05-20-2016 09:43 PM


فى هذا الجزءِ الثانى، سأتناول أوجُه القصور والعيوب التى إعترت الجبهةِ الثورية السودانية فى مرحلةِ البناءِ والتشريعات فى مشوارِ الصُعود، وخبَايا وأسباب عجَّلت بالتصدّعِ والهُبُوطِ.
ولكن قبل الوُلوج إلى لُبِّ هذا الجُزء لا بُدَّ لى من الوقوفِ عند بعض المخاوفِ والظُنونِ التى أوردَها بعض القُرَّاء. فمنهم من لمْ يستحسِن أنْ نكتبَ فى الموضوعِ لشىءٍ فى نفسِه يُصوِّرُ له أنِّى مُغرِض ولى مَنْفَعةٌ خاصّة تدْفَعُنِى دفعاً إلى ما اكتب، ومنهم من لمَّحَ بأنِّى أدفِنُ الحِقدَ والحسدَ على الجبهةِ الثوريِّة لسببٍ أو آخر، وذلك تَسطِيحٌ وسذَاجَة لا أحْمِدُها للقارئ الكريم الذى ينشُد الحقَّ ويطمح فى الخروجِ من ظلامِ أوْهَامِه وهواجِسة إلى نورِ الحق الأبلجَ، ثٌمَّ أنِّى لا أكتِبُ ما يطلُبه القُرَّاء الخفَافِيش، ولكن لعُشَّاقِ النُورِ أكْتِبُ.
وأبدأُ بالقولِ، أنِّى لم اكُفَّ عن الكتابةِ فى نقدِ الجبهة الثورية السودانية مُذْ أنْ رَأيْتُها تنْحِرفُ عن جادّةِ طريق الأمل الذى وَضَعها فيه شعوبُ السودان، وظلَّ ينتظرها فى المَحَطّةِ الأخيرة بالدُفوفِ والرَياحِين. لكنَّ الجبهة الثورية إنحرفت عن طريقِ الأمل يوم أنْ إنفردَت إحدى مُكوِّناتِها وأعمِدَتها الأساسية بالتوقيع على مذكِّرةِ تفاهم مع مجلس صحوة الجنجويد بقيادةِ الشيخ موسى هلال. ويومها كتبتُ مقالَاً بعُنوانِ(الجبهة الثورية السودانية فى حَوْجَةٍ ماسَّة لميثَاقِ شرَف.) كتبته ونشرته بتاريخ 12 يوليو 2014م بعد يومين من توقيع ونشرِ تلك المذكرة بين مجلس صحوة الجنجويد والحركة الشعبية شمال. المقال منشور فى صُحفِ الراكوبة وسودانيزاونلاين الإلكترونية، وعلى صفحتِى فى (فيس بوك). خصصَّتُ المقال فى نقدِ ذلك الإنحرافِ القاتِل Deadly deviate والتفلُّتِ الذى أتى به أحد أعمِدة الجبهة الثورية منفردةً، هى الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال!. ولمْ يكن العيب الذى أتته أمرَاً عادِيَّاً فى حُدودِ المعقول والمقبول، ولكنَّها وقّعَت منفردةً، على مذكرةِ تفاهم مع مجلس صحوة الجنجويد آلة الموت والدمار التى أذاقَتِ المدنيين العُزّل فى دارفور الأمرَّين، وأحالَت نهارهم إلى ليلٍ بهِيم، وقتلِتهم بغرضِ الإبادة ودَمَّرت قرَاهم وإغتصبت النساءَ الحرائِر، وهَجَّرتهم من أرضِهم إلى مهاجر ومنافِى بعيدة. وكانت تلك علامة إستفهام كبيرة فى سِجِلِّ الحركة الشعبية شمال.. فقُلتُ فى مقالِى ناقِدِاً: (توجد نقطتا ضعف أساسيتان فى الجبهة الثورية السودانية: الأولى وآردة فى نظامِها الأساسى وهى آلية اتخاذ القرار(بتوافق الآراء) فقط، دون أى خيارات أخرى فى حالِ عدم الوصول إلى التَوافُقِ المنشُود!!. وهى آلية مثالية تفتَرِض أنَّ جميعَ مكونات الجبهة الثورية ذوات توجُّهٍ فكرى ومنهجى وتكتيكى وآحِد، ومصالح مشتركة فى كلِّ الأحوال، وهو ما أثبت عكسه المُمارَسة العمْلِيِّة التى أكّدَت أنَّ الأمرَ ليس كذلك. فادرك الجميع أنَّ قوةَ الجبهة ومقدرتها على اتخاذِ القرارات فى المجالاتِ المختلفة تقتضى آلية بديلة حال عدم تحقيق التوافق، ويقتضى ذلك تعديل المادة (13/ج) من النظام الأساسى للجبهة الثورية التى تقرأ :(القرارات: 13/ج: تُتخذ قرارات المجلس بتوافقِ الأراء.) فيجب أن تُعدَّل لتُقرَأ، (13/ج القرارات: تتخذ قرارات المجلس بتوافق الآراء، أو بالأغلبية). أمّا نقطة الضعف الثانية فى الجبهةِ الثورية السودانية هى إفتقارِها لميثاقِ شرفٍ مُلزِم لكُلِّ مكونَاتِها. أقول حوْجَتِها الماسَّة لتبنِّى ميثاق شرفٍ مُلزِم، ثورى وإخلاقى ومِهَنِى يقْضِى بعدمِ الإضرارِ بالمصلحةِ العامَّة للجبهةِ الثورية، ولا بمصالحِ مكوِّنَاتِها كَافّة، والإلتزامِ الصارم بقواعدِ السلوكِ القويم، والقيمِ الفاضِلة، وقواعِدِ الفُرسان، والتسامِى الشرِيف والشفِيف بالعملِ التنظيمى والسياسى والإجتماعى والثقافى.)
وأكثرَ من ذلك، قلتُ فى ذاتِ المقال النقطة الجوهرية التى كتبتُ المقال لتِبيانِها والتنبِيه لخُطورَتِها، ولكنَّ الآذانَ بِها صَمَمْ. قلتُ بحتْمِيَّةِ تبنِّى مكونات الجبهة الثورية السودانية لميثاقٍ يعْصِم ويلْجِم أعضائها من التفلُّتِ، وخاصَّة شيطانِها الأكبر، والعقل المُدَّبِر للشرِّ والهَدَمِ.. قلتُ ذلك قبلِ سنتين بتاريخ 12 يوليو 2014م وليس اليوم كما يظن سيِّئِ الفِعل والظن، وقُلتُ فيه: (ما دفعنِى إلى كتابةِ هذا المقال هو رغبة مُلِحَّة ظلَّت تدفعنى إلى تزكيرِ الرفاق فى الجبهة الثورية السودانية بضرورةِ محاربة الرجعية والهيمنة والتسلط والإنتهازية، وإستغلال النفوذ داخل مكونات الجبهة بالإستفادةِ من نصوصِ مواثيقِها وفى مُقدِّمتِها النظام الأساسى للجبهة الثورية، وأنْ يعَلمُوا أفادَهم الله أنَّ المَثلَ الدارفورى القديم والحَكِيم (اللُقْمَة الكبيرة بِتفرّتك الضَرَا) ما زال مُوغِلاً فى الرصدِ والمواكبة والكياسَة).
وختمتُ مقالى المُنذِر بفنَاءِ الجبهة الثورية بالقولِ: (وأخيراً، لا بُدَّ من التعليقِ، بصِفتى الشخصية البحْتَة، على مذكرةِ التفاهم المُوَقّعة والمنشورة بتاريخ 10 يوليو 2014م الجارى، بين الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، ومجلس صحوة الجنجويد بقيادة الشيخ/ موسي هلال.. بإعتبارِها مُذَكِّرة منشورة فى وسائلِ الإعلام المختلفة ويحِقّ للعامّة إيراد آراءِها وتساؤلاتها فيها، كالآتى: هل كانت الحركة الشعبية شمال ستَقْدِمُ على هذه الخطوة لو أنَّ الجنجويد الذين إنقلبوا بقُدرةِ قادِر إلى "مجلس صحوة سودانى" قد إرتكبوا تلك الفظائع والمُوبِقات بأهلِ جبالِ النوبة والنيل الأزرق بدلاً من أهالِى دارفور؟ دون أنْ تُطالِبَ الجُنَاة الجنجويد بأيَّة مُساءَلة أو مُجرَّدِ إعتذار؟؟ ذلك لأنِّى لمْ أجد فى مُذكِّرة التفاهم المنشورة فقرة وآحِدة تُشيرُ إلى مُجردِّ الأسف أو الإعتذار من مجلسِ صحوة الجنجويد عن الفظائعِ التى إرتكبُوها فى أهلِ دارفور أيام غَلواءِهِم الأولى لحربِ التطهيرِ العرقِى والإبادَةِ الجماعية بالوُكالةِ عن المركز، إرتِزَاقَاً؟.. أم أنَّ الحركةَ الشعبية شمال تُميِّز وتُفَرِّق بين شعوب الهامش السودانى فتُحَابِى هذا وتَركِلُ ذاكَ على قَفَاه، وتتنَكَّر لحُقوقِه المُكتسَبة؟؟. وهل تشاوَرت الحركة الشعبية شمال مع رفيقاتِها من مكوناتِ الجبهة الثورية السودانية قبل التوقيع على هذه المُذكِّرة؟ فقطـ حول الأثر النفسى السالب الذى ستتركه هذه الخطوة فى نفوسِ الضحايا وأسَرِهم فى إقليمِ دارفور الذين نكَّلَ بهم مليشيا الجنجويد الذين قادَهم موسى هلال فى السنوات من 2003- 2012م لتدميرِ دارفور عن بِكْرَةِ أبِيه؟، لم يتركوا فيه قائمٍ على سَاقٍ أو قدَم قبْلَ توْبَة زعيم الجنجويد "المزعومة" دون إعتذار للضحايا أو تعويضِهم عن الأضرارِ البالِغَة التى ألحَقَها بِهِم دون سبب؟، فلا ضَرَرَ ولا ضِرَار. فماذا تنْفَع صحْوَتِهم من غيبوبَتِهم التى قادَتهم إلى إرتكابِ تلك المُوبِقات التى أرتكبوها فى أهالى دارفور المدنيين العُزَّل؟؟ وماذا ستَجْنِي الحركة الشعبية- شمال من هذه المُذَكِّرة المُلطَّخة بدِماءِ ضحايا أهلِ دارفور؟ والمُطَرَّزةِ بشَرَفِ حرائِرِهَا، والمُدَبّجَةِ بدُمُوعِ ودِمَاءِ الشُهدَاءِ والأرَامِلِ واليتامي والثكالي؟؟.. وماذا تستفِيدُ الحركة الشعبية شمال بهذه المُذَكِّرة التى قدَّم رِفَاقِهم فى حركاتِ دارفور المُسلّحة عشرات الآلافِ من الشُهَداءِ لكَبحِ جِماحِ طرفِها الثانى زعيمِ الجنجويد التائب لِلتَوْ؟؟.. وكيف يجُوزُ الإحتفاء، وأنَّى تُزَفَ البُشرى لأُسرِ ضحايا دارفور من الجنجويد ومجلس الصحوة والدعم السريع وحرس الحدود وعمر البشير؟. ومن الذي يحِقَّ له قبول العفو والتوبة والأوْبَة من الجنجويد ومجلس صحوتهم من الفظائع التى إرتكبوها فى مئات الآلاف من أهالى دارفور، والتفاهُم معهم على ماذا؟؟ على خارطةِ طريق لدولةِ القانون وحُكمِه، والديمقراطية وقِيمِها، والتحول السياسى المفضى إلى دولة المواطنة المتساوية؟!! وكل الفقرات التى وردَت فى مذكرةِ التفاهم بتاريخ 10 يوليو 2014 ؟؟. وهلْ أهل دارفور والحركات المسلحة التي نشأت فى الإقليم أوْلَى وأصاحب حق، أم الحركة الشعبية شمال؟ ما لكم كيف تحكُمُون؟..وماذا قصدت الحركة الشعبية شمال بهذه الخطوة الإستِبَاقِية الشَوْهَاء مع مجلسِ صحوة الجنجويد؟؟ هل تزمع الحركة إلحاق مجلس الجنجويد هذا بالجبهةِ الثورية السودانية رُغمَاً عن بقيِّةِ مكونَاتِها، أم فقط لتخفِيفِ العُزلةِ المِضْرُوبَةِ على مجلسِ الجنجويد بسبب تعَاليِّه عن مُجرَّدِ الإعتذار عمَّا فعلت (على الأقل) وطلبِ العفو الصفح من الضحايا وأُسَرِهم من أهلِ دارفور الذين قلَبَ الجنجويد ليلَهم إلى نهار لسنِين عدَداً لا لذنبٍ جَنُوه، ولا لخُصومَةٍ نشأت بينهم، ولكن فقط لأنَّ حكومة الجَلَّابة فى الخرطوم إستأجَرَتهم ومنَحتْهُم المال والسلاح وطلبت منهم فِعلَ ما فعلُوا من مُنكَرَاتٍ يسْتَحِ من إرتكابِها الشيطانِ الرجيم ذات نفسه). إنتهى الإقتباس
واليومَ أقولُ لكُلِّ المُرجِفين، هكذا تحدثتُ وكتبتُ يوم 12 يوليو 2014م إحتجاجاً على مذكِّرة التفاهم بين الحركة الشعبية شمال ومجلس صحوة الجنجويد، فأبحثوا فى كلِّ الأسافِير والوَسَائِط عن رَدَّةِ فعل الحركات المسلحة الدارفورية على هذه الحادثة التى اعتبِرُها أنا، أنّها القَشّة التى قَصَمَتْ ظهرَ بَعِيرِ الجبهة الثورية السودانية، وأنَّ ما تلتْهَا من أحداثٍ حتى تشيِيعها ودفنها إلى مَثْوَاها الأخير إنّما هى هزّاتٍ إرتِدادِيَّة لهذهِ الزلزلةِ العظيمة. فشيطان الجبهة غير مُستعِد لرؤيةِ الجبهة الثورية السودانية وهى تعيش فى سلامٍ وهدوء، وتنمُو وتزَدِهر ويقْوَى عُودها، طالما إنِّها تحَمِلُ على ظهرِها أبناءِ الهامش السودانى وتسيرُ بهم نحو سُدَّةِ الحُكمِ فى الدولةِ السودانية. فقام بالوآحبِ الذى قام به مع سيدنا آدم عليه السلام فأخرَجه من الجنّةِ ليشقى، ونشقَى جميعاً إلى يومِ الدين.
هذا، ولا أحد فى هذه الكرة الأرضية لم يستغرب ويستَهْجِن توقيع الحركة الشعبية شمال "مذكرة تفاهم" مع مجلس صحوة الجنجويد إلا قادة حركات دارفور المسلحة فى الجبهة الثورية السودانية الذين روَّضَهم "شيطان" الجبهة الثورية ودَجَّنَهُم وخلعَ انيابهم وقطع ألْسِنَتِهم، ثم لمَّا ركَنُوا وخَضَعُوا له مُسْتَسِلِمين ولسان حالِهم يقولُ هَيْتَ لَكْ، رَكَلَهُم هُمْ والجبهةِ الثورية التى ستقُودَهُم إلى سُدّةِ الحُكم فى السودان، إلى مذبَلةِ التاريخ.
ولمْ يكُنْ مقالى فى مذكرةِ تفاهُمِ مجلس صحوة الجنجويد والحركة الشعبية شمال هو كتابِى الأول ولا الأخير فى نقدِ تجربة الجبهة الثورية السودانية، ولكنِّى أتبعته بسلسلةٍ طبَّقَت شُهرَتِها الآفاق، من ثلاثِ حلقات، فى نقدِ وتقويمِ ما حدث بعنوانِ:"الشيخ موسى هلال وشِيعَتهُ يُنكِرُون ضوءَ الشمس من رَمدٍ، وذلك فى الفترةِ من منتصفِ يوليو إلى 8 أغسطس 2014م"، وهو جهدٌ ازمِعُ إصدارَه فى كتاب لأنّنِى دَلقتُ فيه مِدادَاً يشِعّ بنُورِ الحقيقة، وحُجَّة دامغة تجنّدِلُ صُنّاعَ البَاطِل وفَحَوى مذكِّرَتِهم البائسة، وأدافع فيها عن ضحايا حربِ دارفور ضد الفظائع التى إرتكبها ضِدَّهم الجنجويد، ويُحاولُونَ الآن الإفلاتَ لينْسَلٌّوُا منها كالشَعرَةِ من العَجِين مُمتطِين ظهرِ الحركة الشعبية شمال عبر المذكرة الموقّعةِ بينهما فى العاشرِ من يوليو 2014م.
وإضافة إلى ذلك، كتبتُ ونشرتُ مقالاً فى 8 أغسطس 2013م فى نقدِ الجبهة الثورية لمَّا رأيتُ قادَتَها يستَحْسِنُون السفر إلى دولِ الغربِ دون الشرق وأفريقيا الأم. فكتبتُ ناقِدَاً إهمَالِهم لأفريقيا، مقالاً نالَ إستحسان القرَّاء بعنوانِ:"إلى قادَةِ الجبهة الثورية، أسْبِرُو غَوْرَ أفريقيا تفلِحُوا!". والحقيقة أنّ الحركات المسلحة السودانية تعشِقُ وتتعلق بالغرب ويتنافس قادتها فى الحَجِّ إلى وآشنطون وأوربا، ويدَّعُونَ أنَّهم أصدقاء وحُلفاءَ الغرب، أمريكا وأوربا. وهم كاذِبُون فى ذلك لأنّهم أبعدَ الناس إلتِزاماً بمبادئِ وتُراثِ الغرب وقِيَمِه، فالغربُ بضاعته وانتاجه الأول الديمقراطية والتبادل السلمى للسلطة، واتاحة وصون وحماية وتعزيز الحريات وحقوق الإنسان. وقادة الحركات المسلحة السودانية فى الجبهةِ الثورية عدُوّهم الأول والأخير هو الحُرِّية فى القولِ والفعل، ويخشوْنَ الديمقراطية وحُكم القانون والتبادل السلمى للسلطة، ويرْتَعِبُونَ من المُحاسبةِ. ويجِنٌّ جُنونهم لسماعِ كلمة "إصلاح" فتعنِى لهم العَزل! وهو خطٌ أحمر دونه الثبُور وعزَائِمِ الأمور. فكيف يدَّعِى هؤلاء الطُغاة الجبَابِرة صداقةَ الغرب الذى شرطَ شراكَتِه الديمقراطية، والإيمان بالحرية، وإلاتزام بصونِ حقوق الإنسان. وهى القِيمْ بعيدة كلّ البعد عن هؤلاء القادة الدائِمين للحركات المسلحة السودانية؟.
وكيفَ يدَّعِى قادة الحركات المسلحة السودانية صداقة الغرب وهم يتْبَعهُم ويشَيِّعَهُم، أينمَا حَلُّوُا، تاريخاً مُوغِلَاً فى الشموليةِ والفسادِ والهَيمنةِ، وقمعِ من يخالِفهُم الرأىِ من رِفاقِهم؟.. وكيف وهُم يتَّسِمُون بالإنكِفَاءِ والإنغلاقِ والعشائرية والتخلّفِ والرجْعِيَّة؟.. ومنهم من لمْ ينتخِبْهُ أحد لقيادةِ الحركة التى يقُودُها، بل منهم من يدَّعِى أنَّه مُؤسِّس الثورة ومُخترِع فِكرتَها! وأنَّه يقودُ بأمرٍ رَبّانِى. ومنهم من أُنتُخِبَ لدَورَةٍ رئاسية مُدّتِها سنتين قابلة للتجديد لدَورةٍ أخرى "الجملة أربع سنوات"، ولكِنَّه مكَثَ فى الرئاسَةِ لإثنى عشر سنة، تسَاوِى (ستة دورَات رئاسية)، وسيمْكثُ فيها مدى العمر لأنَّهُ قضى على كلِّ مؤسسات الحركة التشريعية والرقابية التى كانت تُراقِبُ اداءَهُ وتُحَاسِبه، وقوّضَ الجهاز التنفيذى للحركة الذى كان ملء السمع والبصر، فخَصْخَصهُ إلى شركةٍ خاصَّة بأهلِ بيتِه، وأبناءِ قرْيتِه والقرى المجاورة!. فأىِّ غرب هذا الذى يُراهِن على هذه العقول التى تستحق أنْ تعيشَ قبل العصرِ الحَجرِى؟. والصحيح أنّ الغربَ مُلتزمٌ بالقضيِّةِ الإنسانية والقانونية(عدم الإفلات) فى نِضالِ الهامش السودانى ضد حُكمِ المركز، ويأتِى تعامل الغرب مع قادة هذه الحركات المسلحة فى حدودِ مساعِيه الأخلاقِية والإنسانية لوضعِ حدٍ للحربِ والقتال الذى يُعَمِّق من مُعَانَاةِ المدنيين ومأساتِهم وصولاً إلى سلامٍ مُستدَام، ليس إلَّا.
فأنا لمْ أغِبْ أبدَاً عن مُراقبَةِ اداءِ الجبهة الثورية وإسداءِ النصح لها بالنقدِ المباشرِ عبر الكتابة والنشر لأنَّها سبيلى الوحيد إلى ذلك.. ولأنَّنِى أعرف قادتها وهِمَّتِهم وإهتِمَاماتِهم، فخيرٌ لى أنْ اكتبَ ما ارِيد وأنشره إشْهَاداً للجميع.. هذا، وظللتُ أكتب ناقِداً وناصِحَاً لها، ولم تستبِينَ الجبهة الثورية النُصحَ حتّى ماتت، لأنَّها مثل أبانَا آدم آثرَت انْ تَركنَ إلى وَسْوَسةِ شيطَانِها فاكلت من الشجرةِ الممنوعة فعَصت الجبهة الثورية رَبَّها فغَوَت. فلا يُزَايِد علينا أحد بإسمِ الجبهةِ الثورية أو دفاعَاً عنها، ولكن أين هى الآن؟؟ قد ماتَت وقُبِرَت.
كانت هذه المقدمة مُهِمَّة لتنظيفِ الفيرُوسات التى عَلِقت بالجُزءِ الأول، فى محاولة منها لتعطِيلِ المواصلة فى كتابةِ سِفْرِنا هذا. وأقول للمُرجِفين ما قاله شاعرُ الشعب، الراحلُ المُقِيم، محجوب شريف لأمثَالِهِم:
حكِّم ضمِيِّرَك يا وَلدْ..
أمْشِى استَحمِّى وإعتذِر..
وأغسِل يِدَيك..
من كلِّ ما يخلِيك..
أمام رُوحَك قَذِر !.
وإلى مضابطِ الجُزءِ الثانى: الجبهة الثورية، عُيوب البناء وخبايا التَصدٌّع. وفيه نقول:
أولاً: من حيثُ البِناء: لو نظرنا إلى مكوِّناتِها، نجد أنَّ الجبهة الثورية قد بُنِيتِ من متناقِضَاتِ وأضدَّادٍ لا يمكن الجمْعَ بينَها إلَّا فى بيوتِ المناسبات أفراح أو أتراح.. بُنِيَت من مُتنَافِراتٍ عجِيبة (لبَنْ، سَمَكْ، تَمُر هِنْدِى)، تحْسَبَهُم جميعاً وقلوبهم شَتّى. وشيطان الجبهة الثورية دخلها منذ الوَهْلَةِ الأولى لإجهاضِها، ولِكَى يجهضها كان لا بُدَّ له من إطلاقِ التهْوِيمَات التى أورَدْنَاها فى الجزءِ الأول للتخويف، من شاكِلة أنَّ حركات دارفور هى وآحدٌ مُنقَسِم لتحقيق المزيد من المكاسِب، وهى فى الحقيقة ليست كذلك. ولكى تدفع عن نفسها تلك التُهْمَة قبِلَت حركات دارفور المُتنافِرة أصلاً، بدُخُولِ أفرادٍ بأسماءِ أحزاب المركز(الأمّة القومى والاتحادى) بمعاونة شيطانِ الجبهة الثورية بالطبعِ، فإستخدمهم المركز لقتلِ الجبهةِ الثورية عند الضرورة، وقد فعَلت.
وكان حتْمِيَّاً على أحزابِ المركز قتْلِ الجبهة الثورية من الداخلِ. فكان لا بُدَّ من تفخِيخِها جيِّداً فى انتظارِ تفجيرها فى الوقت المناسب إذا إشتَدَّ ساعِدها. وفعلاً تمكّنت أذرُع المركز من مكوناتِ الجبهة الثورية السودانية من غير الحركات المسلحة أنْ تلعَبَ دوْرَاً مُهِمَّاً فى هَدْمِ وتدْمِيرِ الجبهة الثورية السودانية من الداخِل لأنَّها هى المَطِيَّةِ Vehicle الوحيدة التى ستحْمِل أبناء الهامش السودانى إلى كرَاسِى الحُكمِ والسلطة فى الدولةِ السودانية. فأرسلت أحزاب وتنظيمات المركز وُكلائِها تحت إشرافٍ ومعاونة من داخِلِ الجبهة الثورية لتفكِيكِها ووَأْدِها، فنجَحُوا فى المُهِمَّة نجاحَاً يستَحِقّونَ عليه الأنوَاط والأوْسِمةَ.
وأمّا من حيث الهيكلة، فقد فشلت الجبهة الثورية فى معرِفة حجمِها الحقيقى بإعتبار ما ستكون فى زمنٍ وجيز، فلم تضع الهيكلة المناسبة لإستيعاب ذلك الحجم والوزن، ولحمايةِ نفسِها من تأثير الفيروسات التى تعلقت بها وتعمل على هَدْمِها. فحبست نفسها فى غُرفةٍ وآحدِة مُلوّثَة، ضيِّقة وقاتِمة، هى غُرفة المجلس القيادى التى إنحَشرَتْ فيها، دونَ أخرى تتوسَّع فيها، وتوزع عليها المهام الثِقال المُلقَاة على عاتِقِها، وتحفظ فيها أسرارِها ما أمكن، ولتهيئةِ ظروف وبيئة عمل أفضل وأنسب تُمكِّن من العطاء.
جمعَ المجلس القيادى كُلِّ كادرِ الجبهة الثورية فى غُرفةٍ وآحدة، بدءً بالرفيق الموَّقر رئيس الجبهة الثورية وإنتهاءً بآخر رفيق شاب فى مُقتَبِلِ العُمر، تخرَّجَ حديثاً فى الجامعة، وإلتحق بالعملِ لأوَّلِ مَرَّة!. وجميعهم يتمتَّعُون بعضويِّةٍ مُتساوِية، يتوسَّطهم وُكلاء المركز الآنِف ذكرِهم، ينقلون ما يجرى داخل المجلس من انشطة، مداولات وخِلافات وخناقات ونفسيات وأسرار، فوراً وعاجلاً إلى المركز. فصارت الجبهة الثورية مكشوفة العَوْرَة إختياراً، وتُماثِلُ فى العلينِّةِ والمُبَاشَرة ذلك البرنامج الناجِح "مَسْرَح على الهَوَاء" فى إحدى القنواتِ الفضائيةِ السودانية
ثانياً: من حيث التشريعات: قلنا أنَّ العيبَ الأساس الذى عطّلَ الجبهة الثورية من انتاجِ القرارات هو آليّتِها الواردة فى الفصلِ الرابعِ فى المادة(13)،وكانت اللجنة القانونية للجبهة الثورية قد قدَّمت للمجلسِ القيادى الموّقر هذه المادة فى مُسوَدَّةِ مُقترحِ النظام الأساسى بالنص التالى، (13/ج القرارات: تُتَّخَذ قرارات المجلس بتوَافُقِ الآراءِ، أو بالأغلَبيةِ). ولكن المجلس القيادى عند مناقشته لهذه المادَّة للإجازة أصرَّت على حذفِ الخيار الثانى "أو بالأغلبية".. وكان هذا هو الخطأ الذى عطَّل هذا المارد فى قُمْقُمِه فظلَّ حبيسَاً، وخلعَ أنيابه وجلعه عاجزاً عن انتاج إى قرار أو موقف يُنَاسِب قوَّته وأهليته، ووَزْنهِ وقبوله فى المسرحِ السياسى المحلِّى والإقليمى والعالمى.
وأكبرَ تحدٍّ فشلت فيه الجبهة الثورية هى عملية تداوُلِ كرسى الرئاسة دورِيَّاً كل سنة كما وردَ فى دستورِها. وفشلت الحركات المؤسسة لها أنْ "تتوَافقَ" على تداولِ الرئاسة دَوْرِياً طوال عمرِها الذى إمتدَّ لإربعِ سنوات.
وفى آخرِ الدورات 2005م لمَّا توصَّلَ رُؤسَاء حركات دارفور الثلاث، بشَقِّ الأنفُسِ، إلى صيغةِ اتفاق يتم بموجِبِه نقلِ رئاسة الجبهة الثورية إلى رئيس حركة العدل والمساواة السودانية، إعترضت الحركة الشعبية شمال على ما اتفقَ عليه رؤساء حركات دارفور الثلاث، ولم تتوافق معهم عليه، وأيّد موقف الحركة الشعبية شمال مكونات اخرى من أعضاءِ المجلس القيادى للجبهةِ الثورية وكانوا حضوراً فى الإجتماع. لكنَّ مسئول الإعلام فى الجبهة الثورية وهو بدرجة نائب رئيس الجبهة الثورية قد خرجَ ببيانٍ ضلَّل به الرأى العام، فحوَاهُ أنَّ الحركة الشعبية شمال رفضت نقل الرئاسة لرئيس حركة العدل والمساواة!!. وهذا كذِب وفتنة وضلال سنأتى لتِبيَانِه أدنَاهُ.
راجَ ذلك الخبر الفتنة، خبر مسئول الإعلام بالجبهة الثورية برفض الحركة الشعبية شمال تسليم الرئاسة لحركة العدل والمساواة السودانية! وذاع وإنتشر فى القرى والحضر كالنارِ فى الهشيم. فأسس عليه الناس مواقِفِهم وتصريحاتهم، وصبٌّوا جامَ غضبهم وإدانتِهم على الحركةِ الشعبية شمال، ولم تفلحْ بيانات التوضيح اللاحقة فى إزالةِ اللبس والتشويش الذى أحدثه- بسوءِ نِيَّة- ممثل الإعلام وهو أحد مُمثِلى أحزاب المركز فى الجبهةِ الثورية. فتجمّدَ نشاط الجبهة الثورية لإجلٍ غير معلوم، وفى نظرِ الناس ماتتِ الجبهة الثورية السودانية وقٌبِرَت.
ولكن، اتضحَ لنا لاحِقَاً، لما إستقْصَينا الأمرَ وقلّبنَاهُ على وُجُوهِهِ، أنَّ أغلبَ الحقيقة مغمُورة داخل مياه الجبهة الثورية السودانية! والظاهر منها لا يشكل أساساً كافياً لإصدارِ الأحكام الجزافيّة التى تُباع وتُشترى فى أسواقٍ النخاسةِ السياسية وهى بعددِ الحصَى.
والشاهِد أنَّ اتفاق رُؤساء حركات دارفور الثلاث على أحدِهم لرئاسة الجبهة الثورية، بعد تعثُرٍ امتد لأربعِ دورات! لا يُشكل قراراً صادِرَاً من المجلسِ القيادى للجبهة الثورية السودانية بموجبِ آليتها الأوْحَد " توافق الآراء". لكنَّهُ مُقترَح يوْدَع مِنضَدةِ المجلس القيادى للجبهة الثورية لتداوُلِه وصولاً إلى التوافقِ عليه ليصير قراراً صادراً من المجلس القيادى للجبهة الثورية السودانية فيكون مُلزِمَاً ونافِذاً، أو عدم التوصل إلى توافقٍ حوله فيسقط كأنْ لمْ يكُنْ.
فهل قامَ رؤساء حركات دارفور الثلاث بوضْعِ مُقترحِهم بترشيح رئيس حركة العدل والمساواة السودانية لرئاسةِ الجبهة الثورية مِنْضَدةِ المجلس القيادى للجبهة الثورية السودانية؟ وهل تَمَّ تداوله وصدر قرار من المجلس بتوافق الآراء بإنتخاب رئيس حركة العدل والمساواة رئيساً للجبهة الثورية السودانية لدورةٍ رئاسية جديدة؟.. إن لمْ يحدُثْ ذلك فلا يستطيع أحد محاكمة غيرِه بأنَّه أجهضَ الجبهة الثورية أو إحتكر الرئاسة، أو"كنكش"فيها، أو أىٍّ من الأحاديثِ المُتَّسِمةِ بعدمِ معرفةِ آلية اتخاذ القرار داخل أجهزة الجبهة الثورية السودانية.
فالقرار بانتخابِ رئيس جديد للجبهة الثورية السودانية يصدر عندما يتم "التوافق"على المقترحِ الذى توصًّلَ إليه رؤساء حركات دارفور الثلاثة. ما لكم كيف تحكمُون؟.. أكرر، وانتبهوا جيداً لِمَا أقول: أنَّ اتفاق رؤساء حركات دارفور الثلاث على أحدِهِم ليتولّى رئاسة الجبهة الثورية السودانية لدورةٍ قادمة، هو مُقتَرح يُقدَّم للمجلس القيادى للجبهة الثورية ليقرر فيه وفق آلية "توافق الآراء"، فإذا توافق عليه المجلس القيادى للجبهة الثورية صار قراراً صحِيحاً صادِرَاً منه ووَآجِب النفاذ الفورى. وإذا لم يتم التوافق على المقترح داخل المجلس القيادى فيسقط كأن لم يكُن. ولا يكون مجرّد المقترح قراراً صادراً من المجلس القيادى للجبهة الثورية السودانية، رُفِعتِ الأقلام وجَفّتِ الصُحف.
ولو كان مُجرَّد اتفاق رؤساء حركات دارفور على ترشيحِ أحدِهم لرئاسة الجبهة الثورية قراراً، فلماذا اتُوا به إلى إجتماعِ المجلس القيادى للجبهة الثورية؟ إذا كان ذلك المقترح قراراً فلا يحتاجُ مُقدِّمُوه إلى عرضِهِ على المجلس القيادى، بل كانوا إكتفُوا بعرضِهِ على السيد رئيس الجبهة الثورية المُحترم لتوقِيعِه والأمرِ بنشرِهِ فى الجريدةِ الرسمية للجبهة الثورية، وتوجيه مسئول الإعلام بنشره فى وسائلِ ووسائِط الإعلام. هم يعلمون ذلك جيداً لكنّها الفتنةَ لعنَ اللهُ من أيقظَها.
ومن إجلِ ذلك نُكرِّر ولا نَمَلْ، أنَّ اتفاق رؤساء حركات دارفور الثلاث على ترشيحِ أحدِهم لرئاسة الجبهة الثورية لدورةٍ قادمة ليس قراراً صادراً من المجلس القيادى للجبهة الثورية السودانية، بل هو مقترح مُحترَم قُدِّمَ للمجلس القيادى للجبهةِ الثورية للنظر فيه وإقراره ثمَّ إصداره بالتوافق ليكونَ قراراً صادِرَاً ومُلزِمَاً ونافذاً. أو، لا يتمَّ التوافق عليه داخل المجلس القيادى فيسقط المقترح لعدمِ التوافقِ عليه، ثُمَّ لا يُرتِّبُ أثَراً.
ولمْ أجدْ فى دستورِ الجبهة الثورية ما يمنع إعادة تقديم نفس المُقترَح للمجلسِ القيادى مَرّة أخرى.. وتوافق الآراء هى الآلية الخاصة بالأعضاء دائِمى العضوية بمجلس الأمن/ الأمم المتحدة وهم (بريطانيا، أمريكا، فرنسا، روسيا والصين). حيثُ يتم تطويرِ مشروع القرار وصِناعتِه داخل مجلس الأمن بموافقتهم على كلِّ كلمة وحرف، لأنّ رفض أىِّ عضو من الأعضاء الخمسة دائمى العضوية لأى جزء من مشروعِ القرار المعرُوض على المجلس يشكِّل نقضاً له أو "فيتو" ويجهِض مشروع القرار فلا يصدُر. لذلك، القرارات فى مجلس الأمن تُبْنَى على مراحِل، خطوة خطوة، كلمة كلمة، وِفقَ مصالح وملاحظات الأعضاء، وخاصَّة الأعضاء الخمسة دائِمِى العضوية، لأنَّ تجاوز مُقترَحاتِهم أو عدم إدخالها على مشروعِ القرار سيجْهِضُه إن تَمَّ التصويت عليه وكان صوت العضو دائم العضوية ضد مشروع القرار.. لذلك تجد أنَّ الأعضاء دائمى العضوية أمّا أنْ يصوِّتوا مؤيدين للقرار، أو أنْ يمْتنِعُوا عن التصويتTo abstain حتى يصدُر القرار، ولا خيار ثالث.. هى مقارنة مع الفارِق ولكن لتقريبِ الصورة للقارئ الكريم. فهل هذا الرأى عادل ومنطقى؟ وهل أتى مُتّسِقاً مع الوُجدان السليم للقارئ؟ هو ترونه مُنصِفَاً؟ أم مُغرِضَاً ومِعْوَجّاً؟.. وأنَّ كان هناك رأىٌ وتفسيرٌ آخر أكثر وجاهة وأعدَل؟ ننتظِر لنراه.
وأعلمُوا أنَّ المُحاكَمَة بحيثيّاتٍ خاطِئة، والتعاطف مع طرفٍ من الأطرافِ ومساندته ضد طرفٍ آخر لن يُعِيدَ لنا الجبهة الثورية السودانية إلى قيدِ الحياة. وعليه، وإعمَالاً للتفسيرِ أعلاه للموقف فإنَّ اتفاقَ الرُؤساء الثلاث لحركاتِ دارفور على ترشيحِ أحدِهم لتولى رئاسةِ الجبهة الثورية السودانية هو مُقتَرح مقدَّم منهم، ويجب أن يُعْرضَ لإجتماعِ المجلس القيادى للجبهة الثورية لتداولِهِ والتوافقِ عليه ليكون قراراً صادِراً ومُلزِمَاً ووَآجِب النفاذ. ولكنَّ المقترح فى حدِّ ذاتِه ليس قراراً صادِرَاً من المجلسِ بموجبِ آليتِه البائسة المعمُولِ بها، وهى توافقِ الآرَاء.. هذا ما أجدُ وأرَى من وآقِعِ الحيثيِّاتِ والوقائعِ المُتَاحة.
لكنَّ السبب المُهِم فى هذه الأزمة ليس فقط ضعف آلية اتخاذ القرار، ولكن تخاذُل أحد رُؤساء حركات دارفور ونكُوصِه غير المُبرَّر عنِ الموقِف الرَسْمِى لحركَتِه بهذا الشأن، وحَنَثِه بالتفَاهُمَاتِ والوُعُودِ التى قطَعتها هو شخصياً للحركةِ الشعبية شمال فى مسألةِ انتقالِ الرئاسة منها إليه لأسبابٍ مبدئية وأخلاقية، وإلتزامَاتٍ ووُعُود لشركاءِ السلام فى المجتمعِ الدولى الداعمين للتحول السياسى الديمقراطى فى السودان. نقلت الحركة الشعبية كل ذلك لرئيس الحركة الدارفورية عبر وفدٍ مسئول ورفيع المستوى! فتفَهَّم رئيس الحركة الدارفورية ما نُقِل إلية وإلتزَم بتنفيذها حَرْفِياً. ولكنَّهُ (إنفَزرَ) لاحِقاً، ونكصَ عما إلتزم به وتعهّد، وحضرَ إلى طاولةِ إجتماع المجلس القيادى فى معيِّة رفيقيِّهِ رؤساء حركات دارفور ليعلِنُوا للإجتماعِ اتفَاقِهم على رئيسِ حركةِ العدل والمساواة السودانية لرئاسةِ الجبهة الثورية للدورة القادمة!.
وقَعَ الخبر على رأسِ الحركة الشعبية شمال كالصاعِقة، لأنّ فيه حرجٌ كبير للحركة وقيادتها وتفاهُمِها مع رئيس الحركة الدارفورية، ولإلتزاماتها المبدئية. وكما أنَّ المقترحَ المقدّم مخالِفٌ أيضاً لوُعُودِ الحركة الشعبية لأصدقائِها من العالمِ الحُرِّ الداعم لعملية التحول السلمى الديمقراطى وتوطين الديمقراطية فى السودان. فلم تجدْ الحركة الشعبية بُدَّاً من الهُروبِ إلى الأمام، وترك الأمر لكى تُعالجه الأيام إذا توفّرَت المسئولية لدى البعض للوفاءِ بعُهُودِهم وإلتزامَاتهم التى قطعُوها على أنفُسِهم طواعِية. والآن، أمّا وقد سادَ الهُدوء وعاد العقل ووَقَف الهُرَاء واللقط والتخوين وإصدارِ الأحكام جُزَافاً، والمتاجرة الرخيصة بقُشورِ الموضوع وترك لُبِّه، فندعو الجميع لتناول هذا الموضوع بعد الألمام ببواطِنِ حيثياتِه الموضوعية، وليس فقط فى إطار "طقِّ الحَنَك" والتلاحِى البغِيض. إذا حدثَ ذلك ربما عادت الجبهة الثورية إلى الحياةِ مَرَّةً أخرى وأحْيَت من جديد أمل جماهير الشعب السودانى فى الخلاصِ.
المهم أنَّ الذى جنَى على الجبهةِ الثورية وتسبب فى تعطيلها ليست الحركة الشعبية شمال، ولا هو حركة العدل والمساواة السودانية الذى تمَّ الاتفاق بين رؤساء حركات دارفور على ترشيحِ رئيسِها لرئاسةِ الجبهة الثورية للدورةٍ القادمة.. الجانى هو رئيس حركة أخرى من دارفور قام بمخالفة قرار حركته بضرورةِ التنافُسِ القوى لنيلِ كُرسِّى رئاسة الجبهة الثورية، وأنْ لا يتنازلَ لإحدٍ ولأىِّ سبب، ونكصَ كذلك عن اتفاقه مع قيادة الحركة الشعبية شمال لتولِّى مُهمَّة رئاسة الجبهة الثورية للفترة القادمة لمصحلة التحول الديمقراطى فى السودان، مدْعُومَاً منها ومن شركاءِ السلام فى المجتمعِ الدولى، لكنَّه خابَ وخيَّبَ الظنّ فيه وفى حركتِه، فتخاذلَ وخذل وأحْرَجَ الجميع، ونكصَ عن عُهُودِه لرفاقِه.
ونتيجة لذلك التخاذل والنكوص المُحرِج، وبالتنازُل غير الرشيد من رئيس تلك الحركة الدارفورية وانسحابه من سباق الرئاسة دون التقيُّد بقرار حركتِهِ، أو الإلتزام بما قطع من وُعُودٍ لحُلفَاءِه الذين تفاهم معهم فدعَمُوا ترشيحه لرئاسة الجبهة الثورية للدورة القادمة، لكنّه تنازلَ لرئيس حركة العدلِ والمساواة لسببٍ خفِى مبعثهُ فىِ أغلبِ الظن، عدم الثقة بالنفسِ والقدرةِ على القيادة والعطاء. أدى ذلك النكوص إلى فِتنةٍ كُبرَى، وإلى عدمِ التوافقِ على المقترح الجديد داخل المجلس القيادى، فتجمَّدتِ الجبهة الثورية السودانية لحينِ إشعارٍ آخر.
هذه بعض كواليس المشْهَد.
فى جزءِ ثالث، سأتناول (كيف أنّ توافقَ الآراء لا تصلُح آلية لإتخاذِ قرار.)
[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1731

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1464612 [نعمان الهادى]
1.00/5 (1 صوت)

05-22-2016 10:52 AM
الاستاذ عبدالعويز سام
اذا كان هذا هو منهجك ، بان تفرد ثلث كل مقال جديد للرد على تعليق واحد لاحد القراء من المقال السابق ، فواضح انك ستكتب ثلاثين حلقة على الاقل وليس 12 كما بشرتنا بها فى بداية حلقاتك ، وثم ان التوثيق بالباطل يعتبر مضر وغير اخلاقى ، ودونك تاريخ السودان الذى ارخه البعض على امزجتهم وليس على الحقائق ، هذه الفقرة اعتبرها يا اخى مقدمة لتعليقى .
اما التعليق فاصبه فى الفقرة ادناه من مقالك ، مع الاخذ فى الاعتبار انى انتمى تنظيميا الى حركة العدل والمساواة السودانية :

(وقَعَ الخبر على رأسِ الحركة الشعبية شمال كالصاعِقة، لأنّ فيه حرجٌ كبير للحركة وقيادتها وتفاهُمِها مع رئيس الحركة الدارفورية، ولإلتزاماتها المبدئية. وكما أنَّ المقترحَ المقدّم مخالِفٌ أيضاً لوُعُودِ الحركة الشعبية لأصدقائِها من العالمِ الحُرِّ الداعم لعملية التحول السلمى الديمقراطى وتوطين الديمقراطية فى السودان.)
انت يا عبدالعزيز تدافع عن مضمون هذه الفقرة وبل تعتبر ان اس مشكلة الجبهة الثورية تكمن فى هذه الفقرة والتى تسبب فيها الرفيق مناوى ، لانه تنازل للدكتور جبريل ناكصا وعوده السابقة للحركة الشعبية ؟ انا سوالى لك بشكل مباشر يا سام انت تدافع عن هذه الموامرة والتى تنصل عنها مناوى عندما علم بابعادها ؟ الم تكن من حق حركة العدل والمساواة ان تاخذ دورها فى الرياسة الدورية اذا اتتها ؟ اما انها فقط وضع فى هذا التحالف كتمامة جرتك وتتامرون عليها على الدوام لمصادرة حقها بدعوى (الوعود للعالم الحر الداعم لعملية التحول السلمى الديمقراطى .......؟ ) يا اخى طز فى هذا العالم الحر ، وماذا قدم هذا العالم الحر لقضية دار فور او السودان ؟ تفتكر يا عبدالعزيز احنا لمن دخلنا العاصمة فى وضح النهار كان هذا العالم الحر فى صفنا ؟ للاسف الوحيد الذى وقف فى صفنا فى ذلك اليوم من اهل الخرطوم هو القائد مناوى الذى ترميه انت اليوم بكل الموبقات فقط لاته فصلك من التنظيم لاسباب خاصة بكم فى الحركة ، وانت تدرى اكثر منى كيف وقف مناوى فى صف العدل والمساواة لاته رفض الادانة عكس كل اعضاء مجلس الوزراء الذى انعقد خصيصا لهذا الغرض .
وبعدين انا لا اصدق انك تجهل سبب نكوص مناوى عن اتفاقه مع الحركة الشعبية (اذا كان هنالك اتفاق من الاساس) ، الحكاية ما دايرة درس عصر التكتيك هو الاتى : يترشح مناوى لرئاسة الجبهة الثورية بمساندة (ظاهرية ) من الحركة الشعبية ، لكن ناس الحركة الشعبية عارفين الحكاية ما تمر لان جبريل حيعمل ، فيتو ، لكن برضو خاتين السياريو الاسوا وهو ، اذا تسامى دكتور جبريل ولعن الشيطان (مش شيطان الجبهة الثورية ، الشيطان الحقيقى ) ومرر الترشيح هنالك طرفين من (عيال) الحركة الشعبية موكل لهم المهمة وهما نصرالدين الهادى وست الحسان الاستاذة زينب الكباشى ، ديل دورهم لو دكتور جبريل فوت ، يكفى واحد منهم لعمل فيتو ، ما هو الحكاية بسيطة : انا ما موافق على الترشيح وانتهى الموضوع !!
معقول يا سعادة المحامى والخبير القانونى فايت عليك الكلام دا كله وتصرف كل هذا الحديث ؟ يا اخى انت سميت الراجل ب (شيطان الجبهة الثورية ) معقول يفوت عليك تكتيكاته ؟ ولا دا كله كراهية مناوى العمتك من النظر الصائب ؟
نعمان الهادى


#1464296 [الحازمي]
1.00/5 (1 صوت)

05-21-2016 05:12 PM
الاخ سام،
بعيد توقيع الحكومة و امبيكي على مهزلة خارطة الطريق،انت نصحت المعارضة بضرورة التوقيع على مهزلة امبيكي.
لماذا؟!!


#1463995 [احمد حماد]
1.00/5 (1 صوت)

05-21-2016 01:13 AM
لكن يا مولانا واحد من 2 ، اما انت تكتب بسذاجة او تفترض السذاجة فى القراء ، والا اذا كان احد اقطاب حركات در فور (مناوى ) متفق مع الحركة الشعبية ليترشح هو ارضاء له وللحركة الشعبية وللمجتمع الدولى (يعنى متامر ضد جبريل لانه غير مرغوب من المجتمع الدولى ) ، وجاء فى اخر حاجة نكص عن اتفاقه مع الحركة الشعبية واتفق مع جبريل وتنازل له عن الرياسة ، مش داير تقول دى كانت المشكلة ؟ طيب افترض ان مناوى اوفى باتفاقه مع الحركة الشعبيه والناس جات فى اجتماع المجلس القيادى اخونا جبريل فى الحاله دى ملزم يمرر قرار ترشيح مناوى ؟ ما هو الحكاية بالتوافق وجبريل ببساطة يعمل فيتو ، وتمش علينا النغمة اياها بتاعة ناس دار فور ما اتفقوا ودا الكلام القافل عليه " شيطان الحركة الشعبيه " زى انت مسميه ، وبالتالى اخونا عقار يواصل فى رياسته ويا دار ما دخلك شر .
لكن نرجع نكرر ونقول ان الموضوع ما بالبساطةً بتاعة انه مولانا سام او (الخبير القانوني) صحى فجاة من النوم وفكر يكتب ١٢ مقال فى الجبهة الثورية ، لان هذه المقالات ليست (مجانية) . من بدايتها وضح الموضوع كله كذب وحقد وتلفيق ، ومولانا وضح لينا ان الجبهة الثورية بناءه من الاول خطا لان مناوى لم يسعى لتعيينه أمينا للإدارة القانونية فى الجبهة الثورية ، والكذب والحقد ظهر ايضا لمن مولانا ما ذكر هو كان يتولى شنو فى تاريخ فصله من حركة مناوى (معلوماتنا الأكيدة تقول ان الرجل فصل لسوء سلوك ولم يستقيل زى ما ظل يضلل بعض الغافلين ) ؟
لمن نقول المقالات دى مش مجانية لانها أتت مباشرة بعد الزيارة السرية جدا آلى عاصمة دولة خليجية مهمة جدا واجتماعه مع (الجماعة) اياهم مطولا فى الفندق الفخيم الاسمه (حيا.................) بتاريخ ............
طبعا مولانا حسع حيحتار جدا ويقول الخبر دا طلع كيف بعد كل تلك الاحتياطات والتنبيهات ،ولكن مولانا فايت عليه حاجة مهمة جدا وهى ان (الجماعة) اياهم دايما حريصين جدا لمن يعقدوا معاك صفقة سرية زى دى ،اول حاجة يسووها يقوموا يسربوا الخبر ، لسببين الاول لحرق العميل الجديد وثانيا لحرق المراكب ، حتى لا تبحر به مجددا والعودة الى (أصحابه القداما ) بدعوى التوبة !
هذا فقط اعلان وكشف لل(البيعة التى تمت ) وأثمرت هذه المقالات اما التفاصيل الاخرى الخطيرة ففى الحفظ والصون ، لكن الخبر الاكيد هو ان الرجل بياع ...... بياع !
وفى تعليقنا على المقال القادم ان شاء الله يا مولانا سنورد اسماء مرافقيك فى هذا الاجتماع الهام مع المخضرم والمتخصص فى تشتيت الحركات الثورية فى جهاز امن الانقاذ اللواء / عبدال...............................................


ردود على احمد حماد
[the doveabove] 05-21-2016 07:54 AM
Deadly deviation فقط للتصحيح ولا أرى ضرورة لإستخدام اللغة الإنجليزية وهى لزوم القشرة؟؟؟ وثانيا الرجاء الرده على هذا الإتهام الواضح أعلاه....لأننا تعبنا من مثقفى الهامش الذين ينضغمون في النظام وفى لمح البصر...قوم لف ياخى لانك عندك اجندات خفية وشىء تحت تحت


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة