03-10-2016 06:33 PM

عند حلاق
قصة قصيرة من كتاب امدرمانيات امدرمان زمان وقصص قصيرة آخري
بقلم هلال زاهر الساداتي
كنت في عجلة من أمري فقد بقي لي ساعة من الزمن أنجز خلالها ما أريد في مدني وكان من ذلك قص شعري ، فقد كث وغزر وصار منظره كنبات شيطاني متسلق ! والمرء في الريف لا يكترث كثيرا" لهندامه ومظهره نظرا" للبدائية المخيمة حوله والحياة الجافة التي يحياها ، حسنا" ، فقد ذهبت الي أول محل حلاق وقع عليه نظري ، والحق أن محيا الرجل لم يرق في عيني ، من الوهلة الأولي ، فقد بدا لي كأنه من مترددي السجون ومن المجرمين العتاة الذين أستبدلوا دورهم ومنازلهم بدور الحكومة المجانية التي يجدون في رحابها الأمن والطمأنينة ! كان شكل الرجل كأن له عرض بلا طول تسبقه كرش أمامه ، وقد ركب علي كتفيه وجه جامد صفيق برز منه عينان تشعان بالشرر والويل ، وخيل الي أن يديه الغليظتين خلقتا لحز الرؤوس لا قص شعرها ، أما منظر الدكان من الداخل فقد كان يبدو في تناقض كبير مع صاحبه ، فقد كان محلا" أنيقا" له مرآة بعرض الحائط وكرسي جلدي دوار ، حاولت أن أفرغ روعي وجلست علي الكرسي وبدأ يرجل شعري بعنف خلت معه أنه سينزع فروة رأسي في يده ، ثم أمال رأسي الي الأمام بحركة عاتية تقعقعت لها عظام عنقي ، وبدأ العمل ، نسيت أن أذكر أني حدثته أول ألأمر بأن يفرغ من قص شعري سريعا" لأني أريد أن ألحق بالبص الذاهب الي المناقل ، ولما أنتهي رفعت رأسي ورأيت في المرآة عجبا" ، كان رأسي يبدو كالحفر الممتلئة بمياه الأمطار في فصل الخريف في امدرمان ألا أنها فاضية ، وبدا لي رأسي كأنه ليس مني ، حفرة هنا ونقرة هناك ، خط متعرج في الجانب الأيسر ، وخط دائري علي الجانب الأيمن ، وفجوة في منتصف الرأس ، وحدثت نفسي ماذا يضمر هذا المجرم في نفسه بعد هذا ؟ وسرعان ما جاءني الرد عندما التقط الموسي في أناة وذهب الي سير الجلد المعلق علي الحائط في مواجهة الجالس وراح يمررها ببطء ويرمقني بين الحين والآخر بنظرة جانبية قاسية ، عند هذا الحد شعرت بقلبي يصعد الي حلقي وضربالته تكاد تشغل كل فراغ الدكان ، وارتعشت أطرافي ، حين ذلك توكلت علي الحي الذي لايموت وأضطربت شفتاي تردد الشهادتين ودارت في رأسي خواطر شتي ، هل أهرب جاريا"؟ هل أقول له أن هذا فيه الكفاية متعللا" بضيق الوقت ، أم أستسلم وليكن ما يكون ؟ وجاء في تؤدة ووقف علي رأسي ، ثم نظر الي خيالي في المرآة لبعض الوقت قبل أن يبدأ ، يا لله ! لماذا لا ينتهي سريعا" ويريح أعصابي من كل هذا التوتر والتحفز ؟ لعله سفاح من النوع السادى الذي يتلذذ بعذاب ضحيته قبل أزهاق روحها ، يا تري كم روحا" أزهق هذا السفاح ولم تمتد اليه يد العدالة ؟ علي أي حال سأكون ضحيته التاسعة أو العاشرة ، من يدري؟ وبحركة من يزيل عن سبيله عائقا" أمال رأسي جانبا" ، وأغمضت عيني فلا أرغب أن أري مصرعي، أنتهي من الجانب الأيمن ، وركلني بيده الي الجانب الآخر أن كنت رأيت يدا" تركل ،وبدأ يمزق بموساه الجانب الأخر بالرغم من تأوهاتي وصرخاتي شبه المكتومة التي تخرج من حلقي : أخ آخ ، وأقول يمزق بالموسي لأنه ترك علي صدغي ثلاث قطعات بموساه . أقد قلب هذا الرجل من صخر ؟ لا عجب أن شعرت نحوه لأول مرة عندما وقعت عيناي عليه أنه مجرم عريق وقاتل عتيد ، وازداد خفقان قلبي وعلت ضرباته وخيل الي أن المارة في الشارع يسمعون دقاته ، وانتهي من ذلك الجانب من رأسي ولكزني فأمال رأسي الي الأمام ، وبدت لي أنها اللحظة الحاسمة ، ضربة واحدة علي قفاي وأصير المرحوم ، واستجمعت شتات شجاعتي ورفعت رأسي وقلت بكل ما أملك من صوت ( حسبك يا هذا أن ميعاد البص فد أذن ) ورغم ذلك خرج صوتي ضعيفا" مهزوزا" . أمسك بالموسي ووقف ساكتا" لحظة ثم هدر : ( لم أنتهي بعد يا أستاذ ) ، وانتفضت قائما" علي قدمي ولا أدري كيف فعلت ذلك ، وحينما وقفت لحظت لأول مرة حقيبة قديمة من الجلد معلقة في ركن الدكان من النوع الذي يستعمله المزينون الذين يزاولون الحلاقة والحجامة تحت الأشجار ، وازداد حنقي علي الرجل ، ومع ذلك دفعت يدي في جيبي وأخرجت ورقة نقدية لم أتبينها ناولتها له واندفعت خارجا" من الدكان كالمقذوف الناري غير مصدق أني نجوت من الموسي وصاحبها الرهيب .
وأنا عائد في البص عددت نقودي ووجدت أني أعطيت الحلاق السفاح خمسين قرشا" ، أنه يستحق خمسة قروش فقط ، ولكن ما قيمة الخمسين قرشأ مقابل أنقاذ عنقي !
هلال زاهر الساداتي 9مارس 2016
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1745

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1426948 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

03-11-2016 08:41 PM
الغالي هلال لك التحية . العم العبادي شاعر الحقيبة ذهب الي العم فرحات وهو حلاق من اسرة حلاقين عريقة عملوا كذلك في ختان الابناء لهم محل كبير في شمال السوق . وبعد الحلاقة. بدا العم فرحات في سن الموس علي السير الجلدي وهو غاضب وكان يسب ويشتم . واستمرت عملية السن بعنف ولمدة طويلة . وعندما خلص من العملية وهو لا يزال غاضبا تقدم من الشاعر العبادي صديق ود نفاش .
قام العبادي بانتزاع الفوطة ووضع ريال علي التربيزة وقال ,, موسك دي تسن فيها ساعة وزعلان عاوز تكتل منوا ؟ بعدها بفترة وفي 1965 قام العم فرحات بقتل قاضي القضاة الوالد يحي ابو القاسم هاشم في المحكمة . وكان قد تقاعد وعمل كمحامي شرعي . وكانت هنالك قضية ميراث . حدثت الجريمة امام فريد يحيى . وصار يعاني بقية حياته .
فرحات لم يشنق لقد اكد الدكتور بعشر انه يمر بحالة نفسية . ابنه الريح كان صديقي تعرفت به بواسطة جارك وصديقي مصطفي كتبا رحمة الله علي الجميع كان في النقل الميكانيكي. الخمسين قرش فدايتك . كان تستنى لمن تجي الموردو لعمنا عطي كوكو المقابل الاخ مارقيط له الرحمة او اخي عبد العزيز اسحق شقيق الاخوة حامد وابو وزقة .


ردود على shawgi badri
United States [هلالزاهرالساداتي] 03-12-2016 11:11 PM
الغالي شوقي لك التحية والود
رغم أني موردابي عريق فقد كنت أحلق شعري عند حلاقي الأثير ( الأطرش ) في السوق الكبير وكان في دكان الحلاقة المعروف بصالون الفن لصاحبه رحمة الله والمجاور لمحل وقهوة يوسف الفكي ، وهو حلاق ممتاز وكان يستقبلني بابتسامة ودودة وعندما يفرغ من الحلاقة يودعني بابتسآمة جميلة ، وقد كفاني ثرثرة الحلاقين فهو أطرش وأبكم مع مهارته في الحلاقة ، وبعد أن أقفل الصالون أنتقل للعمل في دكان الأخوين الملاصق للسينما الوطنية بامدرمان ، وبعد مدة عرفت أن أسمه الحقيقي هو عثمان ، وعندما ناديته باسمه لأول مرة تهلل وجهه وبدت عليه فرحة ، وفي آخر مرة ذهبت الي الدكان بعد عودتي من الخارج ، وافتقدته فأخبرني زملاؤه بأنه صار عاجزا" عن العمل بعد أن صدمته عربية وكسرت ساقيه وحزنت كثيرا" لمصابه ومازلت وأما حلاقي الثانى والأخير فهو المعلم علوب كما كنت أناديه ودكانه في السينما الوطنية ومواجه لقهوة محمد خير وفرن أبوستولوو ، وعلوب رجل ظريف وحلاق ماهر، عليه رحمة الله وغفرانه ، وأما الحلآق الأخ عبد العزيز اسحاق فقد كان زميلنا في مدرسة الأحفاد الأولية ، وأما الأخوة فرحات فقد أجري واحد منهم عمليةالختان لي ولشقيقي أنور وعادل عليهما رحمة الله ، عندما كانت الطهارة مثل العرس بكل طقوسه من الدنقر والحنة والسيرة الي البحر والضريرة والحريرة وغنآء ورقص . بنات الحلة ، والمأكولات مثل العصيدة الجيرية بملاح التقلية وملاح الروب والشعرية والسكسكانية واللقيمات .
شكرا" أخي شوقي ، فقد أثرت لي كوامن سعيدة من الماضي السعيد


هلال زاهر الساداتي
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة