المقالات
السياسة
النمو الاقتصادي وتراث العبودية في جمهورية السودان
النمو الاقتصادي وتراث العبودية في جمهورية السودان
03-28-2016 12:13 AM

النمو الاقتصادي وتراث العبودية في جمهورية السودان
Economic Development and the Heritage of Slavery in the Sudan Republic
بيتر. ف. م. ماكلوقلين Peter F. M. McLoughin
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما ورد في ملخص مقال طويل (من 37 صفحة) بعنوان " النمو الاقتصادي وتراث العبودية في جمهورية السودان" نشره بيتر. ف. م. ماكلوقلين بالعدد رقم 32 من مجلة "أفريقيا: مجلة المعهد العالمي الإفريقي" الصادرة عام 1962م. وكاتب المقال هو البروفيسور بيتر. ف. م. ماكلوقلين، الذي عمل بين عامي 1959 و1960م محاضرا بكلية الاقتصاد في جامعة الخرطوم، ونشر في غضون سنواته تلك، وبعدها، عددا من الكتب والمقالات والكتب عن السودان منها
The Sudan's three Towns: A Demographic and Economic Profile of an African Urban Complex
و Language-Switching as an Index of Socialization in the Republic of the Sudan
وعمل الرجل أيضا إداريا في تنجانيقا، وأستاذا للعلاقات الصناعية في مركز الدراسات الأفريقية في جامعة كليفورنيا بلوس أنجلز.
وللمقال في نظري، ورغم تحامل وتطرف وخطل بعض الآراء التي يتضمنها، أهمية تاريخية وتوثيقية لا تخفى، إذ يحتوي على عدد من الجداول المثيرة للانتباه التي توضح أعداد المحكوم عليهم من المسترقين بين عامي 1905 – و1913م، وأعداد اولئك المسترقين الذين مثلوا أمام مفتشي الحكومة في مناطق شمال السودان في تلك الأعوام، وكذلك اسماء الأرقاء المستعادين (repatriated slaves) الذين لجأوا إلى المفوضية البريطانية بجدة بين عامي 1930 و1937م، والذين كانوا قد "اصطيدوا" عبيدا في السودان. غير أن الكاتب أورد جدولا بإحصائيات للمقارنة بين عدد سكان مختلف أقاليم السودان قبل حكم المهدية وفي عام 1903م. وتلك الاحصائيات بحسب ما أورده بروفيسور مارتن دالي في كتابه “امبراطورية على النيل" هي محض تلفيق (انظر المقال المعنون: "السودانيون عام 1900م". المترجم).

المترجم
*************** *********** *************

ليس لدي أي احصائيات تؤيد الزعم بأن هنالك نحو 200000 من عبيد المنازل (domestic slaves) وعبيد الأرض / الأقنان (serfs) في شمال السودان. فمحاولة الاحصاء الدقيق في عام 1962م لجماعة لم يتم عدها في 1900م أمر بين الاستحالة. وقد تم قانونا منع ظروف كل حالات التبعية (dependency) منذ نحو ستة عقود. غير أنه بالنظر إلى استمرارية العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بالرق المنزلي ونظام الأقنان وعضدته، فليس بالإمكان افتراض أن تلك الأنواع من العبودية قد اختفت تماما، إذ أن انماط الحياة والثقافة والدين والقيم ظلت، وبصورة عامة، تشابه عند غالب السودانيين ما كانت عليه قبل ستة عقود. وسيكون من الضروري الاستشهاد بأمثلة ملموسة على أن البنيات الاقتصادية والثقافية التي تقوم عليها أسس أنظمة العبودية قد تغيرت بصورة كبيرة حتى يمكن القول بأن الرق المنزلي وعبودية الأرض لم تعد تتناسب مع بقية نظام قيم معدل.
إن الاعلان عن أن هذه الظاهرة الاجتماعية قد انقرضت، وايجاد أمثلة بأنها ليست كذلك، لهو اجراء تحليلي خاطئ. فهو يفترض أن هنالك تشريعات قانونية قضت بإزالة هذه الأنظمة من الوجود، وهذا أمر مستحيل. وهو يفترض أيضا أن كل الاجراءات الادارية التي أتخذت كان هدفها هو الالغاء النشط لحالة الرق. وهذا، بذات القدر، ليس صحيحا. وينتهك مثل ذلك الاعلان جوهر طبيعة التغيير الاجتماعي. فالمجتمع يظل يعمل ويمارس وظائفه وفق منظومة قيم متماسكة ومصممة وفق نمط معين إلى أن يأتي الوقت الذي تقوم فيه قوى اقتصادية أوسياسية أو اجتماعية بالضغط من أجل جعل تغيير إطار تلك المنظومة القيمية ضرورة لا بد منها. ويشجع هذا بالتالي، بالتدريج، على ظهور مواقف وقيم جديدة. وتتطلب هذه العملية الطويلة تكامل الفكرة الجديدة مع جوانب أخرى في المشهد الاجتماعي. ويجب أن تنسق هذه العملية أيضا مع ما هو موجود سلفا من شبكات خفية ومعقدة، تقوم بأداء وظيفة تنظيمية غير مكتوبة وغير واضحة المعالم تماما. ورغم أن التغيير واضح لا تخطئه عين في مناطق معينة بالسودان تم الاستثمار بها بقوة، إلا أن غالب السودانيين ما زالوا يعيشون ويعملون كما كان يفعل أجدادهم. فلم تأت رياح التغيير على المؤسسات الاجتماعية والمواقف والسلوكيات والقيم، وظلت كما هي. وبالنظر إلى الطبيعة المتحفظة / المحافظة لهذه المؤسسات، وطول المدة المطلوبة لتغيير منظومة قيمها، وقدرتها الذاتية على مقاومة مؤثرات / محفزات التغيير (التي لا تزال ضعيفة ومتقلبة حتى في المجتمعات الأكثر ديناميكة) فمن المنطقي تماما إذن أن تظل قيم الرق قوية صامدة.
وتعرضت مناطق في أفريقيا لتأثيرات أعظم بفعل الأفكار والتقنيات والمناهج والأساليب الجديدة، ولكن الرق ما يزال موجودا فيها، وتسود فيها أفكار تؤيد استمرار وجود طبقة "السادة" وطبقة أخرى تحتها من "الخدم" أو "العمال". وليس هنالك من سبب لافتراض أن المجتمع السوداني مختلف عن غيره من تلك المجتمعات الأفريقية في هذا الجانب، أو أنه يمثل استثناء من القوى الأساس التي قادت في الماضي (ولا زالت تقود الآن) التغيير الاجتماعي في السودان أو أي مكان آخر.
ستبقى حقيقة الرق جزءاً من التاريخ عندما يحدث تغير (جذري) في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية يجعل من تلك الحقيقة عصية على التحقيق وعلى الدفاع عنها، وعندما تعلو وتتمايز أفكار الاستقلال والدوافع (الحوافز) الشخصية عن أفكار المجموعة، وعندما يرتفع مستوى التعليم والرقي بحيث يرى كل فرد نفسه بحسبانه وحدة اجتماعية معزولة تؤثر رغباتها وأمانيها على مصيره الاقتصادي والاجتماعي.
كان معظم عبيد المنازل عند قدوم الإدارة البريطانية – المصرية للسودان من الأطفال والنساء. ولا يزال تعليم المرأة تعليما نظاميا ومستمرا غائبا في كثير من المناطق، وظل جهل المرأة بما يجرى حولها في العالم من تغيرات ثقافية واجتماعية كما هو. ويعد طفل العبد عبدا. وليس هناك من سبب يجعل مصير مواليد الأَمَة من الاناث مختلفا عن مصير والدتهن.
غير أننا يجب أن نتذكر شيئا عن الأَمَة المنزلية، وعن أنه ليس لها من حافز لهجر وضعها. فهي ليست بالتي يمكن أن تعامل بإزدراء أو احتقار، أو أنها امرأة لا حقوق لها. فالأَمَة المنزلية مسئولة عن اداء أكثر الأعمال اعتيادية (mundane) في البيت والمزرعة، وهي أعمال أساس للحفاظ على مسيرة حياة العائلة بلا ريب. ولا توجد اختلافات جوهرية بين مستوى المعيشة المادية عند الأَمَة المنزلية وعند "سيدها" أو زوجاته (أورد الكاتب هنا ما ورد في مقال نشر في العدد رقم 23 من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" والصادرة في عام 1940م بقلم دبليو. اي. جينينقز – براملي، جاء فيه أن الأَمَة المنزلية كانت لا تمانع في أن تعمل عند عائلة في المدينة، حيث ستعيش في وضع أفضل وأريح من وضعها في بلدها الأصلي في الريف). ولعل من أسباب بقاء الأرقاء مع "سادتهم" حتى بعد صدور قوانين تحرم الرق هو أن الإدارة (الإستعمارية) ولأسباب اقتصادية بحتة لم تتشدد في تفعيل القوانين التي تلزم "مالك" الرقيق بالتخلص منهم، بل تبنت عوضا عن ذلك سياسة تقوم على تشجيع الرقيق المنزلي على البقاء (مع "سادتهم" القدامى) إن لم يكونوا يسيئون معاملتهم/ معاملتهن. ولم تكن الأحوال العامة القائمة في سنوات الحكم الاستعماري الباكرة، بكل ما فيها من شكوك وعدم أمن وقلة استقرار، لتشجع المسترقين على الرحيل عن بيوت ومزارع مسترقيهم. فقد كانت عائلات "السادة" تمثل لهم (ولا تزال) أمكنة أكثر أمانا واستقرارا من العالم الخارجي المجهول.
واتضحت آثار إرث الرق أكثر ما اتضحت في تلك المناطق التي كان فيها النمو الاقتصادي هو المسؤول عن إحداث تغيرات بنيوية واجتماعية، وكذلك في المناطق التي جلبت إليها آلات وأنظمة فعالة وذات كفاءة صاغت بها واقعا ومشاكل اجتماعية واقتصادية جديدة. وهذه هي المدن والمناطق التي تقوم فيها مشاريع تنمية زراعية.
ويجب ألا نغفل هنا المناطق التي تشهد ضغوطا اجتماعية واقتصادية مستمرة بسبب دخول المحاصيل النقدية، وهجرة الأيدى العاملة، وتأثيرات التوسع في أنظمة النقل. وبدأت أوضاع العمال (labour situations) التي يكون فيها الفرد الذي يؤدي العمل معتمدا من ناحية اجتماعية واقتصادية على رب العمل، ومقيدا بشبكة من الالتزامات الاجتماعية وغيرها، تستبدل تدريجيا بنظم أكثر تجارية (more commercialized arrangements) يكون فيها عائد العمل محددا ومتفق عليه سلفا، ومتوقفا على الاقتصاد فحسب. غير أن عملية الاستبدال هذه بطيئة جدا.
ويتوقف نمو الاقتصاد السوداني على دخول أعداد متزايدة من الأجراء (wage workers) لسوق العمل في المشاريع الزراعية التجارية التي يصدر انتاجها للخارج. ولما كانت القيم التاريخية المرتبطة بعمل الزراعة تعده عمل عبيد (slave’s work)، فقد كان غالب سكان شمال السودان يترفعون عن مثل هذا العمل ولا يؤدونه إلا مضطرين أو مجبرين. وظل غالب عمال الزراعة تقليديا من غير سكان شمال السودان، ومن غير المسلمين، ومن غير السودانيين الرحل، أو من الأجانب. وكان معظم هؤلاء من المسترقين الذين تم تحريرهم بقوة القانون. غير أن أعدادهم لم تكن تتزايد بمعدلات كافية لمقابلة متطلبات برامج الاستثمارات المتوسعة. لذا فقد صار كسر حلقة النظام القيمي (value system) المرتبط بتراث العبودية واحدا من المشاكل الاقتصادية الأساس. وظل الطلب على العمالة يتزايد في الوقت الذي قل فيه العرض. وهذا يعني حدوث فجوة نسبية في سوق العمل (الزراعي) على المستويات الدنيا من نصيب الفرد من الناتج per capita output)).
ويمكن أن تحل مشكلة عرض العمالة هذه عن طريق إقرار سياسة تتضمن فرض ضريبة على ذلك الجزء من دخل المزارع (tenant) الذي يوفر الطلب "الإضافي" للعمالة. غير أن هذا الحل سيواجه مقاومة سياسية، وسيقلل كذلك من الحوافز التي تدفع الفرد الشمالي المسلم للدخول في الزراعة، إذ أنه يستخدم النظام وسيلة لتحسين وضعه (status) كما هو معروف تقليديا بحسبانه من غير العمال (a non - worker).
وبما أن الحكومة (المقصود هنا بالطبع هي حكومة الفريق إبراهيم عبود. المترجم) حكومة مسلمة، فإنها ستقوم آليا (اتوماتيكيا) بتبني سياسات لا ترمى لتعديل الاحتياجات الثقافية (للسكان) ولا الإضرار بها. وتحاول الحكومة أن "تؤسلم" البلاد بفرضها تدريس اللغة العربية في كل المدارس، وزرع قيم الإسلام وسط ثقافات سودانية غير إسلامية. إن الإصرار على وجود مزارعين مسلمين من شمال السودان في مشاريع التنمية الزراعية يعد في حد ذاته per se إصرارا على تعزيز أفكار السودانيين الشماليين حول نظام اجتماعي – اقتصادي مثالي. وهذا يعني استمرار السادة والخدم ، والصفوة والعامة ، والطبقة العليا والطبقة الدنيا (وهنا أورد الكاتب في الهامش هذه الجملة التي وردت في مقال للأسكتلندي أنقس جيليان Angus Gillian السكرتير الإداري بعنوان "السودان: الماضي والحاضر والمستقبل" بمجلة الشؤون الأفريقية African Affairs الصادرة في عام 1944م : "ولكننا يجب أن نتذكر أن تقرير المصير للشمال لا ينبغي أن يعني استغلال الجنوب ، فحين يسمع المرء أحد المتعلمين الشماليين يزل لسانه في "لحظة يغيب فيها الحذر (unguarded moment) ويقول "بلد عبيد"، يتأكد له تماما أن غريزة الافتراس العربية Arab predatory instinct لم تمت بعد".

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1384

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة