03-21-2016 12:46 PM


في عام 1956 شاهدت اسمي لأول مرة في حياتي مطبوعا في مجلة "الصبيان" في أول تجربة لي مع النشر.كانت مفاجأة حقيقية. تراقصت الحروف الباسمة أمام عينيّ وهي تقفز من صفحة المجلة. تتابعت دقات قلبي مثل دقات الرباب كما يقول الشاعر، وأوشكت المفاجأة أن تقتلع قلبي من مكانه وتحلق به فوق هامات السحاب مثلما حلقت بي أحلامي وتخيلاتي الصغيرة. كل ما نشرته المجلة لم يتجاوز سطرين ونصف السطر على عرض العمود،رسالة تقليدية في باب رسائل القراء،خصص السطر الأول منها لاسمي واسم مدرستي (القضارف الأميرية)، وكان السطر الثاني إفادة بوصول رسالتي وترحيب بمشاركتي في المجلة. كان ذلك حدثا تضاءلت أمامه كل أحداث السنة وما سبقها من سنوات، فقد بلغت مبلغا عظيما من الشهرة. هكذا هيء لي آنذاك. أما الحدث الأكبر الذي تجاوز كل قدرات احتمالي فقد كان نشر صورتي في ذات المجلة عام 1958 في باب التعارف.همت علي وجهي في مدينة القضارف وأنا أذرع دروبها وشعابها جيئة وذهابا،(أو زنقة زنقة بلغة هذه الأيام)، أتأبط المجلة أحيانا،وأحملها داخل جيب الجلابية أحيانا أخرى، وأطلع عليها في شيء غير قليل من الزهو وتضخيم الذات كل من اصطفيت ممن قدرت أنهم لم يسمعوا بالحدث ويهمهم أن يسمعوا به. رأيت أن أشركهم معي لحظات مجدي وشهرتي.تضاعف الوهم والإحساس بالمجد والشهرة لما كنت أسير في طريقي في يوم من تلك الأيام فمررت بجوار صبيين في مثل سني، فلفت أحدهما نظر رفيقه (أنظر....هذا هو الولد الذي ظهرت صورته في المجلة).ضاعفت تلك الواقعة العارضة،أي واقعة الصبيين، ضاعفت من تلك الحالة الطفولية أو المرضية.. حالة الاحساس بأني شهير ومهم للغاية. لازمتني الحالة اللعينة بعد ذلك لعدة أسابيع قبل أن أتعافى منها،ولكن بقيت التجربة المضحكة عالقة بالذاكرة تقاوم عربدة السنين واستلاب الأيام.
كثيرا ما أستدعي تفاصيل تلك التجربة الصغيرة وأنا أعايش أفعال بعض اخوتنا عاشقي ومتصيدي الشهرة والنجومية هذه الأيام عن طريق مركبة ما يسمونه بالعمل العام.هذا "العمل العام" المتاح في مجمله في مهجرنا،تحديدا في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية،لا يتجاوز العمل في الجالية السودانية بمسمياتها وهياكلها المختلفة المتنافرة المتناحرة التي تسعى لفعل كل شيء إلا مصلحة قاعدتها،أو الروابط الرياضية والمهنية والاجتماعية،والسعي لنيل عضوية تلك الكيانات باديء الأمر ثم دخول لجانها التنفيذية ثم التمكن منها فيما بعد حسب ثقافة العصر، في اطار ما تسمح به أعراف وأنظمة البلد المضيف كما هو معروف.يتصيد هؤلاء الأضواء مثلما ما فعلت أنا،أو حمّلتها عرضا قياسا بواقعة أو واقعتي مجلة "الصبيان"، واعتقدت أن نشر اسمي، ومن بعده نشر صورتي قد حولني إلى شخصية هامة حقا. هؤلاء لا يملون من ملاحقة واصطياد الوسائط الإعلامية بشهية مفتوحة من خلال مركبة العمل العام للظهور على الملأ بالصورة وأحيانا بالصوت والصورة، ومن ثم يعيشون الحلم أو الوهم الذي صنعته أيديهم،وينطبق عليهم حال البالغ الرشيد الذي ما زالت تسكنه جينات الطفولة المتأخرة التي تلازم صاحبها بعد سن الرشد.لا أعتقد أن المجتمع السوداني في المنطقة الشرقية في المملكة العربية،الذي عايشته أكثر من غيره طوال العقود الثلاثة الأخيرة، حالة استثنائية،وما ينطبق عليه ينطبق على مهاجر أخرى في أرض الله الواسعة،وفي كل الوطن.
كانت وسائل التصوير والتواصل والانتشار محدودة وقليلة على أيام مجلة "الصبيان"،وقد يكون لي العذر وأنا في تلك الأيام في سعيي الدؤوب لنشر اسمي وصورتي في المجلة،ونجاحي في ذلك فيما بعد مرة ثالثة ورابعة،واحتفائي بالنشر في كل مرة بكل السبل المتاحة، ثم تقمصي بعد ذلك دور الشخص المهم الشهير،وهو دور لم يتجاوز نطاق الخيال، لكن ما بال هؤلاء (بتاعين العمل العام) تسكنهم لهفة ورغبة الأطفال، ويتوهمون أن ظهور الصورة والاسم في وسائط النشر وتكرار ذلك الظهور،في زمن تداخلت فيه الأِشياء، واستنوق الجمل، واستأسد البغاث،يضفي صفة الشخصية العامة المشهورة على الشخص،حتى لو كان الشخص بلا زاد أو عطاء أو هدي رشيد.
نسأل الله العافية والمعافاة لنا ولسوانا.
(عبدالله علقم)
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1364

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة