05-03-2016 02:39 AM


* تسييس الخدمة المدنية اقعد بالسودان ورمى به في هاوية يصعب الخروج منها
* الوطن تفكك بتبديد قومية خدمته المدنية وتدمير السكة حديد شريانه الناقل للتواصل والترابط والتنمية بين أطرافه المترامية
* اقبية وسراديب أسوأ سجون اليمن "استضافت" محجوب الماحي بتعاون دنيء بين نظامي جعفر نميري وعلي عبد الله صالح فاستحقا لقبي المخلوع والسفاح. ألا يتعظ آخرون؟
* كان محجوب الماحي صاحب خير كثير، يعطي عطاء من يطارد الفقر ليصرعه ولا يخشاه، وكان ديوان زكاة يجمع المال ويوزعه على المحتاجين، دون ان يكون للعاملين عليه نصيب
---؛؛؛---
أحاول عبثا أن أنسى ذلك اليوم، 20 أبريل 2005، الذي رحل فيه الوالد محجوب الماحي وترك في القلب حزنا ووجعا، ألما وفزعا، ودمعا حارا سال على الخدين وما انقطع.
وانا على تلك الحالة المستمرة أطَلَّ علينا ابنه عصام بمقال أطلق عليه "حديث الذكريات" فجدد فينا حزننا الدفين.
طالعت ما كتبه أخي عصام الذي لم تلده امي كما يقول عني، مستعرضا ذكريات الأيام الأخيرة مع والده الذي هو والدي فقد شاركت أبنائه فيه، فغمرني عطفه وتمتعت بِعِزّه وفتحت لي علاقاته وسمعته واسمه كل الأبواب التي طرقتها. جاء مقاله مليئا بمشاعر إنسانية دافئة ولكنه أوجد في نفسي عبرة تخنقني، ودمع يحجب العين، فتقطعت مطالعته ما بين العبرة والدموع حتى احتجت لأربعة محاولات لأنهي قراءة "حديث الذكريات"، ويتكرر معي ذلك كلما اعيد قراءته. كنت اقرأ فقرة واعود للعنوان: بكى الرباب وغنى للأرباب.. حار بالحيل غيابك.
كتب عصام وهو بعيد عنا ما اختزنته ذاكرته عن أيام ولحظات رحيل والدنا، ولعله أراد ان يواسينا ولكنه امتحن صبرنا وسلوانا واجج احزاننا، فأثبت ان "غيابه بالحيْلِ حاااااار"، عليه وعلينا.
رحماك يا ربي وانا الان أحاول أن اكتب عن رجل كان أمة لوحده. تعددت صفاته، فقد كان كريما وشجاعا ومناضلا، حليما وحكيما يحمل عُصَارَة "حكمة الحكماء"، وكما قال عصام في مقاله، بالفعل صدق من أطلق عليه "حكمة السماء".
كان الأب، كان الأخ وكان الصديق. يشهد له كل من عرفه انه من الذين حبب الله إليهم عمل الخير وفعل الخير، وحبب الخير لهم. خصه الله بقضاء حوائج الناس، يعطي المحروم ويغيث الملهوف ويكفل اليتيم والأرامل، ولا ينهر سائل.
كان الوالد محجوب الماحي صاحب خير كثير، يعطي عطاء من يطارد الفقر ليصرعه ولا يخشاه، وحقا كان ديوان زكاة يجمع المال ويوزعه على المحتاجين، دون ان يكون للعاملين عليها نصيب.
كان قناة توجيهية مباشرة، وخاصة عندما يستقل المواصلات العامة وكثيرا ما يفعل ليعرف أحوال الناس، فقد كان يقول لنا "انتم لا تخبروني بأحوال الناس عندما اركب معكم في عرباتكم الخاصة".. فكان ينْصح ويرْشد ولا تأخذه في قول الحق لومة لائم.
في صيف عام 1979 حضرت للخرطوم وتحديدا لمكتب الماحي التجاري بعمارة سفريان الكائنة في شارع البرلمان. كنت في معية الاستاذ عمر عبد الله البنا احمل الشهادة السودانية التي كانت حينها تؤهل للعمل في المصالح الحكومية والشركات الكبرى الخاصة. دخلنا عليه في مكتبه ووجدت ألوان طيف من البشر لم أعرف عنهم شيئا إلا في وقت لاحق.
قدمني له الاستاذ عمر البنا، لم أسمع كثيرا مما قال، فقد أصبت برهبة من هيبة الرجل، خاصة وقد سمعته يتكلم مع آخر بصوت جهوري.
أمر بأن تكرم ضيافتي وبعد ان انصرف ضيوفه، أذِنَ لي بالدخول والجلوس إليه ورحب بي أشد الترحيب، فهدأ بالي وسرعان ما زالت تلك الرهبة ووجدته هينا، لينا وطيبا.
اخبرته باني يتيم واعول أسرة وجئت ابحث عن عمل. فحص شهادتي المدرسية سريعا، وقال لي: لا بد من مواصلة تعليمك الجامعي. قلت له ان الواقع لا يساعدني على ذلك، فألح عَلَيَّ كثيرا فذهبت وحضرت في اليوم التالي، فأمر ابنه صلاح والاستاذ امين سعد، رد الله غربته، بإخضاعي لاختبار، وبعد ان قدما له النتيجة، طالعها وقال لي: مبروك يا ابني.
فرحت فرحا شديدا وطلب مني أن أبقى معه في المكتب بدون أعباء وكان يمنحني كل يوم مصاريفي وقد كانت تكفي وتغطي احتياجاتي. أرسلني إلى عدة جهات للعمل بها، وكل جهة اذهب اليها لا يُرَدَّ طلبي، وبدأت اشعر ان اي شخص اذهب اليه يريد أن يرد جميلا أو دينا للوالد محجوب الماحي، بل إن البعض كان يلح عَلَيَّ للالتحاق بالعمل معه فورا. ولا أنسى ذلك الشاب الوجيه الذي أخبره الوالد محجوب عني، ولن أنْس موقفه الذي اشكره عليه إلى هذا اليوم، إلا وهو الاستاذ الدكتور الباقر احمد عبد الله الموظف بدرجة مدير حينذاك في شركة سركيس ازميريان ببحري والذي طلب مني مواصلة تعليمي الجامعي معلنا استعداده والتزامه بصرف راتب شهري لأخواني شريطة التحاقي بالجامعة، بل أصر على ذلك ولو استدعى الأمر السفر للدراسة في الخارج. لله درهم من رجال وكيف لا والباقر تلميذ وابن للوالد محجوب الماحي.
بعد ايام طلبت منه أن أختار من الفرص التي منحت لي، لكنه أخبرني بأن لديه مكتب تخليص جمركي في مطار الخرطوم ويمكنني أن أعمل فيه مع ابنه الأكبر النور الماحي. حقيقة لم أكن مرتاحا للفكرة، ولكنه فاجأني برأي هو ذات الرأي الذي كان يدور في رأسي، يجيء ويذهب ويطوف بخاطري، ومع ذلك لم أقف عنده حينها كثيرا وبحثت عن الوظيفة بمرتب. فاجأني وقال لي: ان الوظيفة بمرتب لا تصلح معك، وماذا ستصنع منك في اخر الامر؟ وقراءتي لطموحات الناس وأفكارهم من خلال شكل الاذنين تفيد بأن الوظيفة بمرتب لا تصلح لك.
لم أعِرْ قوله الاهتمام الذي يستحق نتيجة للفرص التي لاحت، ودون أن يَعْرِف تقدمت للالتحاق بالجيش، وواصلت في المعاينات، الأولى والثانية وقد اجتزتهما في سرية تامة وهو لا يدري. كان مطلوبا مني كتابة العنوان ومكان السكن واضحا وكل معالم موقع المنزل، فتحاشيت ذكر أي شيء عن محجوب الماحي ولكنني سهوا كتبت العنوان التلغرافي لمكتبه إلا وهو "بجراوي".
بعد اسبوع واحد اتصل بي أحد معارفي وقال لي "تكتب العنوان التلغرافي بتاع محجوب الماحي وداير تَخُش الجيش؟ خُمْ وَصُرْ!"، وأعاد لي أوراقي فأخبرت الوالد محجوب بعد أن طلبت منه ومنحني الامان، وفوق ذلك ابتسم ابتسامة رضاء وليس شماتة.
واصلت العمل مع ابنه النور، ومن مكتب الوالد محجوب بعمارة سفريان ومكتب التخليص في المطار تعرفت على أطياف من البشر الكرام. الشريف زين العابدين الهندي، عمر نور الدائم، الشاعر الزين الجريفاوي وحسين قريش الذي كان يستقبل عبر مطار الخرطوم مجلة (الدستور) التي كانت تصدر في لندن وتعارض نظام مايو. عرفت الاستاذ المناضل علي محمود حسنين والحاج مضوي محمد أحمد.. رحم الله من رحل منهم ومتع من لا زال على قيد الحياة بالصحة والعافية.
انتقل النور للإقامة في السعودية وترك لي العمل بمكتب التخليص الجمركي بمطار الخرطوم. كنت أقدم للوالد محجوب الماحي إيراد اليوم السابق في صباح اليوم التالي واحضر إليه في نفس اليوم لكي نذهب إلى البيت، فإذا به يطلب مني "حق الرغيف". الله يرحمك يا أبي العزيز.. تنفقها قبل ان تصل البيت؟
بعد ان تكرر ذلك وأصبح عادة، عملت على ادخار مبلغ لأهل البيت كمصروف خاص وفي ظني انه لا يدري به، بينما كان يعلم إني من خلفه ادفع لأهل البيت من دخل المكتب، ولا اشك انه لم يسألني حتى يتركني كأحد ابنائه تماما اصرف على البيت نيابة عنه كما فعل مع النور وصلاح ومن قبلهما مع عصام عندما عمل معه. تعود أن ينفق ما أقدمه له على اخرين وليس على نفسه أو أهل بيته، وكان يقول لي "أن هذا المال امتحان لن ينجح فيه إلا من يتصدق به"، فاتفقنا أن نجعل جزءا من دَخْلِ المكتب لعمل الخير، فالمحتاجون كثر.
بنى بيتا بامدرمان لأرملة وبناتها وصرف عليها حتى توفاها الله، والود مع بناتها لم ينقطع، وأعطي أرامل ومرضى كان يسألني كثيرا عنهم ويدعوني بأن لا أبخل عليهم، ويقول لي، "الكفن ما فيهو جَيْب".
طلبت منه ذات مرة أن يبني بيتا لأبنائه فكان رده: عليهم أن يبنوا البيت لاسكن فيه ويواصلوا القيام بواجبهم تجاهي وتجاه أمهم".
كنت حضورا صباحا وظهرا وأحيانا مساءا، في مكتب محجوب الماحي وعاصرت فترة كان المكتب يضج بالضيوف وأصحاب المشاكل والقضايا الذين كانوا يأتون لصديقه وشريكه في ايجار شقة المكتب الأستاذ أحمد دياب المحامي بعد ان حل محل زميله الأستاذ حسن دبلوك الذي وبروايته كان يتقاسم مع صديقه محجوب "الطَرَّادَة" التي تخرج كل مرة من "جُزْلان" أحدهما، ليحمل كل منهما كيس خبزه قبل ذهابهما كل لبيته آخر النهار، فقد كان حسن دبلوك محاميا ناجحا في كسب قضاياه، فاشلا في استخلاص حقوقه، فآثر الهجرة الى دول الخليج.
لم تنقطع القصص والحكايات التي يتداولها الذين عرفوا محجوب الماحي عن قرب خاصة حول الفترة التي قضاها في المعتقل بسجن كوبر بعد يوليو 1976 والمحاكمات التي تحولت لإدانة نظام مايو، وبالأخص القصص المثيرة حول احداث مرتبطة بفترة عمله في سكك حديد السودان. ان كل حكاية منها تصلح مقالا بذاته يرسم الشخصية المتميزة لمحجوب الماحي وثباته وقوة ارادته وكيفية تعامله مع كل ما واجهه من قضايا ومواقف مقدما دروسا تستحق ان تسجل بمداد من ذهب لسيرة صقلتها التجارب والحضور في المجتمع السوداني.
ولتسليط الضوء على بعض صفحات من سيرة حبيبنا محجوب الماحي لا أجد أفضل من اقتبس بتصرف شذرات مما كتبه ابنه عصام ولم ينشره بعد، ولعلي بهذا استحثه الإسراع، فكلنا شوق لنرى سفرا مفيدا تتصفحه الأجيال الحاضرة والقادمة فتجد فيه القدوة والمثال ترسيخا لحب العمل وفعل الخير وبناءً للقدرات، وشحذا للهمم للسمو بالعمل السياسي على أسس قومية، فلن ينهض الوطن الا إذا تغلبت القومية الواسعة على الحزبية الضيقة.
كان محجوب الماحي يلتقي الزعيم إسماعيل الأزهري على الأقل مرة كل أسبوع ضمن ما كان يطلق عليها المقربون من الازهري "لجنة الخمسة" التي كانت تضم كبار موظفي الخدمة المدنية حينها، عبد الرحيم شداد من وزارة التجارة وامام دوليب من الصحة ومحمد التوم التجاني من التربية ومحجوب الماحي من المواصلات وعلي شمو من الإعلام. كانوا يلتقون الأزهري اسبوعيا في اجتماع مغلق يطرحون امامه حالة الأمة وقضايا الوطن. كان البعض يقول ان الازهري يحكم بتلك اللجنة وما ذلك الا لتحميل اللجنة الخاصة فوق طاقتها ومسؤوليات ليست من اختصاصها، وكان وزراء الحزب يغيرون منها ويسمونها حكومة الظِل، وتلك قصة أشار اليها البروفيسور على شمو في أكثر من حديث تناول فيه ذكريات تلك الفترة من باب استخلاص المفيد والتنبيه لضرورة ان تستأنس الطبقة السياسية بقادة الخدمة المدنية الذين يجب ان يكونوا مستقلين وقوميين وغير مسيسين، وان لا تسيطر على سلوكهم وتصرفاتهم وقراراتهم عواطف اعجاب وتقدير لشخصية ما، مهما علا شأنها، او لتيار سياسي، مهما طرح من شعارات تدغدغ العواطف.
وخلال فترة معارضة نظام مايو، جدد محجوب الماحي لقائه بالشريف حسين الهندي وكانا قد تجاورا في مقاعد الدراسة بمدني. اعتمد عليه الشريف في مهام خاصة من ضمنها حمل رسائل لشخصيات محددة بعيدة كل البعد عن العمل السياسي المعارض ولجهات معينة في العديد من الدول العربية فأدت تنقلاته وتحركاته ولقاءاته بالجاليات السودانية وما جمعه وسطره من معلومات في دفتر مذكراته اليومية الذي لا يفارقه، إلى ان تستضيفه في مطلع الثمانينات أقبية المخلوع علي عبد الله صالح في اليمن، وكانت أسوأ استضافة في أسوأ سجون العالم العربي التي ينزلك اليها "الأسانسير" تحت الأرض نزلة ما بعدها طلعة، ويعود بدونك فلا يصعد لأبعد من سطح الأرض، فكل شيء عبارة عن اقبية وسراديب الداخل اليها مفقود، وقَلَّ ان يخرج منها احد سالماً.
بأعجوبة نجى محجوب من سجون الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح كما خرج من قبل من سجون ومعتقلات نظيره الدكتاتور جعفر نميري، ولا غرو فكلاهما حمل لقبي المخلوع والسفاح، وان امتد عهد ظلم الأول في اليمن المسكين لاكثر من ثلاثين عاما واختصر الشعب السوداني البطل في ابريل 85 عهد ظلم الثاني في 16 سنة. ألا يتعظ آخرون؟
نجى محجوب بصبره وطول باله وحنكته التي مكنته قبل ان يأخذه زبانية الامن من الفندق الذي كان يقيم فيه بصنعاء، أن يوصل رسالة لصديقه حسين الهندي عبر اخرين. حياك الله أيها الدبلوماسي السوداني بسفارة السودان في صنعاء حينها، وقد تعمدت سفارتك سجن محجوب في اقبية المخابرات اليمنية سيئة الصيت والسمعة، ولكنك كنت رجلا جديرا بالتقدير والاحترام فأفشلت خطتها الدنيئة. حكاية ذلك السجن وما فيه، كما رواها لنا الوالد محجوب، يجب أن تكتب بتفاصيلها. فمن يقوم اليها من الذين يعلمون كامل تفاصيلها؟
روى أحدهم عن محجوب الماحي أن صديقه عبد الرحمن نديم جاءه في النصف الثاني من السبعينات لإقناعه بالمشاركة في لجنة تشكلت لمعرفة الداء الذي اقعد بالسكة حديد، فقال محجوب لصديقه نديم عبارة خالدة، ومع ذلك ذهب الأمر واللجنة إلى عطبرة وبورتسودان وعادوا إلى ما قاله: ان تسييس الخدمة المدنية اقعد بالسكة حديد وسيقعد بكل الوطن وسيرمي به في هاوية ما بعدها نهوض بسهولة حتى لو سقط نظام مايو. أزرقاء يمامة أنت يا والدي أم قارئ حصيف للكتاب الابيض لسكك حديد السودان ام كلاهما يا سليل خدمة مدنية صادقة وناصعة التاريخ؟
ذهبت اللجنة و"جابت" الورش طولا وعرضا، والمكاتب في عطبرة وبعض المحطات ووصلت بورتسودان بالصالون رقم واحد وكان محجوب قد وضع شرطا لمشاركته: ان يرافق اللجنة شخص يحمل آلة تسجيل واشرطة ليرصد كل ما يقال فيكون الصوت شاهدا لا على الإجابة وحدها وإنما حتى على السؤال. أهل كان في ذلك حكمة؟
حدثني عنه كثيرون، زاملوه أو عملوا مرؤوسين له تحت إدارته، في سكك حديد السودان او في وزارة المواصلات التي عمل مديرا عاما لها عندما كان وزيرها يحي الفضلي، فاجمعوا على حسمه وعطفه مُجْتَمِعَيْن. كان محجوب الماحي راهبا مقيما في مكتبه ملبيا واجبه، قديسا تجاه مسؤولياته لا يفرط فيها ابدا. نبض حياته كان صوت عجل القطار في القضيب "دَقَدَنْ دَقْ، دَقَدَنْ دَقْ، دَقَدَنْ دَقْ"، لا يشكو ولا يمل عشق المحطات والسمفورات والتابلتات والفلنكات وتَنْفِيس البَاكِمْ، ناهيك عن الانضباط في العمل لا قدوما أو خروجا فحسب، فتلك من الآيات الثابتة، وإنما أداءً واخلاصا وفوق ذلك ايمانا بان العمل عبادة.
كان اداريا عاشقا لقلم "الكوبيا" و"الاتش ثري" و"الدوسيهات" و"الثيرد فايل" و"ورق الفلوسكاب". كان يقرأ مذكرات صديقه حمزة حسب الباري كمن يقرأ قصيدة فيحفظها، ويكتب لمديره عبد الرحمن نديم مثل من يجيب على أسئلة امتحان، ويعلق على مذكرات مرؤوسيه كأنه يصحح لهم ورقة تحديد مصير، فيكون أشبه بقاضٍ.
هكذا عاش محجوب الماحي رفيق الرجال الذين كانوا كالأسود الضارية، وبالحق صادحة، انهم جيل الزعيم إسماعيل الازهري والشريف حسين الهندي. كان همهم وطنهم وشعبه وكانوا لهما يعملون.
رحماك يا ربي بهم بعد أن سطروا لنا تجربة في الخدمة المدنية راسخة، وسكة حديد راسية، ولكنها تنكبت الطريق بفعل أنظمة شمولية متسلطة تركت القطار يسير على غير سكة الحديد، أي ألاَّ يسير، ان يتوقف ويتوقف معه شريان الحياة الذي يربط أطراف السودان المترامية. ولا ريب أنها من اسوأ الجرائم التي ارتكبتها الديكتاتوريات في البلد. فأضاعت البلد.
فلتغشى رحمة ربي عَزَّ وَجَلْ، قبور أولئك الرجال بعد ان أعطوا ولم يستبقوا شيئا، واللعنة على من فكك الوطن وبدد قومية خدمته المدنية وكل مؤسساته القومية ودمر السكة حديد، شريان الوطن ناقل التواصل والترابط قبل الغذاء والتنمية بين أطرافه المترامية ومركزه. انه اقل ما يمكن قوله في ذكرى فراقك الحادية عشرة والدنا الحبيب محجوب الماحي.
(نقلا عن صحيفة "الوطن" 2 مايو 2016)

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1745

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الطيب حمد عبد المجيد
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة