03-28-2016 10:18 AM


شاهدت مثل غيري عبر وسائل التواصل الإجتماعي ما سمى بحفلات التخريج لطلاب الجامعات. و حقيقة الأمر عندما شاهدت تلك الحفلات أحسست كم نحن في السودان نهين تلك المناسبة الأكاديمية العظيمة و لكي أكون دقيقاً كم يهين هولاء المحتفلون تلك المناسبة الجليلة. فهنالك ما يسمى "بحنة الخريج" و زي الخريج و لا أقصد الروب بالطبع و هنا لن أتطرق لما تكلف تلك المناسبة لذوي الطالب المتخرج/الطالبة المتخرجة و لكني أتحدث عن الإساءة لتلك المناسبة الجليلة. أود أن أسلط الضوء لماهية حفلات التخريج و متى بدأت؟
بدأت حفلات التخريج في الغرب في القرن الثاني عشر تقريبا و تعني إنهاء الطالب فترة الدراسة و انخراطه في أو استعداده للدخول في سوق العمل و تحمله المسئولية. و لبس روب التخريج لابد أن يُعطي الطالب هيبة و رهبة و احساساً بأنه صار عضوا في المجتمع الأكاديمي.
و لأن يوم التخريج هو يوم الحصاد للطلاب و الهيئة التدريسية يجب أن يكون الوقار و الإحترام سيدا الموقف. في ذلك اليوم يرتدي أعضاء هيئة التدريس "الروب" المميز و يتقدمون نحو المسرح المعد بخطوات تعكس وقارهم للعلم و العلماء فيما يعرف ب Academic Procession و يتقدمهم مدير أو (رئيس) الجامعة Vice-Chancellor و يكون الطلاب و أسرهم و ضيوفهم وقوفاً إحتراماً لهم و لمكانتهم و يصطف الطلاب الخريجون في صفوف منتظمة في مقاعدهم حسب تخصصاتهم و درجاتهم العلمية التي حصلوا عليها و هم بكامل زيهم الأكاديمي اي الروب و القبعات تزين رؤوسهم وهم يحتفلون بنهاية عهدهم بالجامعة و يستشرفون عهدا آخر و حياة عملية تختلف عن ما قبلها. فالتخرج يُعتبر لحظة فاصلة من عمر الطالب و يأتي تتوجاً لجهد دؤوب جاء نتيجة عمل مشترك بين الطالب و الأستاذ و بمؤاذرة من الأسرة و المجتمع. في هذه اللحظات يجب على الخريج أن يعي مسئوليته تجاه وطنه و مجتمعه و أسرته و قد تسلح بمهارات شتى و معارف متعددة لابد أن تنعكس في سلوكه يوم التخرج.
أما الذي نراه هذه الأيام فلا يعدو كونه تهريجاً لا يمت للمجتمع الأكاديمي بصلة. فيأتي الطالب الخريج عند سماع اسمه و هو يرقص دون وقار و دون أي احترام لهذا الروب الذي يرتديه و الأدهى أنه يأتي لإستلام الشهادة تصحبه أغنيته المفضلة و يرقص معه الحضور و أهله أيضا وهم يهينون بتلك الأهازيج و الرقصات الوقار الأكاديمي و التقاليد الأكاديمية العتيقة. و لا تعرف و أنت تشاهد تلك الرقصات هل أنت تشاهد فيلماً كوميديا أو تراجيديا. فالذي يقدم في حفلات التخريج يمكن أن يكون أي شيء إلا تخريج طلبة أكملوا تعليمهم الجامعي و ينتظرهم الوطن للمساهمة في بنائه و رقيه و نمائه "و للأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق."
هذه ظاهرة يجب أن تُحارب قبل أن تستفحل و على أساتذة الجامعات السودانية الوقوف في وجه هذا العبث بالتقاليد الأكاديمية فالطالب الذي يرقص و هو يتقدم لإستلام شهادته قطعاً لم يستفد شيئاً من علمه إذ لا يُعقل أن تهين شهادة علمية بمثل هذا الفعل الصبياني و أنت تتوشح بلباس يفرض عليك الوقار.
أعرف أن من يلقى البصر كرتين على حال التعليم في السودان لن يستغرب مما آلت إليه حفلات التخريج فالمثل العربي يقول: "لا يستقيم الظل و العود أعوج".
فنظرة سريعة للجامعات التي أنشئت بعد الإنقاذ تنبئك أن القائمين بأمر التعليم في السودان يهمهم المباهاة بالكم و ليس بالكيف. حتى المدارس التي يفترض أنها تُغذي هذه الجامعات صار همها الأول جني الأرباح أكثر من تعليم النشء و من الطبيعي التعميم لا يجوز فهنالك مدارس و جامعات خاصة مستثناة من هذا القول.
كنت أتمنى أن تكون في السودان هيئة متخصصة تعني بالجودة Quality Assurance تلزم هذه الجامعات و المدارس الخاصة بمعايير يجب إتباعها في قبول الطلاب و في نوعية مبانيها و التزامها بالشروط الصحية و الأكاديمية و نوعية المعامل و مؤهلات الأساتذة و غيرها وتضع أسس صارمة لحفلات التخرج.
بالرجوع لحفلات التخرج التي بدأت بها مقالي سمعت من بعض أبنائنا أن هذه الحفلات تتم في الغالب خارج المؤسسات التعليمية وتقيمها الروابط الطلابية لكن هذا لا يُعفي الجامعات من تنبيه طلابها أن هذا النوع من التخريج قد تسئ للشهادة و للجامعة فعلى الجامعات أن تقوم بتنظيم احتفالات التخريج بصورة يعيد لها الوقار الأكاديمي ثم بعد ذلك فليحتفل الطلاب بطريقتهم دون إرتداء الروب الأكاديمي لما له من قداسة حتى لا يرقص طالب و هو يرتدي هذا الروب و "يدنسه".
تخرجت في جامعة الخرطوم من قسم الدراسات العليا عام 1987 و كان احتفال التخريج تحت رعاية رئيس مجلس السيادة في ذلك الحين السيد أحمد الميرغني رحمه الله و قد قام بتسليم الشهادة للخريجين مما يؤكد إهتمام الدولة بالخريجين في العهد الديمقراطي. قد يقول قائل الآن تضاعف عدد الجامعات و لا يعقل أن يحضر رئيس الجمهورية كل تلك الإحتفالات. أقول ليس بالضرورة أن يحضر رأس الدولة فأي مسئول كبير من التعليم العالي أو أي وزير يكفي كما وأن نقل الإحتفال يتلفزيون الدولة يُعطي و يؤكد إهتمام الدولة.
أختم مقالي بقولي أن من يرقص و هو يلبس روب التخرج لا يستحق هذه الشهادة العلمية الرفيعة و أرجو من أساتذة الجامعات مقاطعة مثل هذا العبث و التهريج يوم التخريج.

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1513

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1436007 [ola]
0.00/5 (0 صوت)

03-28-2016 06:54 PM
عزيزي د. عثمان

سلام

شاهدت ما شاهدتم و حزنت علي هيبة المناسبة التي ضاعت وما أكثر الاحزان التي تراكمت علينا وما زالت.
علي كل حال أشكركم علي ما جاء في المقال و عسي المسؤولون يعملون بنصيحتكم.

مودة


#1436002 [عبدالله احمد]
0.00/5 (0 صوت)

03-28-2016 06:35 PM
اتفق معك تماما يا دكتور في ما ذهبت اليه من نقدك لهذا العبث الصبياني باسم حفلات التخرج .. اضم صوتي لك في ضرورة وقف هذه الحفلات الماجنة الصاخبة والتي لاتتناسب مع عظمة المناسبة ..هل من مجيب ؟؟ لا اعتقد ..لان البلد اصبحت هاملة .


#1435758 [الهلال]
0.00/5 (0 صوت)

03-28-2016 12:03 PM
شكرا


#1435708 [مجرد رأي]
0.00/5 (0 صوت)

03-28-2016 10:50 AM
تسلم دكتور عثمان .. مقال موفق نرجو من هذا المجتمع المضطرب العمل به


د. عثمان حسن عثمان
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة