04-02-2016 12:08 AM


إن المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده الأمين العام الجديد للمؤتمر الشعبي السيد إبراهيم السنوسي، بعد رحيل الدكتور الترابي، و حضره نواب الأمين العام للحزب، إضافة إلي أمناء الأمانات و هو وضع مؤقت حتى قيام المؤتمر العام للحزب، المؤتمر الصحفي الهدف منه هو تبيان الموجهات الجديدة، و السياسة التي سوف يسير عليها الحزب، و يلفت النظر في المؤتمر الصحفي، إن التركيز بصورة غير مباشرة، هو تأكيد الأمين العام أن حزبه متماسك و سوف يسير بذات الدفع، و ليس هناك تغييرا سوف يحدث غير طبيعي، باعتبار إنهم سوف يسيرون علي ذات خط الدكتور الترابي، حيث قال السيد السنوسي ( إن الراحل ترك لنا منهجا و خطا تنظيميا نسير عليه، و يشكل خارطة طريق بالنسبة لنا) معني ذلك إن التغيير لن يكون في البرنامج السياسي، و لكن لابد أن يكون في المنهج، و إلا إن السيد الأمين يريد أن يفرض ذاته "ككارزمة" جديدة في مسار العمل السياسي، رغم إن كل المعطيات تقول إن عهد "الكارزمة" قد انتهي برحيل الدكتور الترابي، و إذا أراد المؤتمر الشعبي أن يحافظ علي ذاته كقوي سياسية تشكل رقما في الساحة السياسية، لابد أن يختار طريق المؤسسة بديلا لطريق "الكارزمة" و هذا طريق يحتاج لتغيير جذري في المنهج، باعتبار إن المؤسسية تعني العمل الجماعي، و إن القرارات لا يكون مصدرها فردا، إنما تتخذ بشكل جماعي، هذا العمل الجماعي، سوف يتطور البناء الديمقراطي المؤسسي، و في ذات الوقت ينتج الثقافة الديمقراطية، و هو تحول في منهج العمل، و هذا هو التحدي المفروض علي حزب المؤتمر الشعبي، خاصة إن الدكتور الترابي كان يعطي للحزب شخصيته و قوته الاعتبارية، و الآن التحدي مفروض علي نخبة المؤتمر الشعبي، هل تستطيع أن تثبت التجربة الجديدة للعمل الجماعي ذاتها؟ و تطور فيها لكي تكون غدوة للقوي السياسية أم إنها ستنهار، و انهيارها انهيار الحزب.
لذلك تراود المتابع للأحداث أسئلة جوهرية، هل القيادة التي خلفت الدكتور الترابي في الأمانة العامة للحزب مدركة لواقعها السياسي الجديد و تحولاته؟
هل النخب في قيادة المؤتمر الشعبي لديها الفكرة التي تعتمد عليها في تحقيق مقاصدها، و قادرة علي توليد الأفكار و الاجتهاد، الذي يمكنها من أن تقدم أسئلة جديدة علي الساحة السياسية، تؤهلها أن تكون علي ريادة العمل السياسي، أم سوف تتبع منهج التقليد الذي سوف يؤدي للتراجع و الاضمحلال؟
ما هو موقف القيادة و الأمانة و النخب القيادية من قضايا الحريات و التعددية الديمقراطية، و هي القضايا التي كانت غائبة عن أفكار الدكتور الترابي؟
إن التحدي أمام القيادة، ليس كما قال السيد إبراهيم السنوسي، إنهم سوف يقتفون أثر الدكتور الترابي، إنما تحول المؤتمر الشعبي إلي مؤسسة حزبية جماعية، و المحافظة عليه كأحد القوي الرئيسية في الساحة، التي تستطيع أن تغير معالم العمل السياسي في السودان، من واقع الأزمات إلي واقع جديد يبشر بالأمل، و هذه تحتاج أيضا لتغيير في أفكار المؤتمر الشعبي، كما يقول الدكتور الطيب زين العابدين في حوار أجرته معه "جريدة الصيحة" قال فيه عن قضية الحرية و الديمقراطية ( الواقع يقول أن أعداد الإسلاميين في الأحزاب السياسية ضعيف، رغم الوجود الواسع للإسلاميين في الساحة عامة، و بالتالي فإنهم مطالبون بتغيير نظرتهم تجاه الحريات و الديمقراطية التعددية، و تمكين أهل الوطن جميعا، و إذا لم يفعلوا ذلك فوقتها سيخرجون من الحكم بل من تاريخ السودان، فالبلاد تعيش أوضاع استثنائية و الحركة الإسلامية تعكف علي صناعة برامج شبيهة ببرامج الهجرة إلي الله، ما ينقص الواقع مع مبتغي الحركة) و هذه تحتاج، إن يهتم الحزب بالنخب التي تشتغل بالفكر و الاجتهاد، و هذه النخب ظلت قرابة الستين عاما التي قضاها الدكتور الترابي في قمة الحزب مضطهدة و بعيدة عن مواقع القيادة، فهل القيادة الجماعية سوف تغير النظر نحو هؤلاء، و تفرد لهم من المساحة التي تمكنهم من تقديم تلك الأفكار، أم إنهم أيضا سوف يسيرون علي طريق شيخهم، أن يكون هناك مفكرا واحدا مع تكاثر أعداد المصفقين، أو المكبرين اختر ما شئت.
المتابع للتطور الأحداث في السودان، و خاصة تجاه الحركة الإسلامية، خاصة بعد مذكرة العشرة "المفاصلة" التي حدثت عام 1999، يتأكد إن الحركة الإسلامية تحتوي علي ثلاث تيارات، الأول تيار نفعي برجماتي، و تيار أخر حريص علي الفكرة و التدين، و التيار الثالث هو الأضعف، هو التيار الفكري، الذي كان علي هامش العملية السياسية، و التيار البرجماتي هو تيار يفتقد للفكرة و بالتالي لم يوليها نظرا، و اعتبر السلطة هي غنيمته و قادر علي تحقيق مقاصده من خلال السلطة، و غياب الفكرة أعلي من قيمة الأجندة الأمنية عند هذا التيار، في الوقت الذي ذهب التيار الثاني مع الدكتور الترابي، و ظل التيار الذي يشتغل بالفكر بعيدا عن بقية التيارات الأخرى، و ربما أختلف مع قراءة الدكتور الطيب زين العابدين أن تنفض بعد القيادات يدها من المؤتمر الشعبي، و تذهب إلي المؤتمر الوطني، بدعوة أن الدكتور الترابي كان يهدف إلي وحدة الإسلاميين، إذا استطاعت النخبة القيادية في المؤتمر الشعبي أن تفتح حوارا داخليا، يشارك فيه كل عضوية الحزب و حتى الإسلاميين الذين فضلوا أن يكونوا خارج أسوار الحزبية، في كيفية بناء المؤسسة الحزبية، التي تؤهله من إنتاج الأفكار و المعارف، و أن يكون مصدرا للإشعاع المعرفي، هذا الحوار سوف يجعل الحزب علي قمة السطح، و لكن من خلال مواصفات جديدة، و رؤى جديدة تختلف عن مسار الدكتور التاريخي، الأمر الذي يجعل المؤتمر الوطني هو الذي يسعي لوحدة الحركة الإسلامية، خاصة إن الحوار الذي أعلنه الرئيس قد كشف الفقر المعرفي و الفكري عند النخبة المتحكمة في المؤتمر الوطني، و إنها تسير الحزب فقط من خلال أجندتها الأمنية، التي تحاول بعثها كلما وجدت نفسها أمام تحديات حقيقة في قصور وظيفة الدولة لكي تمنع ثورة الشارع.
قال السنوسي ( دخلنا الحوار بقلب مفتوح متناسين كل المرارات و الجراح حتى يبلغ الحوار مداه، و إن الحوار سيكون حوارا شاملا و ليس من أجل المنافسة أو المحاصصة أو الغالبة) الظاهر من خلال توجهات الأمين الحالي للمؤتمر الشعبي، و من قبل رحيل الدكتور الترابي بأيام، كان مهموما في كيفية إيجاد تحالف قوي مع قوي سياسية داخل القوي التي شاركت في الحوار، في أن يحدث تحول حقيقي في مسارات الدولة، لذلك كانت لقاءاته مع عدد من قيادات القوي الأخرى و الحركات التي شاركت في الحوار، حتى تكون مصدر للضغط لحدوث التحول المطلوب، و بعد ما اشتكت هذه القوي السياسية أن التصريحات التي تخرج من بعض قيادات المؤتمر الشعبي غير مطمئنة، و هي تصريحا تؤكد إن المؤتمر الشعبي همه هو التحالف مع المؤتمر الوطني و ليس التغيير، نفي السنوسي هذا القول و أكد لهذه القيادات أمام الدكتور الترابي همه عملية التغيير و ليس وحدة الإسلاميين. هذا هو الذي جعل السيد كمال عمر أن يغيب عن المؤتمر الصحفي، باعتبار إن السيد السنوسي يريد أن يقول رغم تمسكهم بخط الترابي، و لكن هذا لا يمنع من أن يكون هناك تغييرا في مسار العمل السياسي، خاصة في قضية التحالفات لذلك قال ( نحن حريصون علي توطيد علاقاتنا مع الأحزاب لما رأيناه من تضامنهم معنا بعد رحيل الترابي، و لابد من التعاون للخروج من الأزمة و الحرب التي تجري في بعض الولايات و الاحتقان السياسي الذي تعاني منه البلاد) و لابد أن تفصح النخب القائدة في المؤتمر الشعبي ماذا تريد من الحوار الوطني، هل "النظام الخالف" النسخة الجديدة من التوالي أم بالفعل تريد تغيير في فكرة الحزب القائد إلي التعددية السياسية، و تكون نقلة جديدة في البرنامج السياسي للمؤتمر الشعبي من الناحيتين النظرية و الممارسة الفعلية.
و الحديث حول نظام الحكم و أفكار الدكتور الترابي حولها مبنية علي قناعته الشخصية بدولة الحزب الواحد، و التي نتج عنها أطروحته " لنظام التوالي" الذي أثبت فشله تماما. و أخيرا خرج الدكتور قبل رحيله ب "النظام الخالف" و يرجع ذلك للقاء أجراه التلفزيون البريطاني مع الدكتور الترابي يوم 5/6/ 1994، قال فيه الدكتور ناقدا الديمقراطية التي تمارس في الغرب قال ( في الغرب الآن لم تعد الأحزاب بنفس الأهمية التي كانت بها قبل عدة عقود، و لا يكاد يكون هناك فارق بين حزب و أخر، لأنه في وقت من الأوقات كانت الاشتراكية و الرأسمالية كل منها تمثل برنامجا مختلف، أما الآن ففي بريطانيا أو أمريكا لا يكاد يوجد فارق بين حزب و أخر، فقط مجموعتان تتنافسان علي السلطة، و لا يوجد خلاف في البرنامج، و هكذا فالديمقراطية ليست دائما أحزابا) الأمر الذي يدل إن الدكتور لا يؤمن بالديمقراطية التي يشارك فيها الأحزاب، و هذا ما أكده الدكتور الطيب زين العابدين إن الدكتور بدأ يتحدث عن الحريات بعد المفاصلة، و قبل المفاصلة كان يؤمن ما قاله للتلفزيون البريطاني. و أيضا أضاف في اللقاء مع التلفزيون البريطاني ( نعم هناك بعض الاختلاف، لكن اعتقد أنه من العدل أن يكون في الحضارة " الثقافة" الإنسانية العديد من الخيارات المختلفة، فالديمقراطية نفسها تعني اعترافا بحرية الناس في التعبير عن أنفسهم بشكل سلمي، و تبادل الحوار فيما بينهم لا يمكن تنظيم العالم كله طبقا لمعيار واحد يفرضه الغرب) انتقد الدكتور الترابي ديمقراطية الغرب، و لكنه لم يوضح نوع النظام الذي يريده بديلا عن الديمقراطية، و جاءت المفاصلة و لخبطت كل الأوراق عند الدكتور، و لكنه ظل مترددا في قضية الديمقراطية، و كان يتحدث عن الحريات كحق دستوري للناس، دون أن يوضح نظام الحكم الذي يريد، و لكن فجأة بعد خطاب رئيس الجمهورية " الوثبة" خرج ب " النظام الخالف" دون أن يشرح الفكرة بالتفصيل، و لكنها محاولة أيضا لعدم التطرق للنظام الديمقراطي. فرحل الدكتور و أصبحت القضية عند نخبة مناط بها أن تحدث تغييرا في المسار التاريخي للحركة الإسلامية، المحسوب عليها فشل نظام الإنقاذ في الحكم، و أهم عامل فيها قضية "التحول الديمقراطي" و هي قضية تحتاج لحوار، لأنها تفارق مسلمات الدكتور الترابي، فهل النخبة سوف تسير كما قال السيد الأمين العام السيد إبراهيم السنوسي، " إن الدكتور ترك لهم منهجا و خطا تنظيميا يسيرون عليه" دون إحداث تعديل، إذا كان كذلك، سوف تواجه قضية الديمقراطية معارضة من قبل الشخصيات التاريخية في المؤتمر الشعبي، و هي القضية التي عمقت الأزمة في البلاد، و تعد المفصل الأساسي في حل الأزمة، و الملاحظ إن أغلبية القيادات في قمة الهرم في المؤتمر الشعبي هي قيادات سياسية تنفيذية، و الذين بينهم يشتغلون بالفكر أقلية ربما يخفت صوتهم كما كان في عهد الدكتور الترابي، إلا إذا حدث تغيير في المؤتمر العام للحزب حيث تصعد قيادات جديدة لها أفكار جديدة، تستطيع أن تطرحها بقوة داخل و خارج التنظيم لكي تحدث نقلة جديدة في علي مستوي الخطاب السياسي و الديني، و أننا سوف ننتظر، و الأيام حبلي. و نسأل الله التوفيق.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1652

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1438748 [nagisidahmad]
0.00/5 (0 صوت)

04-03-2016 11:42 AM
رحيل الترابي بمثابة أفول نجم الإنقاذ , ليس ذلك بخساً لدور الراحل ,,, ولكنه كان هو القائد للمؤتمرين الوطني والشعبي معاً ,,, إذ , لما فارقه المفتونون بالسلطة والمال ,,, ظلوا يتسنطون علي أحاديثه كي يتعرفوا علي اتجاه البوصلة,
أما وقد رحل فقد فقدوا البوصلة ,, بوصلة القائد الفذوالمفكر الحصيف ,,, وبرحيله فقد ترك فراغاً لا يستطيع أن يملؤه فرد أو جماعة ,,, خاصة وأن الراحل كان وبإيعاز منه يتم إبعاد المفكرين الأذكياء من أبناء الحركة الاسلامية أمثال دكتور التجاني عبدالقادر وإخوته... ولن يلتفت التجاني عبدالقادر إلي عصر ما بعد الترابي فقد تجاوزه بفكره ومؤلفاته واختط لنفسه طريقاً للدعوة إلي الله ومضي شوطاً بعيداً ولن ينتمي بعد عمره وعطائه الثر إلي حزب .

المؤتمر الشعبي لا مشكلة له ,,, فقد طلق السلطة والتزم أعضاؤه بالوفاء للفكرة

أما المؤتمر الوطني هو من سوف يعاني لأن الفراغ الذي تركه رحيل الترابي في ميدان المعارضة سيملؤه حزب الأمة القومي وحلفاؤه من المعارضة السلمية والمسلحة خاصة وأن حزب الأمة يؤمن ويقر بالمظالم التاريخية لأبناء المناطق المهمشة من حملة السلاح والسلميين معاً وكان الترابي يفك الخناق من رقبة المؤتمر الوطني بمناوراته الذكية ,,,

فالمرحلة الآن مرحلة حزب الأمة لقيادة معارضة قوية ضد المؤتمر الوطني للوصول لحلول واقعية لقضايا الوطن بعيداً عن خطرفات أمين حسن عمر وأمبيكي وآل محمود وغيرهم,
وسوف يضمن الصادق المهدي مخرج آمن للسيد الرئيس من مأزق الجنائية ,,, أما المطبلاتية من المفسدين وآكلي المال الحرام فعليهم مغادرة مسرح اللامعقول ,,, فقد ذهب المال وجف الزرع والضرع ,,, إلي الجحيم.


زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة