04-10-2016 10:43 AM


الرواية هي معيار كاشف بدون أدنى شك عن ذكاء الكاتب ، عن قدرته على بناء وخلق قصة خارجة عن المألوف وملامسة للواقع ، ولها بعد فلسفي أو اجتماعي أو سياسي ما. ألدوس هيكسلي في عالم جديد وشجاع نظر الى المستقبل بعين متشائمة ، وميلان كونديرا في ادوار والله نظر الى الواقع بتشاؤم أكبر ، ورسم ماركيز في مائة عام من العزلة واقع سحري وأما الواقع الضائع فمن نصيب موت مالون لصمويل بيكيت ، الجميع يعمل من أجل الانفلات من الزمن عبر الغوص حتى أعماقه ليتجاوزه لكنهم يفشلون في ذلك ؛ فالزمن مثل الرمال المتحركة كلما حاولت الخروج منه كلما جذبك إلى الأسفل أكثر وأكثر . فالرواية حالة ومحاولة للهروب أكثر منها للتوثيق ، حتى ولو اعتمدت التوثيق كرواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ، ولذلك ليست الرواية جهدا بحثيا ، بل ثورة تحررية ؛ وكلما كانت ثائرة كلما تألقت أكثر ومنحتنا المتعة والتشويق كعطر زوسكند ، ومنحتنا رؤية ﻷفق جديد كان مستغلقا وراء اللا وعي.
يمكن أن تسير الرواية على أنهر الفلسفة والاجتماع والسياسة والقانون .. الخ لكنها في الواقع هي النهر الذي يحمل الجذع الخشبي لكل ذلك فالرواية تبدو في ظاهرها محمولة ولكنها في باطنها وحقيقتها وجوهرها حاملة ، مخدومة وليست خادمة ، أصيلة وما فوقها صورة ، مقررة وسطحها كاشف. كتابة الرواية تعلن عن انفتاح جديد على الوجود ، وميلاد كائن ، وهي بالتالي -ولكي ترقى الى هذا المقام- لابد أن تنبثق عن عقل مبدع ، منظم حتى ولو بدى عشوائيا كما في الأطروحات العبثية والفوضوية ، ولابد للرواية أن تتجاوز كونها حكاية ، الى مرحلة كونها خالقة وصانعة للزمن بمعطياته الثلاثة :الماضي والمضارع والمستقبل. فليس كل من يحكي روائي ؛ لا يمكن أن نقيس الحكاية الهشة برواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسة مثلا ، فالقضية ليست أن تحكي ، ولكن كيف وماذا تحكي . فالرواية إذن ؛ تعري الكاتب تماما ، وتجرد عقله أمام المﻷ وأمام الناقد الحصيف مما كان يخفيه الصمت ، وكم يخفي الصمت من غث ومستهلك وسطحي وساذج كما يخفي أيضا وفي المقابل كنوزا كان يمكن لها أن تخرج لتختبر أطماعنا فيها .
10أبريل2016
[email protected]




تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1114

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1443324 [كاكا]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2016 12:39 PM
مثقف في زمن عزت فيه هذه الصفة ! مقالاتك تثير في النفس الاسئلة العميقة


د.آمل الكردفاني
د.آمل الكردفاني

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة