03-17-2016 02:42 PM


تمنّى لي السيد رايان باركر حظاً سعيداً. أغلقت البوابة ذات القضبان الحديد وراءه. شممتُ رائحة الصدأ العالقة بيدي. استدرتُ نحو الداخل. وبدأتُ في صعود تلك الدرجات الرخامية المتسخة الواسعة. عند الدرجة الثالثة تقريباً، عنَّ لي أن أتراجع، لأتأكد مرة أخرى أن السماء فوق الفُسحَة الخالية الممتدة أمام الاستاد ملبدة حقاً بغيم رمادي داكن. فجأة، لفت انتباهي جاك أرميتِش.

11 شباط (فبراير) 1872- 7 آب (أغسطس) 1943.

كان اسمه محفوراً على لوحة سوداء بأحرف مذهَّبة عند أحد جوانب مدخل الإستاد المهجور. «مهاجم، لاعب ممتاز، وقائد عبقري».

أرخي أذني أكثر، فأكثر. أرفع رأسي بحذر. أجيلُ بصري في السقف الغارق في شِباك العنكبوت. مثل حيوان أستشعر شيئاً في الهواء الراكد للبرية. أتنفس الصعداء أخيراً. كان ذلك صوت عربة السيد رايان باركر «الفورد» القديمة ذات الدفع الرباعي وهي تبتعد منطلقة نحو موقع آخر.

«أهم ما يذكر به جاك أرميتِش أنه أول رجل قام بتنظيم رياضة هوكي الجليد في مدينة وينبيك». «كان ذلك في الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1890».

«جاك أرميتِش كما بدا خلال العام 1900».

ثمة حزن على ذهاب شيء نفيس وغالٍ يطل من عينيه. لا أدري لِمَ هو تحديداً نفيسٌ وغالٍ. أحياناً تخطر على ذهني أشياء غريبة. أما هذه الشوارب الكثّة الغزيرة المعتنى بها جيداً فكانت ولا بد بمثابة موضة تلك الأيام الرائجة.

«تقلد أرميتِش شارة الكابتن إلى أن تقاعد بعد موسم 1897». «أعظم المواسم والمباريات التي خاضها أرميتِش كانت مباراة فريقه، وينبيك فيكتورياس، في الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) من عام 1896، ضمن منافسات كأس ستانلي، حيث أحرز أرميتِش هدفَي الفوز على فريق مونتريال، وهي المباراة نفسها التي وُصفت ساعتها بمباراة الموت». وأنا لا أزال أتسمّر في وقفتي تلك، مأخوذاً بالقراءة والفرجة على صورة قديمة، خطر لي أن الدولة المهدية في السودان كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، بالتزامن مع صعود مجد أرميتِش الرياضي في كندا، من دون حتى أن يتزعزع ولو للحظة واحدة، حلمُ قائدها بالغزو والنوم على سرير الملكة فيكتوريا، في أقصى الشمال.

العالم ينهار في مكان ويُشاد في آخر. وتلك تسع ساعات بالتمام، هي عمر أول وردية لي كحارس. تسع ساعات عايشت خلالها أطلال ذلك الوجود الآفل، لحظة بلحظة، أسى بأسى، ولوعة بلوعة. منذ البداية قلت للسيد رايان باركر الذي أوصلني بعربة الشركة إلى الموقع: «هذا مكان ميت».

أومأ السيد رايان باركر برأسه المغطاة بالشعر الأشقر اللامع موافقاً. قدَّرتُ أنّه في منتصف العقد الرابع. وقال بجدية بدت لحظتها عسيرة تماماً على الهضم: «كيف لا يكون مكاناً ميتاً، وقد مضت عقود على آخر مرة شُوهد فيها الشيطان هنا». فكرتُ: «له طريقة مختلفة في تسمية الأشياء». وأخذنا نتابع السير، متوغلين داخل العتمة المطبقة، وقد أحاط بنا ذلك الحضور الأكثر ميتة للأشياء. «مراقبة الموقع، هذا كل ما عليك فعله»، أخيراً، أوضح لي السيد رايان كمشرف متجول بين المواقع بالعربة مهماتي، وانصرف مغادراً، بتلك الكياسة المهنية العالية.

لم يتضح لي، مع ذلك، وحتى نهاية زمن الوردية، أي مغزى قائم هناك وراء حراسة إستاد خال، مثل استاد هوكي الجليد العتيق هذا، خصوصاً أنّه لم يتبقّ على هدمه سوى أيام. لقد كانوا (كذلك أخبرني السيد رايان باركر) على وشك إزالة عصر كامل من حياة لُعبة. وهذا (على الأرجح) ما يُحزن.

النُصب التذكارية لكبار اللاعبين نَسجت حولها العناكب. أسعار الوجبات السريعة، قوائم المشروبات وقد بدت متآكلة الطلاء بمختلف أنواعها المعلقة على واجهة الكافتيريا الداخلية مشيرة بخطوطها اليدوية البارعة إلى أزمنة ما قبل ظهور الحاسوب.

وثمة مقصورات عِلية القوم الخاصة وهي تلوّح مهترئة بأثاثها المخمليّ الغارق في الصمت والنسيان، الحمامات الجافة، ذكرى مزاح عمال النظافة في تلك الأزمنة، غرف تغيير الملابس، عربة تكسير الثلج على الميدان المحاط بشبكة من القوائم الإعلانية القديمة الصدئة، مقاعد الجمهور القابلة للطي والمنغلقة على نفسها كقبور صغيرة متجاورة، وقد تراكمت عليها طبقات سميكة من الغبار، موقف عربة الإسعاف الداخلي، أبواب الطوارئ المتآكلة، نوافذ بيع التذاكر، صدى آلاف صيحات الإعجاب بحركة حاذقة من لاعب أو آخر، خطط أولئك المدربين، لذّة الانتصار، أوجاع الهزيمة؛ كل ذلك، وغيره، سيذهب بعد أيام قليلة، مرة واحدة، وإلى الأبد.

أخذت تمطر منذ ساعات بغزارة ومن دون توقف. أحارني أنني لا أسمع صوت الرعد. فكرتُ: «السماء تمطر في بلادي بغضب». وكنت لا أزال أتحرك وحدي، أتابع التجوال في مساحة تسع أكثر من خمسين ألف متفرج، متفقداً أرجاء الاستاد الداخلية، بتلك الخطى البطيئة الزاحفة المتثاقلة والمتعبة لرجل يدرك جيداً أن العالم الذي غدا خفيفاً بمقدار ما فقد في سبيل تحوله بالكامل إلى القاع السحيق للأزمنة.

ذلك صوت عربة السيد رايان باركر وهو يتناهى لحظة توقف المطر مقترباً بكل تلك الجلبة.

[email protected]






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1768

خدمات المحتوى


التعليقات
#1430422 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

03-17-2016 08:53 PM
تصوير رائع للمكان، من قلم متمكن من نواصي السرد غاب عنا حينا من الدهر فمرحبا بعودته. وشكرا علي هذا الوقوف الليلي علي الاطلال في بلاد تموت الحيتان حقا من بردها.
تصويب:

【 ﺃﺣﺎﺭﻧﻲ ﺃﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﺳﻤﻊ ﺻﻮﺕ ﺍﻟﺮﻋﺪ】 =
【 ﺣﺎﺭﻧﻲ ﺃﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﺳﻤﻊ ﺻﻮﺕ ﺍﻟﺮﻋﺪ】

أحار تعني ١. رد {مثلا علي سؤال: ومنها التعبير المألوف: لم يحر ردا} ، أو ٢. ذبح {الحمل، الناقة، الخ}


عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة