05-21-2016 01:51 AM


الصادق، عرمان أو حتى غازي غير مهم.. لأن هذا ليس السؤال الصحيح أصلا.. السؤال الأصح ينبغي أن يكون:(ما هو البديل؟)

السؤالان متشابهان في التركيب لكنهما يختلفان كليا في الجواب.. إجابة الأول أسماء أما الثاني فأفعال..

أكاد أجزم أن غالبية السودانيين يائسون من المعارضة بقدر يأسهم من البشير ونظامه الطاغي.. يتمنون زوال الكيزان وفي نفس الوقت يتوجسون مما يمكن أن يأتي بعدهم.. هذا هو أحد أهم الاسباب لتأخر الثورة الشعبية في السودان رغم كل هذه الحالة من التردي الاقتصادي والاجتماعي والأمني غير المسبوقة في تاريخ السودان الحديث.. السبب ببساطة أن الناس يفكرون في (من) وليس في (كيف)..

الذين يتسيدون ساحات المعارضة الآن غالبيتهم كانوا على كراسي السلطة يوما ما.. وذاكرة الشعب عنهم ليست جيدة أبدا.. وهم ليسوا أفضل كثيرا من البشير في التسلط بدليل بقائهم على رؤوس أحزابهم بالعقود بل وتوريثها لذراريهم.. نموذج معارض غير متسق مع نفسه كهذا لا يمثل اي أمل للطلاب الغاضبين في الجامعات ولا الأطباء المعتصمين في المستشفيات ولا بين المهجرين من الوطن في مشارق الأرض ومغاربها..

لن أقسو على المعارضة أكثر فعلى الأقل لها شرف تعرية هذا النظام المستبد.. لكنها للأسف لا تمثل البديل الذي تطمح له الجماهير.. ولذلك سؤال (من البديل؟) سؤال ملغم يرقص له الكيزان طربا لأنه وكأنه يحرج الشعب بأن يضطره للاختيار بين بديلين سيئين.. ولذلك هم - أي النظام وأذياله من الاعلاميين وتجار الدين والمنتفعين - لا يكفون عن ترويج هذا السؤال حتى انزرع في الأذهان وأصبح مفتتحا لأي حوار ينتقد النظام وظلمه وفشله..

السؤال السليم في هذه الحالة هو (ما هو البديل؟).. وهو سؤال يتجاوز الاسماء لينفذ مباشرة الى المضمون.. هذا البديل يجب أن نخلقه نحن.. نحن الناقمون على النظام وعلى رؤوس المعارضة من النخب السياسية المدمنة للفشل.. نحن الطلاب والجامعيون والمهنيون والمغتربون.. هؤلاء المتعلمون المتميزون الماهرون الذين بنوا العديد من الأوطان واستعصى عليهم بناء وطنهم.. علينا لعب دور أكبر وان لا نستسلم للتغييب والتزهيد واليأس فهذا بالضبط ما تتمناه الطغمة الحاكمة..

ماذا نستطيع أن نفعل لخلق البديل؟ الكثير.. بداية بالتفكير في أس المشكلة.. وما اعنيه هنا ب(أس المشكلة) ليس عمر البشير فهو ليس الا تجلي لها.. وعاجلا ام آجلا سنعبر محطته الآسنة.. أس المشكلة هو أنه ليس لدينا كسودانيين منذ الاستقلال نظام متكامل للحكم ولا دستور ثابت ولا اتفاق على هوية ولا تعريف صحيح للحقوق والواجبات ولا تصور واقعي لدور دولتنا في محيطها وغير ذلك من المسائل الدستورية الابجدية التي تقوم عليها الدول.. ولذا ليس من الغريب ان تولد هذه الفوضى الدستورية فوضى سياسية وأن يكون في تاريخنا القصير عدة انقلابات عسكرية وعدد كبير الحكومات الديموقراطية (على سبيل المثال خمس حكومات برئاسة الصادق المهدي في الديموقراطية الثالثة وحدها).. هذه الحالة من اللا استقرار يجب ان نجد لها حلا.. والحل هنا لا يتم السؤال عنه ب(من) وانما ب(كيف).. السؤال ب(من) يقود للتفكير في الحلول الخيالية الرومانسية عن الفارس الوسيم القادم على الجواد الابيض الذي سينقذ البلاد والعباد من المارد الشرير لتعم بعدها السعادة والرخاء.. منطق طفولي تخدر به الشعوب العاجزة.. وهو منطق جر جارتنا الشمالية لاختلاق دكتاتور مستبد جعل أسلافه المجرمين يبدون في غاية الوداعة.. اما السؤال ب(كيف) فهو يقود للتفكير العميق ووضع التصورات والخطط لايجاد الحلول التي يمكن تطبيقها لانتشال انفسنا من هذا القاع الذي هوينا فيه.. ولتجنب ان نهوي في قاع يماثله سوءا في المستقبل..

كتاب (دولة التعاقد الاجتماعي في السودان.. ليست خيارا بل ضرورة) لمؤلفه الاستاذ ابكر آدم ابو البشر تعرض لكثير من هذه المفاهيم التي يجب اعادة بناءها في العقل الجمعي للسودانيين.. فقد تطرق فيه لقضايا مثل الهوية السودانية وامتداداتها وطبيعة الحكم الانسب رئاسي كان ام برلماني وكيف يصان الدستور من الانتهاك ونوعية التصويت الأكثر تمثيلا والمقارنة بين الحكم المركزي والفيدرالي.. كل ذلك وأكثر مصحوبا بمقاربات تاريخية ومقارنات حية.. كما يطرح أيضا في الكتاب تصوراته للحل.. جهد مقدر يستحق الاشادة والاعجاب ويدعو لتشجيع الاكاديميين والمختصين للاضطلاع بدور مماثل وطرح رؤاهم بهذا الشكل المتسق الرافع للوعي..

ما أريد قوله هو أننا يجب نبدأ في صياغة هذه المفاهيم من الآن ورفع الوعي العام بها.. وعندما يسقط هذا النظام الجائر - وهو ساقط لا محالة - نستطيع كقوى اجتماعية عريضة ومتنوعة أن نقدم هذا الطرح المتكامل الذي نعتقد ان فيه حفظ السودان من العودة للهاوية مجددا كدستور ونقنع أو نلزم به الأحزاب وبقية القوى السياسية.. وعندها لن يعود مهما (من) سيحكم.. لأنه حتى إن فاز الصادق أو عقار او حتى البشير نفسه في الانتخابات فلن يستطيع أحد منهم أن يحكمنا كما حكمنا سابقا أو نحكم الآن.. لأن الوعي قد ارتفع والفهم قد عم وسيقف الكثيرون ضد أي تعدي على الدستور الذي ساهموا في صنعه.. وبالتالي سيكونون هم من يقررون (كيف) يحكمون بغض النظر عن (من) يحكمهم..

قد نستيقظ من النوم غدا ونجد ان هذا النظام الغاشم قد رحل.. ولكن بدون اصلاح حقيقي لجوهر المشكلة سنعيد استنساخ نفس الأخطاء.. وسيعيد التاريخ دورته بديموقراطية بائسة يديرها عواجيز في أحزاب غير ديموقراطية أصلا ليأتي بعدها عميد ركن جديد يقوم ب(ثورة اسعاف وطني) يضيع بها 30 او 40 سنة أخرى من عمر الوطن وابنائه المبتلين.. أول خطوة لقطع الطريق على هذا السيناريو المظلم هو تجاهل السؤال المختل (من هو البديل؟) ومحاولة إيجاد اجابة للسؤال السليم (ما هو البديل؟ وكيف نوجده؟)


احمد عبدالواحد
استوكهولم
[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2165

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1465030 [عبدالمنعم موسي]
1.00/5 (1 صوت)

05-23-2016 02:45 AM
مقالك جميل ومفيد ولكن هل الشعب السوداني قادر علي القيام بهذه المطلوبات لكيلا نقع مرة اخري في الحفرة؟


#1464664 [فيلق]
1.00/5 (1 صوت)

05-22-2016 11:57 AM
كلام ممتاز جدا شكراً جزيلا
ولكن لكي نبسط الامر لاهلنا في كل ركن لابد ان ننشئ قائمة من الوطنيين المتفق عليهم بالاجماع امثال ابراهيم الشيخ وعمر الدقير وياسر والحلو وعبد الواحد وكامل ادريس ومنصور خالد وقادة الجيش والشرطة الوطنيين والأكاديميين والقائمة تطول علي الاقل حكومة تكنوقراط لأربعة سنوات تكون مهمتها
صياغة دستور البلاد
انشاء جيش وطني وتسريح اي مليشيات خارج منظومة الجيش والشرطة والامن
مراجعة المناهج التعليمية وادخال مواد تدرس للأجيال عن حب الاوطان واحترام الغير (زمان كانت القصيدة المشهورة منقو قل لا عاش من يفصلنا
مجانية التعليم والصحة
توفير وظائف للشباب
والاهم من دة كلو محاسبة الفسدة الانقاذيين وارجاع الاموال المنهوبة اي زول غني من الكيزان نرجعو زي ما كان اول ونسترد الاموال للخزينة العامة
رد المظالم والغبائن في الساحات والمحاكم العامة والمصالحة الوطنية الاجتماعية بين كل ابناء الوطن درءا للتشقق بسبب الكيزان
ودي محاولة من شخصي الضعيف وشكرا


ردود على فيلق
[فيلق] 05-22-2016 10:38 PM
يا عزيزي السببو الازمات النحنا عايشين فيها هم الترابي البشير واعوانه وكلاب امنه وعلى عثمان ونافع والمتعافي وعلي عثمان وعبد الرحيم وقوش وعطا وبكري وغازي ومصطفي وسيخه وكرتي وايلا والخضر وحميدتي وموسي هلال وقادة الجنجويد
واي زول ساعد النظام ده هو سبب في ازمتنا
لكن الوطنيين ديل ناس لا حرامية ولا بتجاروا بالدين عشان اغشونا ونحنا صراحه دايرين حكم رشيد بغض النظر عن الانتماءات السياسية والله تعبنا وفترنا دايرين نكون دولتنا سودانا الحبيب ونغني

[فيلق] 05-22-2016 04:48 PM
عليك الله قول لي واحد بس منهم سبب في الأزمة دي ...شوف بصراحة مشاكل السودان لابد أنها تتحل والناس تتجاوز انتماءاتهم السياسية الوضع مابستحمل منكافات اي زول بحس انو عندو شئ داير اقدمو اقدمو الداير ابقي في البرلمان ابقي والداير ابقي

[فيلق] 05-22-2016 03:36 PM
انا قاصد الحا يتفقوا عليها الجميع... يعني بعد الاتفاق ونحنا ما بهمنا منو البحكم المهم بحكم كيف وفق دستور متفق عليه وقانون ومحاربة الفساد والمحسوبية.. انا الرشحتهم ديل ناس وطنيين ليس الا قابضين علي الجمر

European Union [محمد احمد] 05-22-2016 02:41 PM
هذه القائمة التي ذكرتها غير متفق عليها بالاجماع كما زعمت. بل بعضها جزء اساسي في الواقع المتأزم الحالي. ااتفق مع الكاتب في ضرورة تجاوز الاسماء والتركيز على الافعال.


#1464631 [failag]
1.00/5 (1 صوت)

05-22-2016 11:20 AM
well said i can give list contain alot of sudanese whom we can truth them
1-ibrahim elshiekh
2-omer eldger
3-yassir arman
4-kamil idris
5-fathi eldow
-abdalaziz mohammed khalid
7-mansoor khalid
8-abdalziz adam elhelow
9-abdalwahid mohammed nour
10-alshafiea khider
11-sidgi kablow
12-mahgoub mohammed salih
13-mahmoud salih
14-asmaa mahmoud
15-alkhatib
this list is not obligatory any body can add any one , and it is not finished


#1464580 [الشاويش]
1.00/5 (1 صوت)

05-22-2016 09:35 AM
كلام منطقي لخص الوضع بأكمله


احمد عبدالواحد
مساحة اعلانية
تقييم
7.75/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة