجدة و غيرها" و جميعها اتفاقيات انهارت دون أن تؤتي آكلها، فالحوار الوطني الذي من المفترض أن يعقد يوم 10 أكتوبر 2015 لن يكون مخالفا عن القاعدة التاريخية للحوارات، لآن العقلية السياسية ظلت متمسكة بثقافتها التاريخية من جانب، و الجانب الأخر إنها لم تغير منهجها السياسي، حتى يقنع المراقب، أن هناك تحولا جديدا في منهج القوي السياسية قد حدث.
إن أية حوار وطني، لمعالجة قضايا وطنية، يجب أن يتوفر له مناخا خاصا، في إطلاق الحرية السياسية و حرية الإعلام و التعبير، حرية النقد، باعتبار إن نقد التجربة أو التجارب السياسية التي مرت علي السودان، مسألة في غاية الأهمية، لمعرفة الأسباب التي تؤدي للنزاعات، و التي تعيق قضايا التنمية و تحديث المؤسسات السياسية، قضايا الزعامات السياسية الخالدة التي لا تغادر مواقعها إلا بالموت، قضايا التعليم و الصحة و المراجعات الدينية، قضايا المؤسسات القومية و أجهزة الإعلام، و المؤسسات القمعية، كلها قضايا تحتاج للحديث عنها بكل صراحة و وضوح، و هي قضايا مهمة في عملية البناء الوطني، و لكن أن تكون الحرية محدودة، و يرغب أهل النظام الحديث في الموضوعات التي يحددوها، هذا حوار لا اعتقد يعني القوي التي تتطلع للديمقراطية، إنما يعني دعاة و مناصري فكرة الحزب الواحد.
الآن حملت الحركات المسلحة لدارفور، الرافضة للحوار بصورته الحالية، الرئيس التشادي إدريس دبي رسالة، تؤكد فيها تمسكها بشرط تهيئة بيئة الحوار، و إنها ملتزمة مع بقية قوي المعارضة علي الاجتماع التحضيري خارج السودان، كما وقع في اتفاق أديس أبابا مع ممثلي لجنة " 7+7" و أجازته الجمعية العمومية، فلماذا تم التراجع عنه، و إذا كان التراجع قد تم عن الاتفاقات الموقعة و قرارات حرية الصحافة، و رفع الرقابة القبلية و البعدية، و قرارات أن تمارس الأحزاب نشاطها في دورها و خارجه. إذا ما هو الذي يمنع النظام أن يتراجع عن قرارات الضمان نفسها التي يقدمها الآن، لكي تحضر الحركات الحوار؟ فإذا كان السلوك و الثقافة السائدة أن يتم التراجع دون أن يقبل تساؤلات في هذا الجانب.
إن القضية لا تحتاج لقرارات جمهورية، بقدر ما تحتاج إلي إرادة من قبل القيادات السياسية، و تغيير في منهج التفكير، و الخروج من عباءة الحزبية إلي العباءة الوطنية، و إن الضمان الوحيد هو الالتزام بالمواثيق و الاتفاقات و القانون، و هناك وثيقة الحقوق و منصوص عليها في الدستور الانتقالي، و تضمن كل ما ذهبت إليه، لماذا الحكومة لم تطبقها؟ فإذا كانت هي الموقعة الأولي علي وثيقة الحقوق و قد امتنعت عن تطبيقها و الالتزام بها، إذا ما هي الضمانات التي تجعلها تطبق ما ينفق عليه لاحقا؟ فمادام المنهج و العقلية التي استطاعت أن توقف كل النصوص التي جاءت في وثيقة الحقوق، هي القابضة علي دولاب الدولة، و سوف تكون جزءا من تنفيذ اتفاق الحوار الوطني، أنها مدعاة أن تعطي الحق لقوي المعارضة الرافضة أن يقدموا تخوفاتهم، و تجعلهم يبحثوا عن ضمانات منخارج سلطة الدولة.
و من القضايا الملفتة أيضا، في قضية الحوار الوطني، ما ذكره السيد حسن رزق نائب رئيس حزب " الإصلاح الآن" في حوار كانت قد أجرته معه وآخرين قناة أم درمان، حيث قال إن الحوار المجتمعي قد رفع قراراته و توصياته للجنة، و لا نعرف أين عقد هذا الحوار، و من حق الجميع بالفعل أن يتساءلوا عن مفهوم الحوار المجتمعي، في عقلية النخب التي كان يقع علي عاتقها إجراء الحوار المجتمعي. هل هو حوار قاصر علي فئة أو صفوة من الناس مختارة من قبل اللجنة؟ و كان في الاعتقاد السائد، إن الحوار المجتمعي حوار شامل باعتباره يناقش قضايا مرتبطة بقضية الهوية و الثقافة و الحقوق و غيرها، و إن يجري علي نطاق واسع دون محدودة الأشخاص، باعتبارها قضايا أكثر ارتباطا بالفكر. لكن أتضح إن القوي السياسية لا تختار إلا القيادات التي توافقها الرؤى، و تتفق معها في المنهج السائد، و لا اعتقد ذلك يرجع لمرجعية فكرية، كما يحاول البعض أن يصفها، و لكنها عقلية لا تخرج من دائرة الرغبة في سيادة نظام الحزب الواحد، و هي الإشكالية التي تقلل رصيد الثقة المنهار أصلا في التعاملات السياسية.
فرفض حركات دارفور المسلحة للحوار، و رفض حزب الأمة حضور الحوار و الإصلاح الآن و الحزب الشيوعي و البعث بفروعه و غيرهم، يجعل المعارضة خارج دائرة المشاركة، و إصرار الحكومة و الأحزاب المشاركة معها في السلطة يضعف الحوار، و يجب علي المؤتمر الوطني و المؤتمر الشعبي أن يعيدوا النظر في قضية الاستعجال بعقد الحوار دون المعارضة، و يمنحوا مزيدا من الوقت للحوار الجاني، علي أن تتوفر في هذه الفترة الحريات الكاملة، في التعبير و السماح بنشاط الأحزاب في دورها و خارجه، و حرية الصحافة و الإعلام بسبب محاولة علي جدار الثقة بين القوي السياسية، و لكن محاولة إن يعقد الحوار بمن حضر، قضية تخدم مصالح حزبية و شخصية، و لا تخدم المصلحة الوطنية و الله أعلم و الله الموفق.
نشر في جريدة الجريدة الخرطوم
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 560

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة