05-17-2016 11:46 AM

image


قراءة نقدية لنص نجلاء عثمان التوم: "[اﻠ] نضال ذكوري"

الفاضل الهاشمي

توطئة:

ثلاثة مشاهد ونص قانوني:

مشهدان ذكوريان متناقضان (محمد المكي ابراهيم) ؛ في الاول بلاغة شعرية مؤثرة تصف محنة المرأة/الضحية وفي الثاني يحتضن القاتل:
أولاً:
مشهد محمد المكي ابراهيم في قمة إبداعاته وصدقه في وصف المرأة/الضحية:
قال لي فارس الجنجويد:
هاتها
قلت :اسورتي؟
قال لي هاتها
كنت وحدي
كنت خائفة ً،
والمخيَّم كان بعيداً
والبنات اختفين وراء السياجِ ،
واصبحت وحدي
قلت:
خذها
وبسطت يدي
سطع البرق من يدهِ،
ورأيت يدي وهي تسقط في الرمْل هامدةً،
ورأيت غزالاً يوليّ
ودمٌ احمرٌ يصبغ الرمل حولي
قال لي فارس الجنجويد:
أرفعيها
ثانياً:
مشهد محمد المكي ابراهيم المثقف الذكوري في معية احمد هارون مهندس الجنجويد والمطلوب من محكمة الجنايات الدولية كتجسيد لمشهد تحالف المثقف الذكوري مع الطفيلي العربسلامي (الفيديو):
https://youtu.be/8xklV3ygdgY


مشهد ثالث يتحدي ذكوريّة النص وذكورية النضال:
"في رقصة الكرن يتكلم النوبة مع الأرض، بلا وسيط، ويبدو أن الكلام فيه حب مشوب بلوم كثير. فلطالما كانت الأرض موضوعاً للرغبة في هذا الإقليم المضطرب." نجلاء عثمان التوم
نص قانوني معاصر:
"جميع حقوق الإنسان عالمية، وغير قابلة للتجزئة، ومترابطة ومتشابكة" إعلان فيينا 1993

[1]
القهر رُباعي الدفع علي المرأة:

أستهدف هنا تناول نص الاستاذة نجلاء عثمان التوم حالة كونه زاهداً فى تقاطع هويات المقهورة/المضطهدة وبذات المنهج المناهض للقهر والاضطهاد بُغية محصلة استشراف واستنتاج ومنهاج عمل أكثر تماسكاً وفعالية. وقراءتي هنا تؤمّن علي وتوطّن فكرة أن يكون النضال ذكورياً وطبقياً او يتأبط الاثنية والدين كإحتمال وليس فقط الإحتفاء الأحادي بذكوريته كما أصرّت الاستاذة.
تتعرض المرأة عموماً ، وعلي الأخص في الريف السوداني، الي قهر رباعي الأبعاد اجتماعياً وثقافياً : أبوي (ذكوري) وطبقي وإثني وديني . يتضاعف القهر علي المرأة الفقيرة في الهامش وتنتمي الي إثنيات محددة وغير عربية خاصة في زمن النزاعات والحروب وسوء توزيع الثروات والسلطات وغياب الديمقراطية والتنمية المتوازنة. مصطلح تأنيث الفقر يعبر عن نصف واقع القمع كونه يعبر عن تقاطع عاملين : الأبوي/ الذكوري والطبقي (ويشمل أثار الهامش والتنمية غير المتساوية والقهر الذكوري وتجلياته). الوجه الآخر من تضاعيف القهر تقع علي الشعوب التي لاتنتمي الي الاثنيات السائدة في مركز السلطة او الي دينها الرسمي. "اللائي يشكلن أكثر من نصف المجتمع يعانين من تدهور احوالهن المعيشية ومن تفاقم القهر الإجتماعي والثقافي الواقع عليهن اكثر من اي قطاع آخر في المجتمع....... لقد تأنث الفقر وخرجت متعلمات وغير متعلمات يبحثن عن عمل (يدوي وهامشي)، وانتشرت الدعارة المباشرة وغير المباشرة، تحت اسم الزواج العرفي، او المسيار او بيع البنات للنخاسين..... ليس هناك فرق بين رؤية الاصوليين للمرأة ورؤية من ينتهكون عرفها ويتاجرون به الجوهر في هذه القضية هو "الجنس والجسد" وما يتعلق بهما من ظواهر نفسية وذهنية. الجوهر هو جسد المرأة الفرد وهذا يتفق مع مصالح الشركات المتعددة الجنسية التي تريد ان تحولها الى أداة للجنس تجمّل وتعرّى جسدها بهدف اثارة الشبق والمتاجرة به، فالقضية هنا ليست حقوقها الإقتصادية او الإجتماعية كانسان ، القضية هنا جسدها. اصبحت حرة تفعل به ما تشاء وفي هذا نوع من الحرية له أهميته، ومع ذلك فهي ليست بالمعنى الصحيح ، لأنها اسيرة السوق التجاري والإعلام الإستهلاكي الذي حول جسدها الحر الى أداة وخلق نوعاً جديداً من العبودية كما ان التحرر في الأساس متعلق بجسد المرأة وليس عقلها. السلفيون ايضا يحولون المرأة الى مجرد جسد لكنهم يسعون الى تغطيته لانه يثير شهوات الرجال، بل التغطية وحدها قد لا تكفي، لذلك لا بد من عزلها في البيت ومنعها من مخالطة الرجال، ومن المعرفة والتجربة، من التعليم والعمل. في الغرب المرأة جسد يجب أن يُعرّى وفي الشرق جسد يجب أن يُغطّى، انها في كلتا الحالتين مجرد جسد يستخدمه الرجال المهيمنون على الوضع لأغراضهم.. السلفيون المرأة عندهم ناقصة عقل ودين، وانها بلا رأس ، رأسها هو رجلها لذلك يجب تغطية رأسها حتى لا تخطئ الفهم وينظر اليها على أنها عقل يجب أن تظهر امامنا كما هي بالفعل مجرد جسد مكرس للجنس وخدمة الرجل واولاده." *

أزعم ان كلانا ينشد مشروع مجتمع استنارة حر طليق معافي من هذه الحزازات والغبائن والصراعات المتقاطعة المتشابكة. ربما يجد بَعضُنَا عنتاً في تقبّل الأفكار الحرة الطليقة التي تقرّب (زووم إن) او تكبّر (زووم آوت) احدي هذه الهويات كمفرد دون معالجة تقاطعاتها المألوفة الأخري؛ وهذا بالتحديد ما لمسته في حوارات تضجّر فيها البعض من مقاربة/مقابلة رفعت فيها نجلاء اللحظة الذكورية الي سقفٍ عالٍ في مشهد قيمي تساوي فيه البطل الشهيد والديكتاتور في سياق قبح وبشاعة الحرب. أزعم أن الرؤية البصيرة تصح حين نستدعي جدل وصل وفصل جميع هذه الهويات بحيث تتوهّط في سياق أكثر زلزلة يشمل رؤوس الاموال المعولمة وهي تطوي طيّاً السماوات التي لم تعد سبعاً وتعوث فيها ليس تبضيعاً فحسب ، وانا تمويلياً (فايناشيالايزيشن) عالي التقنية واللاعقلانية واللامسؤلية والطيش في آن.
ضمن هذا المشهد المعقد في خاطري قرأت نص استاذة نجلاء بازدواجية الطروب الحذِر. طربت لثورية مؤلفة النص وهي تتحرر من أسْر سلطان وقهر الرمز المألوف القديم السائد، ثورية استدعت وقاربت مشهد القرشي كرمز كشهيد محفور في ذاكرة "عجبوني الليلة جو" و "الشيخ سيّرو" في مخيّلة الفن السوداني الذكوري بامتياز. هذا الطرب حاصره إصرار الباحثة "الشاعرة" علي التعلق بأستار الذكورية وحدها دون سواها. أقواس الشاعرة إعجاب بتوظيفها خيال الشعر لخدمة المقهور[ة] ، التي وددتُ ان تشمل ولا تُقصي مجتمع مقهورين أُخَر علي سبيل قيم ومبادئ التعاضد والتضامن الضرورية والكافية لأن يكون النضال أو لايكون في شروط منظومة القهر البشعة الكوكبية السائدة الشاملة.
حين دوّرت هذا النص الإشكالي علي المشغولين/ات بالهم العالمي والمحلي لاحظت ضجر واستنكار أو مقاربة مجموعة منهم/ن سأورد هنا بعض ملاحظات إثنين منهم. عبّر صديقي المحامي الشيخ قريب الله* عن ضيقه بضيق مفهوم استاذة نجلاء الذي لا يقبل القسمة وحساب الربح والخسارة كون نجلاء ["تقاسم الدكتاتور و المناضل قيمة الفحولة" هذا تعميم فج وغير صحيح يساوي بين الضحية والجلاد." ويتساءل عن "من المستفيد من هذه المساواة ؟؟!!. أن يكون هناك خلل في القيم الإجتماعية وان تكون هناك قضايا جندرية كبيرة تحتاج لمعالجة فذلك مفهوم. و لكن ألا يكرّس النظام الحالي الذي يشارف عقده الثالث هذه المشكلة وهل هناك أمل في تحسين القيم الجندرية في ظل استمرارية هذا النظام؟ وبالتالي ألا تشكّل أية مقاومة لهذا النظام دفعا لقضايا النوع والجندر ؟!! فكيف يتساوى جون قرنق ونافع علي نافع في الميزان الجندري؟"] (انتهي تعليق الصديق الشيخ ) . اقتبست هذا التعليق كونه يمثّل نماذج كثيرة أعلت مضامين وآثار النص السياسوي علي حساب تشريحه الفكري النقدي المحدد. وبقدرٍ ما لفت نظري حاجز الدرابزين الذكوري الصخري في [اﻠ]نضال المعرّف بالاف واللام دون تقعيد أثره ضمن سائر الهويات الطبقية والاثنية والطائفية والدينية التي تشد بعضها بعضا وتتبادل النصوص القامعة القاهرة لتأبيد وتثبيت صيرورتها مما أدي الي تأنيث النص وتأبيد حدوده وآفاقه وتقييد كثافة زمكانه.
لعل سيناريو الحرب قد مسخ جميع المشاهد التي تتحرك فيها الضحية وبدت عند نجلاء جميع النساء كظهور أوراق الكوتشينة "نساء مختلفات هن امرأة واحدة ضربت الحرب وجودها. ليست العشيرة ولا الطبقة ولا درجة التعليم ولا الفئة العمرية ما جمع بينهن، بل تاريخ الحرب، وبذا فقد كانت قصة واحدة محتشدة، وكانت لحظة الأمم المتحدة المنبتة هذه كافية سياقاً لقصة الحرب" . خفّض سيناريو الحرب كل شيئ الي ملامح الضحية الأنثي ، وتلاشي حتي الاطفال كضحايا!. وانخفض مشهد "برنامج الامم المتحدة" للعودة الطوعية وشروط ومعادلات وحسابات وجوده الاجتماعية الاقتصادية السياسية الي مشهدٍ هامدٍ لاتاريخاني (ahistorical) ، أو بالأحري الي خلفية عابرة لاعلاقة لها بتفاصيل النضال ومعادلات الحرب وجلادها الأوحد المنبت من تحالفات الدولة مابعد الراسمالية مع مؤسسات القمع المعولمة. هذا هو جوهر مأخذي النقدي للنص الذي تغافل عن سائر العوامل المادية والرمزية الأخري "بعناد" نوعي. أقول بعناد لكون الباحثة أشارت سريعاً الي بنيات سوشيواقتصادية وسياسية في تلافيف النص دون دمجها مفهومياً ومنهجياً فى تحليل ذكورية [اﻠ]نضال. ولو أضافت الباحثة تلك العوامل لخففت علي النص أحاديته الذكورية الصارخة. هاكم الأمثلة:
1. "في إقليم مستنزف منذ قرون لم يكن هناك الكثير لتقضي عليه الحرب. وبينما عاد الرجال مخربي العقول، ظلت النساء في مواجهة حرب الحياة على نحو يومي. توقفت عجلة الاقتصاد، ذهبت مشاريع القطن والاستقرار الهش الذي صاحبها بعدما أفقرت البنية التقليدية، ذهب الحراك النقابي والمدني، ذهب الرجال إلى الحرب، وظل على النساء مكافحة الشظف بدون نصير."
2. "ما الذي تعلمته النساء المغتصبات في دارفور حول كونهن نساء ينتمين إلى جماعة همشها العقل الإسلاموي العروبي وتوالت عليها نكبات الطبيعة؟"
3. "في مشاهد النضال الوطني من أجل أشياء سامية مثل الحرية وأخرى معقدة مثل الديمقراطية، نرى وجوه الرجال، المزيد منهم، وبعض النساء الاستثنائيات."
4. عوّلت الباحثة علي العدالة الاجتماعية "فطالما غابت العدالة الاجتماعية اعلموا أن هناك من يؤكل حياً ولا يموت، في كل لحظة." او حين تعيد للنص تاريخانيته "كانت المرأة في السودان، حتى وقت ليس ببعيد ملء الفضاء العام تقتسمه مع الرجل" " وإذا غابت المرأة عن دليل الثورة فلأنها مشغولة بدفع فواتير نضال الذكور من لحمها الحي." (التخطيط من عندي)
في هذه الامثلة تغشّي النص دعاش تاريخاني عبر باب الحكي الموارَب، شكرًا لمصداقية الباحثة التي تركت الباب متركشاً لوهلة. تلك الأمثلة عبارة عن لحظات تاريخانية من قلب الاقتصاد السياسي والسوشيولوجي تصف فيه الباحثة وقائع إجتماعية وتاريخانية بجدارة "اقليم مستنزف عجلة اقتصاد معطوبة ومشاريع قطن وحراك نقاب ومدني" . ثم استدعت الباحثة بنيتيْ الدين والعِرق كمكونين أساسيين في ثقافة النخب السودانية السائدة "العقل الإسلاموي العروبي". اجتمعت قمم الذكورية والدين والعرق و"نكبات الطبيعة كمان" دون سواها مرة واحدة والي الأبد وهي تدوس جسد الضحية المرأة العارفة دون سواها. هذه التفاصيل المبعثرة علي جسد النص الأنثوي تأخذ القارئ بعيداً عن ذكوريّة [اﻠ]نضال المطلقة المزعومة. أين يا تري تنزوي أجساد أبناء ذات المرأة ،حمَلة السلاح، من معادلة مفهوم الضحية الأُحادي الجديد وكذلك تبعات خلاصاته.
مساءلة النص تطرح وضعه وموقعه إزاء الصراع الضاري علي الموارد الرخيصة (أرض ، عمل الرجال والنساء، وموارد السماء من مطرٍ ودين) .. ثم موقع الثقافة الاسلامية العروبوية من تعريف النضال؟ أين تنوع هويات الشاعر حميد الاثنية في تعريف النضال "عربك وحلبك وبجتك ونوبتك وزنجك"؟ أين يتموضع مشهد النساء الوزيرات وغير الوزيرات اللواتي أودعن بلايين الدولارات في المصارف الأوروبية والاسيوية وغسلن الاموال عبر الاطلسي والهادي؛ أين مشهدهن من سيناريو وأطروحة ذكوريّة النضال؟ كيف تنطرح مشاريع الهبوط الناعم الاوروامريكية وحركات أسواق المال والأسلحة علي عتبات الإبادات ضمن هذا المنظور؟ هل تفسّر اطروحة ذكورية [اﻠ]نضال صمت النخب السودانية في المركز ولامبالاتها ازاء مشاهد الإبادات في الهوامش؟
نص نجلاء في تكويم بؤرة الصراع حول "ذهنية الذكر التي من فقرها لم تجد افضل من الحرب والصدام وسيلة للتدافع" يفتقد الصرامة العلمية والموضوعية ويجمّد صراع الهوايات جميعها الي حتمية ذكوريّة جديدة تبدد غبائن سائر الهويات وكأننا يامريم لم نتعلم شيئاً ونسينا كل شيئ ؛ لا رحنا ولا جينا منذ أسطورة آدم وحواء، مروراً بإنسان روما القديمة وغزوات جلب الموارد من افريقيا واسترقاق عبيدها لغاية الهيمنة الدموية لانسان تمثال الحرية الذكوري وبورصاته وصناديقه المالية والسيادية البترودولارية. آنست الباحثة نار الذكورية دون سواها وكأني بها تسمع صدي نص النبي موسي (الذكر) "لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد علي النار هدى".
في ذات الوجهة لا بد من تأمّل واستشراف نص نجلاء كتنبيه لمحور الظلم الجندري ضمن معارك التحرر القادمة لكون المرأة مهمشة مرتين، مرة (من ذوي الامتياز) كشغيلة وعاملة في المدن والارياف ومرة في أتون الحرب ،كمنظومة جندرية تعميق استغلال المرأة، حيث تتحرك عجلات التهميش فوق أجساد النساء ضمن سائر الاجساد. علي ضوء هذا المنظور يصبح نص نجلاء تربوياً وتعليمياً وليس سياسوياً محضاً. اذن يمكن النظر للنص كصرخة داوية ضد تضاعيف تهميش المرأة كشغيلة ومزارعة وحمالة حطب وعاملة جنس رث بدون اجر ، ولابد من الانتباه الي الهوية العرقية لجسد لا ينتمي اصلاً الي فضاء الحسب والنسب العروبي ، جسد "ام زُرقة" أصبح الدم فيه أثقل من الدين (حسب مقولة يحي بولاد البليغة التي وردت علي لسان جوم قرنق) وهذا ما لم يستصحبه النص. ليت خطابات التغيير الاجتماعي تتأبّط جميع تقاطعات صيرورات وتضاعيف الاستغلال والتحاملات حتي يؤمّن خطاب التغيير مطبّات ردة الثورات: ثورة اكتوبر 1964 السوداني وابريل 1985 لغاية الربيع العربي بمشروع استنارة ثوري وقوي لاتستكين.
ومن ضمن الأسئلة التي يضمرها النص هو هل غاب سؤال النضال المسلح وتفكيكه بغياب المرأة عنه؟ وماذا لو كانت حاضرة فيه؟!. علي كل حال فان نص نجلاء تفتيحة او قل نفاج نحو وسع ورحابة ورفع سقف الاستقامة الثورية بتفكيك تضاعيف الاستغلال كون معادلته تشمل جسد المراة في سياق فائض قيمة الحرب.
وليته تحرّك من ضيق الذكوري وحده الي رحابة تشابك الطبقي والذكوري والمعرقن والديني. التمرتس في شق واحد دون سواه يعمي بصيرة النص والاستنارة وآفاق التغيير في حقب رؤوس الاموال المالية الدموية الغشيمة التي طوت عصور التنوير والحداثات الانسانية وعفصت حوافرها الابادية تفاصيل الانسان غير الممتاز : المغبونة والمغبون المهمشة والمهمش بجميع ألوان قوس قزح الهويات.

[2]
العدالة الاجتماعية أنثي و"العقل" الاسلاموي العروبي رجل:
النضال الوطني عند نجلاء "معركة وعي يخوضها الجسد...... علمتنا المشانق هذه الحكمة.... انها أجساد الرجال الشهداء الوسيمين "تزاحمت وجوه الرجال" وحدها في معركة العدالة الاجتماعية ؛ أجساد تنتهي خلاصاتها "دائماً إلى درجة سديدة من الفحولة." وتسقط مقاومة أجساد النساء "مقاومة لا تمنح النساء خيار التنازل أو الخيانة أو التراجع" كون التاريخ يكتبه الرجل الممتاز سيد الكينونة و"العقل" الاسلاموي العروبي ... في السودان العقل رجل، والنضال رجل وكذا العدالة الاجتماعية. المرأة هي "الضحية الأولى للنزاعات بأشكالها المختلفة." صحيح ان المعرفة متاحة عبر الضحية التي همَّشها العقل الاسلاموي العروبي "وتوالت عليها نكبات الطبيعة".
تحت ألوية دويتو الأنوثة والذكورة "تحتكر الضحية المعرّفة" كدكتاتورة جديدة؛ وما يتوجّب "على السياسيين فعله هو التنحي قليلاً والإصغاء" علي حد خلاصات تلك الثنائية ، فلتتعاطف النساء ويتحدن ويأخذ التعاطف معنيً سياسياً. يتوقع القارئ معنيً سياسياً أكثر دقة هو الدعوة لحزب نسائي موازٍ حسب منطق النص الباطني كون النضال ذكوري ... يانساء العالم اتحدن !! وهنا لا ادعي كسر عنق النص الباحث او إبتذاله.
ليس ثمة اختلاف حول مقولة نجلاء ان "الذكورة طريقة نظر إلى الحياة، وطريقة تعامل مع الموجودات" ، لكن التحدي الماثل هو كيف نتناول هذه الطريقة وماهي خلاصاتها وتوابعها ومآلاتها الفكرية البراغماتية حتي لا تصبح دعوة أحادية عايرة لاعلاقة لها بالتضامن كون النضال السوداني المعاصر ذكوري فلنأنثنه... لا صوت يعلو فوق صوت الأنثنة. لماذا تزهد نجلاء في صيرورات التعليم والتوعية والتعبئة لإنشاء كينونة ومنظومة لا تقصي الذكر المهمّش والأقل ضرراً ووعياً وتكسبه حليفاً مقابل هذه الثنائية الاقصائية غير المنتجة.
أقول قولي هذا بصحبة منطق نجلاء ذاته وفكرة الضرورة المتساوية عند هيجل حيث "في شجرة النضال لا تسحق الثمرة الوردة، بل تخرج عنها لتقول حقيقتهما الواحدة الكامنة. في جبل المقاومة لا تقفز القنة على السطح .... إن المقاومة الصامتة التي تقودها النساء في السودان هي عين النضال" المصادم ؛ اذن لماذا تضيّق نجلاء واسعاً وتقصي بعضاً من الرجال؟ تفعل ذلك انطلاقاً من حكمة صمدية تقر بأن "العقلية الذكورية هي التي أفرزت شروط التعاطي الاجتماعي والسياسي، وصاغت القيم، واصطفت التقاليد بما في ذلك قيم وتقاليد النضال."
وحسب منطق صيرورة المعرفة وشجرة النضال عندها فان الثمرة (العقلية الذكورية ) تسحق الوردة (شروط التعاطي الاجتماعي السياسي الخ) حسب منطق عمودي (linear) غير جدلي لا يسمح بحركة اخري تندغم فيها "وردة" شروط التعاطي الاجتماعي السياسي في "ثمرة" العقلية الذكورية". مثلاً أتاحت شروط تعليم المرأة في السودان وخروجها الي العمل ومشاركتها السياسية المائزة في المنطقة (كشروط اجتماعية وسياسية واقتصادية كمان) الي تفكيك العقلية الذكورية نسبياً قبل سيادة الثقافة الاسلامية والعروبية في السودان.
لماذا النظرة الاختزالية الحتمية ذات الاتجاه الواحد واختيار نموذج هيغلي فيه مجاز "السحق" وليس الأخذ والرد الجدلي ، حيث "تسحق" الثمرة الوردة وتنفيها ولا تحتمل جدل الإندغام ؟ وماذا فعل الجدل لنستبعده؟
مثلاً دعنا نطور الأمثولة ديناميكاً في زمن اول وتاني وتالت حيث ما ان يختفي البرعم ، يطلع النوار ثم يطلع برعم جديد من ذات النوار في الزمن التالت. حسب منطق نجلاء الاحادي فان الحرب والصدام لم تكن الا محصلة للذهنية الذكورية: حيث "تدفع النساء أفظع الأثمان لذهنية الذكر التي من فقرها لم تجد أفضل من الحرب والصدام وسيلةً للتدافع".
يضيق منطق نجلاء ومنهجها واسعاً حين تضع المناضل والدكتاتور في سرج مجازي وحقيقي واحد. عموماً الدكتاتور والمناضل ينتميان الي منظومة اجتماعية وذهنية وسياسية كبري وتتقاطع القيم التي يحملانها بتقاطع المصالح وحدّة الصدام، إلا أن قيم المناضل الشهيد (عبدالخالق محجوب وجوزف قرنق والشفيع احمد الشيخ ومحمود محمد طه وعلي فضل) والشهيدة عوضية عجبنا وملايين الشهداء المدنيين في الهوامش لاعلاقة لها بقيم عمر البشير وزوجته وداد التي سوّغت لهما إيداع المليارات في ذات المصارف والاسواق المالية التي تتعامل معها الأمم المتحدة.
ربما تلهم عقيدة الفروسية والبطان وقيم الفحولة مناضلي ومناضلات المدن الصمود في بيوت الاشباح التي لم تعد حكراً للرجل، أما في بيئة الحرب الرعوية أو الزراعية في مناطق الحروب فإنها تلهم المحارب بطرق مختلفة حسب منظور ومنطق العلاقة الطبيعية الأنثربولوجية بين اللعب والفن من جهة والعمل والحرب من جهة أخري. هذه عقائد وقيم متحركة لا تقبل الثبات او التفسير الصمد. أما الدكتاتور المعاصر يستثمر هذه القيم ايدولوجياً (ضمن اختراع نسخة ثقافة عربسلامية) لاثارة ضباب كثيف في منظومة تسمترئ استنزاف الموارد وبيعها ومراكمة ارباحه. قيم تعيد إنتاج تقية زائفة متأسلمة لتسويغ الابادة والحروب وتقسيم الرعايا وتبرير الصرف علي ترسانات حماية ثرواته وسلطاته وتأبيدها من أمن وجنجويد وأسلحة. اما في الجنوب الجديد ودارفور والنيل الازرق يكرس الدكتاتور دونية أجساد المرأة والرجل ويهيئهما بضاعة لصناعة تجارة الجنس وبيع الأعضاء الرابحة عالميا بعد تجارة المخدرات والأسلحة.
السيناريو المقابل الذي أود إعلاء شأنه لا يناقض أو يسحق وينفي السلوك الذكوري وأبعاده. الديمقراطية والاستقرار التنموي ثم التعليم والتربية والتعبئة جديرة بمناهضة أخلاق لاتليق بعزة المرأة والرجل من لطف واستقامة بتهيئة الشروط الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وكما تكرّم صديقي مجدي عبدالرحمن ان "المناضل التقدمي صنيعة مجتمعه الذكوري وتراثه ودينه وغرس التربية وتشكل تركيبته النفسية والعقلية عبر سنين وتراكم سلوكي مجتمعي، لذا حتي لو استطاع تبني فكر متقدم حول الحقوق عامة او للمراة خاصة هذا لا يعني وليس بالضرورة ان يكون سلوكه وممارسته المجتمعية خالية من تلك التشوهات أو التناقضات التي تتعارض مع فكره التقدمي؛ لذلك فان تقدذمه السلوكي في الممارسة مرتبط بتقدم المجتمع وتقبله للانتقال الي التعافي التدريحي بتنامي الوعي الجمعي من الموروث المتخلف او التشوهات ذات الصبغة الذكورية الغير عادلة ومعطّلة ليس للمراة فقط وانما للرجل والمجتمع ككل. ***"
[3]
في تثمين نص نجلاء عثمان التوم:
أتفق مع زعم نجلاء "لو كان المجتمع يضع المرأة في موقعها الكامل، في ضرورتها المتساوية، في مجال إمكانها، لما ضاقت صورتها وانكمشت حتى صار جسدها ساحةً للوغى بين ذكور العدو وذكور الصليح." ولا يخامرني شك ان هناك عورة ذكوريّة مشتركة تتفاوت صمديتها في مخيلة كل من ينتمي الي منظومة اجتماعية اقتصادية ثقافية واحدة والمحك هو هزيمتها مادياً ورمزياً بالتربية والتعليم المتاح خارج المؤسسات الرسمية السائدة. لحسن طوية وصدق نجلاء انها أكدت في مكان آخر ان المقاومة في واقع الامر "تستجيب بطبيعة الحال لطبيعة الخصم الذي تنافح. فالخصم يتدخل في تشكيل خطابها وهي على نحو ما مدفوعة دفعاً للتقاطع معه." هذه اذن الرؤية الجدلية لرؤية المشتركات ونقدها وتفكيكها.

وبذات المنطق أردد مع نجلاء خلاصة مثل: "يتعين على الحركة النسوية السودانية زيارة الأسئلة الموجعة. إذا لم تخرج المرأة من مجاز الزجاج المكسور إلى رحابة وجودها الكامل ستظل رهينةً لعقل الجنجويد، وعقل الجلاد وعقل المناضل على السواء. وسيظل سلاح الاغتصاب هو الأشد فعالية في هتك النسيج الاجتماعي، وسيظل العمل العام ثمرة محرمة على النساء."
النضال في السودان ليس ذكورياً قحاً ومطلقاً دون سائر الهويات رغم أنه يبدو كذلك في مناطق الحرب. نعم سادت سطوة الذكوري و"اخترمت ذكوريته وجداننا وذاكرتنا وأفقنا السياسي. نرى ذلك في سطوة الفرد تتكرس في أدبيات السياسة السودانية ويعاد إنتاجها" وفي أيقونات عديدة في الغناء واشعار الحرب والسلم وفي المدينة والريف. وبسبب سيادة التنمية غير المتساوية وتوزيع الثروة والسلطة والحرب حولها والذكورية "تراجعت صورة عزة الخليل تحت ضغط صورة الفارس مناضلاً ورئيساً حتى صار الوطن نفسه رجلاً او كاد... ولا نكاد نجد في جديلة هذا التراث الوسط-سوداني إلا إشراقات متباعدة تستدعي صورا غير ذكورية في استدعائها للبطولة أو المقاومة أو الصمود."
إذن أنا لست بصدد المغالطة ونكران البعد الذكوري في الحرب والسلام عالميا وعبر المنظومات جميعها. وأضم صوتي مع نجلاء ان "ذكورية النضال لا تكمن فقط في قيمه التي تستلهم الفروسية بل في بنياته الهيكلية. فالحزب التقليدي والديني قائم على السلطة الروحية للسيد أو الإمام أو المرشد." وهذه أطروحة عامة وشاملة تتجاوز السودان.
مرة أخري أقول إن تقنية الزووم-إن هنا أضاءت بقعة مظلمة مسكوت عنها ضمن جلبة التكبير والتهليل الذكوري في سائر المعسكرات وأتاحت للباحثة وضع مبضعها علي تفاصيل تعليمية بالغة الأهمية لهيمنة الذكوري في تفاصيل النضال. لم يمنعني الزلل المنهجي من تأمّل سيناريو الحرب اللعينة وتنزّله كحالة لامبالاة تجاه الضحية المهمشة ضمن شروط جيوسياسية في بقعة محددة. لذلك لا استطيع شطب النص بذريعة حشره مع معية حب الاستطلاع والطفولية الأكاديمية الممجوجة. لا يجوز في ظني فهم النص ، ضمن منطقه الباطني الذي طرح به نفسه، كأطروحة تدين او تحاكم مطلق النضال المسلح. لكن ربما لمّح النص الي إدانة الحرب كحل عسكري والله أعلم. كسب النص تكبير صورة الرجل/الجلاد الممتاز فملأت اللوحة دون سواها وأبّدت افق [اﻠ]نضال وعمدته ذكورياً فذاً منذ الازل وقفلت باب الريح الذي طل منه الاستاذ بابكر بدري وآباء مناضلات في قامة خالدة زاهر وسعاد ابراهيم وفاطمة احمد وأمال عباس ونفيسة المليك وزينب بدرالدين وأخرياتٌ كثر.
نجلاء مولعة بتكبير الصورة وتقريبها وتجيد تقنية الزووم- إن "في مشاهد النضال الوطني من أجل أشياء سامية مثل الحرية وأخرى معقدة مثل الديمقراطية، نرى وجوه الرجال، المزيد منهم، وبعض النساء الاستثنائيات." الرجال السودانيون أنبياء علي واجهة التاريخ والبطولة ، أي المشانق لم يزلزلون ثباتها!؟ تسامو علي مسامير الاشباح والتجويع والإذلال، هم أجمل الشهداء انظر صورة القرشي في ادبيات الثورة السودانية الذكوري ..... صورة للقرشي لا أوضح منها صورة، فتى باسم ومفعم بالبراءة."
قدمت لنا الباحثة صورة نقدية غير معهودة في خطاب الثقافة السائدة كصورة لمحكية الثوار السودانيين: "في أدبيات الثورة السودانية صورة للقرشي لا أوضح منها صورة، فتى باسم ومفعم بالبراءة، الشهيد الأول القرشي. ترى من هي الأم التي أعطتنا هذا الشهيد الجميل المبتسم؟ ما هو اسم تلك السيدة التي منحناها مقعداً في الجنة جوار ابننا القرشي؟ يا له من شهيدنا الوحيد، فالشعب هو من تبناه. لكن لماذا يبدو الآن مثل ثمرة سقطت لنا من السماء؟ لماذا يشبه مسيحاً على صليب؟ بلا مريم هذا المرة! أين التناقض؟ في مجتمع يقدس العائلة لا يظهر البطل أو الشهيد على شاشة النضال إلا بوصفه فرداً منبتاً."

[4]
علي هامش النص: محمد المكي ابراهيم في مشهد التناقض والخذلان

من المواقف الحارقة التي استوقفتني والتي أثارتها وحركتها ذكورية النص حول جذور موقف المثقف(المتعلم؟) الذكوري والنخبة السودانية موقف وسلوك الشاعر والدبلوماسي (السابق) محمد المكي ابراهيم (كموقف فكري وآيدلوجي في آن) كونه تحرّك حرفياً بين موقفين متناقضين في حدود زاوية مقدارها ١٨٠ درجة ضوئية (لو يصح التعبير) ؛ في الموقف الأول فضح مسرحياً وبألمعية مشهد الجنجويد المرعب البشع من ناحية، ثم إنمسخ سريعاً للنقيض فاحتفي بعرس الجنجويد "عرس الجن" واحتفي به مهندس وقائد الجنجويد أحمد هارون الموثّق علي الفيديو أعلاه. يتّضح أن وراء سلاسة تغيير المواقف الأخلاقية وتناقضها لدى النخب السودانية الذكورية المائزين ،اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، وفعل اللامعقول جذور عميقة في مجمل بنية المنظومة الاجتماعية الاقتصادية السياسية الايدولوجية السودانية مما يهدد بناء الوطن والمواطنة والوطنية ويفسّر خفة وطيش وفساد النخب (رجالاً ونساءً) خارج قيم الاستقامة والمسؤولية وأخلاقها وهرولتهم/ن بين معسكرين متناقضين؛ نخب سريعة الذوبان في ماء المواقف؛ سريعة الاشتعال الثوري وسريعة الانطفاء. جدير بالذكر أن عبدالله بولا أشار في مبحثه الموسوم "شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان" الي أحد أهم مصادر الأزمة السودانية العميقة.
هوامش مراجع :

- نص الاستاذة نجلاء عثمان التوم:
http://www.albaeed.com/النضال-ذكوري-1/
* "اليسار الي أين ؟" السر مكي ، الحلقة الأولي ١٩ ابريل ٢٠١٥.
** في حوار مع الصديق الشيخ قريب الله.
*** في نقاش مع الصديق مجدي عبدالرحمن وآخرين حول نص نجلاء التوم.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1606

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الفاضل الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة