03-19-2016 01:24 AM


المدينة كئيبة، جدرانها مغطاة بشعارات كاذبة و الجماهير غارقة في بحر العسل الذي يَشِي بأن هزائمنا المتتالية في الحياة هي مجرد نكسات أو أشبه ما تكون بالعثرات سرعان ما يُقيلها الزمن، أو كبوات لا نلبث و ننهض منها، فنحن كبار و أبناء تاريخ عريق و وجودنا برمته سليل حضارة ضاربة في القدم.
أدخل المقهى أبحث عن " طاولة حرة " فالحرية عندنا تشمل كل شيء حتى ذوات الألواح و الدسر.
لا توجد قاعدة خشبية غير محتلة تنفع منصةً لإطلاق صواريخ القرائح، قرائح " تعبانة سهر، عطشانة سفر".
أهم بالخروج فيبادرني النادل بالتريث و الصبر، و ينصحني بطول البال، لأن العجلة و الاندفاع و استعجال الحلول سياسة لا تنفع في هذا البلد، تماما كما الأدب الذي لا يجدي مع أبنائه السفلة.
أعجبني حديثه المرتب ترتيبا ينم عن ثقافة و اطلاع واسعيْن، ثم أخبرني بأنه يحضر لنيل شهادة الماجستير و لهذا فهو يعمل ليوفر مصاريف العيش و الدراسة، و دون أن أسأله عن اختصاصه بادرني بقوله : أدب سياسي.
يالله، منذ متى كانت لنا سياسة أدبية حتى نطمع في الأدب السياسي، و مع ذلك دعونا نحمد الله على هذه الهبة القومية التي تستوجب حمد الرب و شكره، فهو الواحد الأحد الذي " لا يحمد على مكروه سواه ".
في باريس عاصمة الأنوار و الجن الأشرار و الملائكة الأطهار، كانت كنيسة نوتردام محاطة بقصور الإمبراطورية الفرنسية بكل ما فيها من خيانات و مؤامرات...في هذا الجو كتب فيكتور هيغو " أحدب نوتردام ".
و في الواقع أنه ما من أحدب عَمَّرَ طويلا سوى الصفاقة العربية العرجاء التي لم تكن تخجل من نفسها حتى و هي تنشر غسيلها القذر خارج أسوار " الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة "، فإلى وقت قريب كانت السوربون مسرحا لهذا الهزال العربي المقرف : السوريون يناصبون العراقيين العداء، ثم يتضامن أبناء دمشق و بغداد ضد أشقائهم من الأردن، في حين يشمخ الجزائريون بأنوفهم على الكل و يرمقون الجميع بنظرة لا تخلو من استعلاء و تكبر، و بين كل هذا الهجين يضيع الفلسطيني الذي من مصلحته أن يقف على مسافة واحدة من كل الإخوة الرفاق.
لكي نصنع السلام يجب أن نوقف الحرب، و هذه قناعة استولت في وقت من الأوقات على الكثيرين من الألمان الذين عملوا مع الحلفاء ضد المحور، لأنهم كانوا يرون أنفسهم يقومون بعمل ينسجم مع مبادئهم، و كان السلام أول هذه المبادئ، فلنسلك أيَّ طريق يسكت صوت البنادق حتى و إن كان ممرا لمشاة العدو.
وضعت الحرب أوزارها و عاش هؤلاء " المنسجمون مع أنفسهم " بين الناس دون أن يسمعوا كلمة تقريع واحدة، لأن النوايا تصنع القناعات التي توجه العمل، و في الأخير حسن النوايا يصنع الفارق.
عندما وصل ممثلان من الدرجة " ب " في هوليود إلى سدة البيت الأبيض أيقنت أن البلاد التي لا حدود للحلم فيها تنفتح على حقيقتين كبيرتين خطيرتين تقرران بأن هاته البلاد لا حدود لها و أنه بمقابل الأحلام لا حدود للكوابيس أيضا، و أن البلاد العارية من الفرص و الوعود لا مستقبل لها و يجب أن نقول لها وداعا.
الكلام المتوافر القابل للنشر يجب أن يحل محل عبارات الابتذال التي تسيء للوضع، و حتى لا يساء الفهم.
و بدلا من حديث الاستدانة الداخلية و سندات القروض، دعونا ننطلق من الحقائق التي رسمها الشعب على أوراق التعب و النصب و الإرهاق و بعث بها إلا فلاسفة الفقر و فقهاء الإفلاس، دون أن يجد فهيما واحدا يحسن فك شيفرة دافنشي.
حدَّثونا عن التقشف و عن تآكل احتياطي الصرف، و رفعوا أسعار الوقود و الكهرباء و جمدوا التوظيف على مستوى الوظيفة العمومية، و أشعلوا الطرق برداءة إنجازاتهم و أسعار نقلهم الملتهبة رغم القسيمات التي يمتصونها من دماءنا، و في الأخير طرحوا السؤال و تبرعوا بالإجابة بدلا عنا و اقترحوا القرض الاستهلاكي من باب النفقات و القرض السندي من باب الموارد، و بعد كل هذا الهرج و المرج سيكونون من الكذابين المفترين إن أثبتوا أن مواطنا واحدا خرج متظاهرا، احتجاجا على هذا المنكر و الاستفزاز، كما لن يسجلوا اسما واحدا سيتوجه إلى " بيت مال المسلمين " يطلب عطاءه ما دام هناك شيء اسمه رباً حتى لو كان بنسبة تقترب من الصفر.
لماذا لا تريد الطيور القابعة في بحيرة البجع، أن تقتنع بأننا شعب مسلم حتى النخاع و أن الشواذ يثبتون القاعدة و لا ينفونها، و أننا نفقه جيدا و على دراية بأن وطننا في خطر و تحدق به المصائب من كل جانب، و لهذا وضعنا أنفسنا في مستوى الرهان و آثرنا سلامة و أمن جزائرنا على جميع الحسابات الأخرى، و أنه على كعبة الثوار أن تبقى براقة في عيون جميع المتربصين بها فما من أحد يعرف حالنا في الداخل أحسن منا....إلا أحدب نوتنغام فورست.
و الأهم من كل هذا أننا صابرون على " وجوه الهمّ "، لا من باب الخوف و الطمع، بل لأننا مؤمنون حد الوهم بأنهم جاؤوا مثل أي حلم و سيرحلون مثل أي فشل.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1372

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سمير فضل - الجزائر
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة