06-07-2016 01:29 PM


شاركت بهذا الموضوع في المؤتمر الذي أقامته جامعة النيلين و الأمانة العامة لمشروع "سنار عاصمة الثقافة الاسلامية لعام 2016 بعنوان "سنار: المدينةوالودلة والحضارة في الفترة بين 31 / 5 و 1 / 6 /2016.
التعريف بمنطقة الدراسة
ينبع النيل الأزرق من بحيرة تانا في الهضبة الاثيوبية، ويعرف فرعه الرئيس في الحبشة باسم أباي ويجري نحو الجنوب الشرقي ثم يتجه جنوباً ثم إلى الغرب والشمال الغربي حيث تصب فيه عددا من الروافد من جهات الشمال والشرق الجنوب عبر مناطق قوجام وداموت حتى يدخل السودان ولعل أشهر الروافد التي تصب فيه من الجنوب داخل حدود السودان خور تومات المشهور بالذهب في منطقة فازوغلى وخور أُفات جنوب منطقة الرصيرص. ويتصل بالنيل الأزرق في المنطقة الشمالية رافديه الكبيرين الرهد والدندر اللذان ينبعان من غرب الهضبة ويصبان فيه الواحد بعد الأخر شمالي مدينة سنار.
وفي نفس الوقت ارتبطت منطقة أعالي النيل الأزرق وجنوب الهضبة الاثيوبية عبر روافد نهر عطبرة وواديي القاش وبركة نحو الشمال والشمال الشرقي بالبحر الأحمر إلى جانب ارتباطهاغرباً عبر النيل الأزرق بالنيل الأوسط، ويربطها نهر عواش شرقاً بمدخل البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما تتمتع منطقة أعالى النيل الأزرق الواقعة في اثيوبيا والسودان بنسب عالية من الأمطار مما وفر الكثير من الغابات والثروة الحيوانية إلى جانب انتاج الذهب.
وهكذا تمتعت منطقة أعالي النيل الأزرق بموارد طبيعية وموقع استراتيجي جعلها ترتبط ارتباطاً قوياً بمواطن الحضارات المبكرة على وادي النيل والبحر الأحمر وأثرت وتأرت بتلك الحضارات كما دلت عليه الآثار القديمة. فقد وجدت آثار الانسان المبكرة وأدواته الحجرية في فجر تاريخ البشرية منطقة سنجة الحالية. (A. J. Arkell, A History of the Sudan from the Earliest times to 1821. P 9.) وذهب عالمي المصريات المشهورين فوربرخت ينكر vorbericht Junker و فيرث C. M. Firth كما نقل سليم حسن أن السكان القدماء الذين يرمز لهم بالمجموعة C تحركوا من منطقة أعالي النيل الأزرق شمالاً حتى استقروا شمال حلفا. (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن إلى أوائل عهد بيعنخي. ص 75.) وظلت المنطقة مرتبطة حضارياً وتجارياً بمناطق النيل الأوسط والبحر الأحمر منذ فجر تاريخ تلك المناطق.

خريطة رقم 1: منطقة عالى النيل الأزرق

Crawford, Ethiopian Itineraries, P 79.

النشاط القديم لأعالي النيل الأزرق
أعالي النيل الأزرق ومملكة كوش
ذكرت الدكتورة Jane Roy الأستاذة في جامعة Macquarie في كندا أن المصريين في عصر ما قبل الأسر ربما تحصلوا على مادة الـ obsidian من النيل الأزرق ونهر عطبرة عبر مناطق السودان الشمالية. (Roy, Jane, Egypt and Lower Nubia in the 4th Millennium BC. p 264.) كما شاركت منطقة أعالي النيل الأزرق في تجارة بلاد بنت المشهورة عبر البحر الأحمر والطرق البرية عبر السودان شمالاً، إذ يرى بعض الباحثين أن بلاد بنت كانت تشمل أعالي نهري النيل الأزرق وعطبرة. فقد ذكر بدج أن الضرائب كانت ترسل إلى ملوك الدولة المصرية الحديثة (القرنين 16 - 11 ق م) من مديريات السودان الثلاث: مديرية واوات ومديرية كوش ومديرية بنت. وكانت المواد التي تتضمنها تلك الضرائب تشبه إلى حد بعيد السلع التي كانت تأتي من بلاد بنت جنوب البحر الأحمر مثل البخور والذهب والأخشاب مما يرجح أن بلاد بنت كانت تشمل نهري أعالي النيل الأزرق وعطبرة. (Budge,The Egyptian Sudan: Its History and Monuments. p 572 - 573)
ووضحت الآثار السودانية القديمة أن منطقة أعالي النيل الأزرق كانت جزءاً من مملكة كوش الثانية منذ قيامها في القرن الثامن قبل الميلاد. فقد وجد جُعل scarab يرجع إلى الملك شبكو في مقبرة في سنار، كما وجدت أدوات مروية ومصرية قديمة وبطلمية في الفترة الواقعة بين القرنين السابع والأول قبل الميلاد في منطقة جبل موية مما يوضح امتداد حدود مملكة كوش الثانية منذ داية قيامها نحو المناطق الشرقية من أراضيها. (Arkell, p 137.)
كما تم اكتشاف مقبرة مروية شرقي النيل الأزرق قرب خزان سنار ترجع إلى بداية القرن الأول الميلادى، ومقبرة مروية أخرى على الضفة الغربية ترجع إلى منتصف القرن الرابع الميلادي. وجدت آثار مستوطنات ترجع إلى العصر المروي في منطقة الرصيرص، وفي بِجَوي شمال الرصيرص وفي منطقة فازوغلي، ووجدت عملة رومانية في مدينة سنارالقديمة. (G. A. Wainwright, Some Ancient Records of Kordofan. SNR, Vol. 28, 1947, p11.) وهكذا وظلت منطقة أعالي النيل الأزرق جزءاً من مملكة كوش الثانية منذ بداية قيامها، ومارست نشاطها التجاري حتى نهاية المملكة في القرن الرابع الميلادي.
(J. D. P. Chataway, “Archaeology in the Southern Sudan: Some Ancient Sites Near Roseires” SNR, Vol. 13, No. 1, p 160-64. Wainwright, Ibid.(


أعالي النيل الأزرق ومملكة علـوة
ولم يؤد انهيار مملكة كوش في القرن الرابع الميلادي إلى تدهور أونهاية نشاط وصلات منطقة أعالي النيل الأزرق السياسية والتجارية بمنطقة النيل الأوسط. فقد حلت مملكتا مقُرة وعلوة محل مملكة كوش الثانية منذ القرن السادس الميلادي. وتواصل ارتباط ونشاط منطقة أعالي النيل الأزرق التجاري بمناطق النيل الأوسط والبحر الأحمر. فقد ظلت منطقة أعالي النيل الأزرق الواقعة الآن على الحدود السودانية الاثيوبية داخل حدود مملكة علوة.
جاء أول ذكر لعلوة على مسلة الملك الكوشي نستاسن في النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد حيث تلقب بلقب ملك علوة Alut إلى جانب المناطق الأخرى من مملكته. وشيد هذا الملك معبداً في علوة مما يؤكد أهميتها كأحد أقاليم أو مدن مملكته. كما ورد في نقش عيزانا في القرن الرابع الميلادي أنه أرسل جيشاً للإغارة على القطر والمدن المشيدة بالطوب والقصب، المدن المشيدة بالطوب هي مدن علوة ودَرو. ويرى ماكمايكل (Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan, 2nd ed. p 46 – 47.) أن علوة أطلقت في نقش الملك عيزانا ولاحقاً في كتابات ابن سليم الأسواني على العاصمة والإقليم.
وذكر جون الأفسوسي نحو عام 580 م عن دخول القس لُنجِنوس مملكة علوة أنه "سافر بعيداً جنوب مملكة النوباديين إلى القطر الذي أطلق عليه اليونانيون إسم علوة Aludos والذي يسكنه الكوشيون." (Giovanni Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, Heidelberg and Warsaw: 1975, p 13.) وكانت حدود مملكة مفتوحة مفتوحة أمام التجار المسلين بعكس ما كان الحال عليه في مملكة مقرة حيث لم يكن يسمح بدخول المسلمين إلى الجنوب من منطقة حلفا إلا بعد إجراءات إدارية دقيقة. ولذلك فقد ارتبطت علاقات مملكة علوة وقويت عبر حدودها الشرقية وبخاصة مع الممالك الاسلامية التي قامت في شرق السودان.
وقد ألقت المصادر العربية المبكرة بعض الضوء على مملكة علوة وسكانها وحدودها. فتناولت بعض تلك المصادر أعالي النيل الأزرق والمنطقة الواقعة جنوبيه ، وأشارت إليها بالجزيرة الكبرى كما أشارت إلى سكانها. وصف ابن حوقل الجزيرة الكبرى قائلاً: "جزيرة لا يعرف لها غاية ، بها جميع الوحوش ويسكنها النوبة والكرسي ومن لايقدر – لامتناع جانبه – أن يحاط به. (ابن حوقل، صورة الأرض. في مسعد، المكتبة السودانية ص 75) وقد تعرض ابن حوقل وابن سليم والدمشقي إلى سكان هذه الجزيرة مثل العنج والكرنيكا ومرنكة وكرسي وتكنة وطُبلي.
كان العنج منتشرين في كل مناطق مملكة علوة في غرب وشرق ووسط السودان، وذكر ابن سليم (كتاب أخبار النوبة في مسعد، المكتبة. ص 103) أبو صالح الأرمني (تاريخ الشيخ أبي صالح الأرمني، في مسعد، المكتبة. ص 139) أن الكرنيكا يسكنون "الجزيرة الكبرى الواقعة بين البحرين" ويقصد بالبحرين هنا النيلين الأبيض والأزرق. وذكر ابن حوقل أن مرنكة تقطن على نهر أور في أعالي بلاد علوة والذي يجري من الشرق إلى الغرب ويصب في النيل، ويقصد بنهر أورالنيل الأزرق.
وذكر ابن حوقل (نفس المكان السابق) أن نهر أتمتي [الدندر] في أعالى النيل الأزرق "وعليه قوم من النوبة المعروفون بكرسي أمة كثيرة، ويتصلون ببلاد الحبشة على هذا النهر ... وتمتد ديارهم على النهر حتى بلاد الحبشة وأن أرضهم تنبت الذهب" أما تكنة فقد اتفقت آراء المؤرخين مثل ابن الفقيه والمسعودي وياقوت الحموي أن تكنة تقع أقصى جنوب بلاد علوة. وكتبها السعودي بالباء في أول الكلمة.(تفاصيل دلك في أحمد الياس حسين، السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية. الخرطوم: مركز بينا الأمة للبحوث والدراسات 2012، ج 2 ص 257)

وعن سكان بلد طُبلى يقول ابن حوقل ( صورة الأرض ص 74) "ذكر قوم أنهم يجتازون في أعالي هذا النهر من أعالي بلد كرسي ببلد طُبلي وهو منتهي ملك علوة على النيل ... لا ىعلم ما غذاؤهم ولا كيفية سيرتهم." وهذه إشارة إلى امتداد حدود مملكة علوة على مناطق إعالى النيل الأزرق.
وهكذا ألقت المصادر العربية بعض الضوءعلى بعض سكان أعالي النيل الأزرق مثل مرنكة وكرسي وتكنة وطبلي. ولما كان حديث المصادر العربية هنا عن سكان مملكة علوة، فإن ذلك يعني أن هذه المناطق كانت ضمن حدود مملكة علوة.
ومن المعقول جداً أن تكون الاشارة إلى مناطق الذهب فيبلاد كرسي هي نفس مناطق الذهب التي وردذكرها في المصادر اليونانية والاثيوبية والتي حددوا مواقعها بمناطق أصوصا وفازوغلي.
وإلى جانب امتداد حدود مملكة علوة في مناطق أعالي النيل الأزرق أشارت بعض المصادر العربية إلى امتداد حدود علوة شرقاً على كسلا ووادي القاش. فقد ذكر ابن حوقل أن منطقة تفلين تقع بين أعالى خور القاش شرقاً وحتى حدود مملكة علوة غرباً. وقال (المكان السابق) يصف وادي القاش ودلتاه (الدُّجَن) في القرن العاشرالميلادي:
"والنهر المعروف بالدجن يأتي من بلد الحبشة فينقطع في أعمال دجن ومزارعها، ودجن هذه قرى متصلة ذوات مياه ومشاجر وزرع وضرع. وإلى وسط هذا الوادي تفلين قرى أيضاً للبادية منهم، ينتجعونها للمراعي حين المطر، ولهم ملك مسلم يتكلم العربية من قبل صاحب علوة. ويختص أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم، فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية على دينهم يتجرون ويسافرون إلى مكة وغيرها."
ويوضح نص ابن حوقل انتشار الاسلام المبكر وقيام مملكة اسلامية في المنطقة الشرقية لمملكة علوة. واتضح نشاط مملكة تفلين وعلاقاتها التجارية بالعالم الاسلامي. كما وضح التراث الاثيوبي امتداد حدود مملكة علوة على المنطق الواقعة بين أعالي النيل الأزرق وأعالي نهرعطبرة . (Sergew Hable Sellassie, Ancient and Medieval Ethiopian History to 1270. Addis Ababa, 1972, 104, 191.) فمملكة علوة ربطت بين مناطق أعالي النيل الأزرق والمناطق الواقعة شماليها حتى خور القاش.



أعالي النيل الأزرق ومملكة أكسوم
شهدت القرون الأخيرة السابقة للميلاد ازدهارتجارة البحر الأحمر، فقد أهتم البطالمة الذين أقاموا دولتهم في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد بتجارة البحر الأحمر وسار الرومان الذين خلفوهم على حكم مصر في نهاية القرن الأخير قبل الميلاد على نهج البطالمة فتطورت وازدهرت تحارة البحر الأحمر والمحيط الهندي في عصريهما. كما أدي قيام دولة أكسوم في هذه الفترة إلى نشاط حركة التجارة الداخلية وارتباطها بطرق تجارة البحر الأحمر. انعكس كل ذلك على منطقة أعالى النيل الأزرق فشهدت فترة ازدهار وتطور في أوضاعها الاقتصادية والسياسية.
فقد جاء في نقش ميناء عدولي الذي نقله كوسماس في القرن السادس الميلادي أن اليونانيين في عصر بطلميوس الثاني في القرن الثالث قبل الميلاد احتلوا ميناء أدولس (عدولي) وتوغلوا في الداخل حتى مدينة آكسوم وعبروا نهر تكازى (عطبرة) جنوبا فدخلوا اقليم قوجام حيث منابع النيل الأزرق، وجاء في النقش اسماء السكان والمناطق التي حاربها اليونانيون جنوب نهر عطبرة. (W illiam Vincent, The Commerce and Navigation of the Ancients in the Indian Ocean. London: 1807, p111.) وكان هدف اليونانيون الأساس من تلك الحروب الوصول إلي مصادر السلع الداخلية في أعالي النيل الأزرق والتي يأتي الذهب على رأسها. وبدأت أخبار منطقة أعالي النيل الأزرق تتردد في المصادر اليونانية بعد دخولها المباشرة في تجارة عالم البحر المتوسط.
وقد اهتم ملوك أكسوم منذ بداية قيام دولتهم بمناطق انتاج الذهب وسعوا إلى المصول إليها.( Sergew Hable Sellassie, , p 59) فقد ورد أن ملوك اكسوم كانوا يرسلون إلى حاكم الأجاو جنوب بحيرة تانا لاحضار الذهب. فتخرج قافلة كبيرة يصحبها عدد كبير من التجار تحمل الملح والحديد والثيران لاستبدالها بالذهب. وعندما يصلوا مناطق الذهب تتم العملية المعروفة بالتجارة الصامتة.
يقوم التجار بذبح الثيران وبضع كل تاجراً لحما وملحا وحديداً ثم يغادر الموقع حيث يحضر الأهالي ومعهم الذهب، ويضع كل منهم بعض الذهب أمام السلعة المعروضة التي يرغب فيها ثم يغادر المكان. فإذا قبل التجار كمية الذهب أخذوه وإلا تركوا الذهب لكي يزيد الوطنيون في كميته. وهكذا تتم المقايضة والمساومة بين الطرفين. (Cosmas, The Christian Topography of Cosmas. In Giovanni Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, p 2 -3) واشتهر هذا النوع من التجارة في افريقيا جنوب الصحراء حيث كان المواطنون في تلك المناطق الداخلية يتحاشون الاختلاط بالتجار الأجانب.
وورد في وثيقة اثيوبية ترجع إلى عصر الملك الاكسومي كالب Calib تولى (535 م) ذُكِرفيها أن الملك حارب أهل ساسو sasu الذين هربوا إلى جبال وعرة. وكان هدف الحملة الوصول إلى مصادر الذهب. كما تناولت عدد من الوثائق الأكسومية أخبار حملة قادها ملك أكسوم على حدوده الغربية كان هدفها تأمين طريق الذهب القديم إلى فازوغلي. ويوضح النص أن الملك لم تكن له سيطرة على تلك المناطق كما عبر المؤرخ الأثيوبي سلاسي، ولم يكن لهم دراية بطبيعة المنطقة الأمر الذي أدى إلى فشل الحملة الذريع وهلاك الجيش بأكمله. (Sergew Hable Sellassie, p 231)
وقد حُدِّذ موقع ساسو بأنه اقليم يقع غرب اثيوبيا، وضعه كونت روزيني في منطقة نهر sese في نفس المنطقة. ذكر كراوفورد أن ساسو هي أصوصا Assossa ووادي تومات في منطقة فازوغلي هو منطقة انتاج الذهب. (O. G. S. Crawford, Ethiopian Itineraries c 1400 - 1524. Cambridge: 1958, p 80.)
والاسم الذي ذكره كوسماس في القرن السادس الميلادي tanshara لحبيبات الذهب الذي يأتي من أعالي النيل الأزرق هو نفس الاسم الذي لا يزال البِرتا في منطقة فازوغلي يستخدمونه لحبيبات الذهب sansharu حتى الآن. (Wainwright, Some Ancient Records of Kordofan. p11.) فلغة البرتا هي اللغة التي كانت مستخدمة في مناطق انتاج الذهب في القرن السادس الميلادي. وبالتالي فالبرتا كانوا العنصر الرئيس في انتاج الذهب في ذلك الوقت أي قبل نحو 1400سنة. فهل كانت مملكة فازوغلي قائمة في ذلك الوقت؟ هذه الفترة في حاجة ماسة لعناية الباحثين.
ويوضح كلذلك ارتباط منطقة أعالي النيل الأزرق التجاري بالبحر الأحمر عن طريق أكسوم ساسو فازوغلي السابق لظهورالاسلام في القرن السابع الميلادي.

أعالي النيل الأزرق وممالك الحبشة الاسلامية
وصل الاسلام إلى الحبشة - كما هو معلوم – مبكراً قبل هجرة الرسول  إلى المدينة عند هجرة المسلمين الى الحبشة، وقد وجدوا استقبالاً طيباً من ملكها النجاشي حيث استقر المسلمون لسنوات كثيرة.
وبعد انتشار الاسلام وقيام الدولة الاسلامية بدأت الصلات الطبيعية بين الجانبين وتطورت العلاقات التجارية، ووفد المسلمون تجاراً ومهاجرين ودعاة إلى سواحل الحبشة والقرن الافريقي ومناطق الداخل. وأوردت المصادر العربية أن المسلمين استولوا منذ القرن السابع الميلادي على ميناء دَهلَك في منطقة ميناء أدولس (عدولي). وتطورت علاقات المسلمين بالحبشة فقامت عدد من المراكز والمدن التجارية والثقافية انتظمت على الساحل والداخل فيما عرف في المصادر العربية ببلاد الطراز الاسلامي.( القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الانشاء. موقع الوراق ج 2 ص 331)
وأدى استقرار المسلمين المبكر على سواح البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى اتصالهم بمناطق الداخل وقيام المدن والمراكز التجارية التي تطورت إلى ممالك اسلامية على طول امتداد الهضبة الحبشية الجنوبي من الشرق إلى الغرب. وقد تناول القلقشندي سبعة من تلك الممالك تظهر منها خمسة على الخريطة رقم 2 وهي: مملكة وفات (أو إفات) ومملكة دوارو ومملكة هدية ومملكة بالي ومملكة دارة. (Trimingham, Islam in Ethiopia. P 60, 180.) والمملكتان الأخريتان عند القلقشندي هما: ارابينو وشرحا. كما تناول ترمنجهام بعض الممالك الأخرى التي لم تظهر على خريطته هذه وهي: ممالك عدَل وهوبات وجدايا. وهذه الممالك الثلاث تقع في المنطقة الواقعة بين الساحل ومنطقة شوا.
خريطة رقم 2, الممالك الاسلامية في الحبشة

J. S. Trimingham, Islam in Ethiopia. P 64.
كما أشار ترمنجهام أيضاً إلى مملكة سيداما الاسلامية في مناطق قوجام ومملكة داموت على الحدود السودانية الحبشة في مناطق أعالي النيل الأزرق. وقد ذكر القلقشندي (المصدر السابق ج 2 ص 324.) اقليم داموت من بين أقليم الحبشة. وهكذا انتشر المسلمون في كل مناطق الحبشة الجنوبية وقامت في المنطقة أكثر من عشرة ممالك اسلامية قبل انتشار المسيحية في هذه المناطق بعد القرن الثاني عشر الميلادي.
ولعل أقدم الممالك الاسلامية في داخل بلاد الحبشة هي المملكة التي أسسها بنو مخزوم عام 283 هـ / 896 م في اقليم شوا الواسع الي يمتد شرقي نهر أباي (النيل الأزرق). وكانت عاصمتها والاله شمال مدينة أديس اببا الحالية، وقد عرفت المملكة باسم مملكة بني مخزوم ومملكة شوا. وورد في موقع ejabat.geogle.com أنه تم اكتشاف بقايا ثلاث مدن اسلامية قديمة في قلب مملكة شوا هي: أسبري ومماسال ونورا.
وقد تم الكشف في مدينة أسبري عن مسجد ضخم بحالة جيدة، ربما هو الأكبر من نوعه في أثيوبيا، كما وجدت مقبرة ممتدة لعدة هكتارات مما يشير إلى الكثافة السكانية العالية في المنطقة. ووضحت الكشوفات الأثرية أن مدينة نورا كانت مركزا للحضارة وظهر ذلك من خلال شبكة من الشوارع وبقايا الطرق، وأن مسجد المدينة لا يزال يحتفظ بحوائطه البالغ ارتفاعها خمسة أمتار. ويعتقد أن مملكة شوا قد بلغت أوج عظمتها في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). وذكرت المخطوطات القديمة – كما ورد في الموقع – أن مملكة شوا كانت تسيطر على طرق التجارة الرئيسة بين موانئ البحر الأحمر والقرن الافريقي وبين مراكز ومناطق انتاج السلع في الداخل حتى أعالي النيل الأزرق منذ مشارف القرن العاشر الميلادي .
وكان لتوغل الممالك الاسلامية في الداخل ووصولها مناطق السلع الداخلية في الحبشة واتصالها بالمحيط الهندي إلى انخراطها النشط في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي، إلى جانب نشاطها التجاري عبر الطرق البرية من أكسوم إلى مصر والذي شهد انتعاشاً كبيرا منذ القرن التاسع الميلادي.( Sergew Hable Sellassie, Ancient and Medieval Ethiopian History. P 205.) أدى كل ذلك إلى إزدهار تلك الدول وتطور مرافقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولم تتمكن الأسر المسيحية التي حكمت الحبشة في تلك الفترة من بسط سيطرتها عليها حتى القرن الرابع عشر الميلاد.
وقد أدى وجود هذه الممالك الاسلامية منذ القرن التاسع وحتى القرن الرابع عشر بين القرن الافريقي في الشرق ونهر أباي (النيل الأزرق) في الغرب إلى رتباط مناطق أعالي النيل الأزرق المبكر بالمسلمين وتجارة المحيط الهندي. ويعني ذلك أن نشاط منطقة أعالي النيل الأزرق التجاري لم يرتبط فقط بطريق عدولي عبر اكسوم إلى مناطق أصوصا وفازوغلي بل ارتبط أيضاً بالمحيط الهندي عن طريق زيلع على القرن الأفريقي عبر مملكة شوا الاسلامية وغيرها من الممالك الاسلامية في جنوب الحبشة. وأد ى ذلك إلى نشاط منطقة أعالي النيل الأزرق التجاري وتطور ونمو أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية وقيام الممالك المبكر في المنطقة.

ممالك أعالي النيل الأزرق
أشارت المصادروالروايات المحلية الاثيوبية إلى عدد من الممالك في مناطق جنوب بحيرة تانا وقوجام وعلى الحدود الحالية بين دولتي السودان واثيوبيا في اقليم داموت وفي المناطق الشرقية لولاية النيل الأزرق. ومن بين الممالك التي ورد ذكرها في المصادر والروايات الشفهية الاثيوبية وبعض المصادر العربية مملكة داموت ومملكة بنو الهموية ومملكة ناريا على حدود داموت الشرقية والمملكة الكوشية والممالك التي تحكمها ملكات ومملكة العرب.ومملكة قوجام.
ولم تتوفر معلومات تساعد على التعرف على كل تلك الممالك، فبعضها وردت الإشارة إلى اسمه فقط مثل المملكة الكوشية والممالك التي تحكمها ملكات ومملكة العرب. وربما وردت الاشارة إلى بعضها بأكثر من اسم واحد. وقد ورد عن مملكة قوجام أن حاكمها رفض دفع الضريبة للملك الحبشي في أول القرن 13م. فحاربه الملك واضطر للانصياع ودفع الضريبة، ثم تحسنت العلاقات بين الجانبين فأرسله الملك مبعوثا عنه إلي اليمن. وتذكر الرواية أنه تأثر بالاسلام واتخذ الحريم وأصبح يتناول الطعام على الطريقة الاسلامية، وقيل انه ذهب لزيارة حاكم مصر دون إذن الامبراطور.( Ibid. p 49, 97, 231.) وتوفرت بعض المعلومات عن مملكتي دامت وبنو الهموية بما يمكن من لإلقاء بعض الضوء على نشاطهما.
مملكة داموت
تقع منطقة داموت جنوب أعالى النيل الأزرق. وتجاور من ناحية الشرق الممالك الاسلامية الكبرى التي قامت في جنوب الحبشة مثل ممالك شوا وهديا وبالى وافات ودوارو وفتجار وعدل. ويحد داموت من الشمال والشمال الغربي منطقة قوجام
خريطة رقم 3: مملكة داموت

Crawford, Ethiopian Itineraries, P 79.
وإلى الشمال من قوجام وجنوبي بحيرة تانا تقع منطقة أجاو المشهورة على طرق تجارة الذهب، وقد ذكر كوسماس في القرن السادس الميلادي أن التبادل التجاري بين تجار أكسوم والبحر الأحمر كان يتم عبر الأجاو في هذه المنطقة.( William Vincent, The Commerce and Navigation of the Ancients, p 541.) ويضيف ترمنجهام أن منطقة الأجاو المشار إليها هنا ربما كانت فازوغلي الحالية.( Trimingham,Islam in Ethiopia p48 not no. 2) ويلاحظ على الخريطة أنه كتب على الطريق بين قوارا ونهر الدندر كلمة "تونس"، أي أن هذا الطريق لا يربط هذه المناطق شرقاً بالبحر الأحمر فقط بل يربطها أيضاً غرباً عبر النيل الأزرق ومراكزه التجارية نحو مدينة سوبة التي ترتبط شمالاً بدول البحر المتوسط.
وينبغي التنبيه على أن هذه الخريطة جمعت أسماء ومواقع الأماكن فيها من معلومات استندت على ما ذكره روزي من بعض رهبان الحبشة في نهاية القرن الخامس عشَر الميلادي أي قبل قيام دولة الفونج.
هذه هي المنطقة التي قامت عليها مملكة داموت، وقد ذكرها القلقشندي (ج 2 ص 324) من بين أقاليم الحبشة وهي كما قال: "أمحرا الذي به الآن مدينة المملكة، ثم إقليم شاوة، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لامنان، ثم إقليم السهيو، ثم إقليم الزلح، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطراز الأسلامي."
وكانت مملكة داموت تتوسع أحياناً شرقاً حتى مناطق السهول الجنوبية الشرقية للحبشة وهي مناطق الممالك الاسلامية المبكرة. فقد ذكر ابن خلدون (كتاب العبر، ج 6 ص 199.) أن مملكة داموت ضمت إليها مملكة افات وسكان هذه المناطق من عناصر الأجاو والسيدامو، ويعرفون أيضاً بالكوشيين الجنوبيين، ويمثلون السكان الأصليين في المنطقة. وقد ذكر روزي عن الراهب الحبشي توماس في أول القرن السادس عشر أن هذا الراهب ولد في داموت، ووصفه بأنه شديد السواد بلحية وشعر طويلين ووجه جميل وطويل. وكان الأجاو عناصراً نشطةً في التجارة وبخاصة تجارة الذهب التي يسيطرون على نهاية طريقها الذي يأتي من أكسوم إلى أعالي النيل الأزرق.( Crawford, Ethiopian Itineraries, p 95.)
ويبدو أن ارتباط سمعة داموت بالذهب ترجع إلى ما قبل القرن السادس الميلادي حيث يُعتقد أن وثيقة ميناء أدولس في القرن الثاني قبل الميلاد التي تحدثت عن ذهب ساسو في غرب أثيوبيا تشير إلى منطقة داموت. وقد علق كراوفوردعلى ذلك قائلاً: في واقع الأمر فإن منطقة انتاج الذهب هذه تقع في وادي تومات Tumat جنوب فازوغلي. (Ibid. p 80.) أنظر مواقع فازوغلي من داموت على الخريطة وتأمل مدى الصلات التي ربطت تلك المناطق في الماضي.
وتطورت مملكة داموت واتسعت حدودها حتى وصفها المؤرخ الأثيوبي سلاسي بأنها أصبحت منافسةً لمملكة أكسوم في الشمال. كما تورد الوثائق الاثيوبية خبر حملة كبيرة قادها امبراطور أكسوم في القرن التاسع الميلادي لاخضاع مملكة داموت، إلا أن الحملة فشلت فشلاً ذريعاً. (Sergew Hable Sellessie, 231) وقد انتشر الاسلام مبكراً في المنطقة، وتم العثور على عدد من شواهد قبور المسلمين في مملكة داموت. (Crawford, Ethiopian Itineraries, p 78.) وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر ضمت اثيوبيا أغلب هذه المناطق بما فيها مملكة داموت.

مملكة بنو الهموية
توفرت بعض المعلومات عن هذه المملكة في عدد من الوثائق الاكسومية ووثيقة عربية إلى جانب بعض الروايات المحلية. تناولت إثنان من تلك الوثائق الأكسومية أخبار هذه المملكة في الرسالة التي كتبها ملك الحبشة إلى ملك النوبة في القرن العاشر الميلادي يشكو فيه من تردي الأوضاع في مملكته وحاجة الكنيسة الحبشية إلى مطران، ويطلب منه الكتابة إلى البطرك في الاسكندرية ليرسل إليهم مطراناً. وقد ورد نصان لهذه الرسالة ورد أحدهما في كتاب ابن المقفع واعتمد عليها المؤرخ الاثيوبي جاء في رسالة ملك الحبشة:
"أن إمرأة ملكةً على بني الهموية ثارت عليه وعلى كورته، وسبت منها خلقاً كثيراً، وأحرقت مدناً كثيرة، وأخربت البيع، وطاردته [أي الملك] من مكان إلى مكان ..." (نص الرسالة كاملة في كتاب ساورس بن المقفع، تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية. في مسعد، المكتبة، ص 87)
وفي الوثيقة الثانية التي نقلها سلاسي عن بدج من كتاب:The Book of Saints of the Ethiopian Church لم ترد فيها إشارة إلى مملكة بني الهموية أو ملكتها، بل ذكر الملك في رسالته إلى ملك النوبة أن "الأعداء احرقوا مدننا وكنائسنا، وطاردوننا من مكان إلى آخر" (Sergew Hable Sellessie, Ibid, 224.) ولم تحدد الوثيقة المنطقة التي جاء منها الأعداء. ولكن صياغ الرسالة جاء مثل صياغة الرسالة الماضية مما يشير إلى أن الأعداء أتوا من نفس المكان "بنوالهموية"
وتناول ابن حوقل (صورة الأرض، ص 76) الذي زار سواحل البحر الأحمر وتناولت أحداث الحبشة التي كان معاصراً لها في القرن العاشر الميلادي. جاء عنده ما يلي:
"وأما بلد الحبشة فملكتهم إمرأة منذ سنون كثيرة، وهي القاتلة لملك الحبشة المعروف بالحضاني، وهي مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور الحبشة، وهو بلد عظيم لا غاية له ومفاوز وبراري يتعذر مسلكها"
وأورد سلاسي وثيقتين اكسوميتين أخريتين تناولتا أحداث حروب الملكة التي اجتاحت الحبشة تعود إلى نفس الفترة الزمنية للوثائق السابقة. ونسبت الملكة إلي أصول محلية لكنها أتت من الشام بجيش مع ابن ملكه. وقد عرفت الملكة في هذه الوثائق بعدد من الأسماء أشهرها جودت Judit، وحكمت الملكة لمدة أربعين سنة انتهت بموتها عام 910م.
ولم تذكر الوثائق أسباب حروب الملكة. جاء في بعض الوثائق أن الحرب كانت عبارة عن انتقام لهجوم ملك اكسوم الفاشل على بلادها. بينما ورد في وثيقة أخرى أن الملكة لما علمت بانهيار جيش اكسوم الذي ذهب لمحاربة العرب في أقصى غرب الحبشة اغتنمت هذه الفرصة وشنت هجومها على الحبشة. (Sergew Hable Sellessie, Ibid. p 224.)
وأختلفت الروايات في تحديد المكان الذي أتت منه هذه الملكة، وأغلبها ربطتها بمنطقة بنو الهموية. وحاول الباحثون التعرف على هذا المكان، وقد ناقش سلاسي الروايات التي تناولت تحديد موقع ملكة بني الهموية، فذكر أن بعضهم جعلها تنتمي لليهود، وبعضهم جعلها تنتمي للأجاو. وربطها كراوفورد بالإقليم الذي كان يطلق عليه Onno-Amayya في غرب أديس أببا.( Crawford, Ethiopian Itineraries. p 82.)
وجعل كونت روزيني موقع بني الهموية غرب قوجام في اقليم داموت. ويرى روزيني أنه قامت هنالك مملكة كوشية قوية ظلت عائشة حتى نهاية القرن الثالث عشر. (Sergew Hable Sellessie, 230, Carlo Conti Rossini باحث مشهور في التاريخ والتراث الاثيوبي، رصد له كراوفورد في مراجعه عدد 22 دراسة عن اثيوبيا نشرت بين عامي 1892 و 1946.)
يرى سلاسي "أن المصادر المحلية والروايات الشفاهية تقود بقوة إلى أن ترجيح رأي روزيني الذي جعل بني الهموية في منطقة داموت. وذكر أنه جاء في حوليات الملكين الأثيوبيين Zara Ya`eqop وBa`eda maryam بين عامي 1434 - 1478م أن الجغرافيين المتأخرين أكدوا أن هنالك مملكة في جنوب غرب اثيوبيا كانت تحكمها ملكات وليس ملوك، وأن واحدة من تلك الملكات حاربت مملكة الحبشة. كما ذكر الراهب الحبشي توماس أن داموت تحكمها ملكات وأن إحدى ملكاتها المشهورة حاربت مملكة الحبشة (Ibid. See also Crawford, Ethiopian Itineraries p 94, 149.)
وجاء في الروايات التي نقلها روزيني عن الراهبين الحبشيين توماس ورافائيل في مستهل القرن السادس عشر بعض ما يوضح الروايات الحبشية المحلية عن ملكة بنوالهموية. فقد ذكر توماس "أن مديرية دامُت وفوج Voge تحكمها ملكة، وأن تلك المنطقة بها ممالك أخرى كلها تحت حكم ملكات" وذكر رافائيل أن مديرية داموت آخر مديريات برستر، (أطلق الغربيون لقب "برستر جون" على ملوك الحبشة.) وهي مديرية عظيمة حيث يحفر الذهب بكميات كبيرة ونوعه جيد، وتحد هذه المديرية بأرض عظيمة تحكمها امرأة" (Crawford, Ethiopian Itineraries p 81, 177.)
ويتفق هذا الموقع مع ما ذكره ابن حوقل (صورة الأرض. ص 76.) من أن موقع بني الهموية في حديثه عن الملكة بأنها "مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور الحبشة " فموقع بلد بنو الهموية وما استولت عليه من بلاد الحبشة يقع في دبور الحبشة. أي في آخر بلاد الحبشة.
يلاحظ أنه يفهم من بعض الوثائق أن مملكة بنوالهموية أتت من خارج بلاد الحبشة. فقد جاء على لسان ملك الحبشة في رسالته إلى ملك النوبة أن المحاربين بقيادة الملكة "أعداء احرقوا مدننا واجتاحوا كنائسنا" فالتعبير "بكنائسنا ومدننا" بنون المتكلمين تشير إلى عدم انتماء المخاطبين (الأعداء) إلى بلد الملك، كما ذكر الملك أيضاً أن الأعداء "أخذوا الكثير من الأسرى من قطرنا" (Sergew Hable Sellessie, p 224.) فالأعداء ليسوا من قطر الملك.
ويشير نص ابن حوقل (صورة الأرض، ص 76) عن الملكة أيضاً أنها في منطقة مجاورة لبلاد الحبشة، فقد ذكر بأنها "مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور الحبشة " فملكة بنو الهموية كانت في عصر ابن حوقل تحكم بلدها المجاور لآخر بلاد الحبشة إلى جانب ما استولت عليه من بلاد الحبشة. والاشارة إليها بالكوشية توضح أن روزيني قصد بها مملكة سودانية وليست حبشية.
وتوضح الروايات عن حملة الملك الاكسومي الذي حاول غزو وضم مناطق الذهب لمملكته أن الجيش كان يجهل مناطق مصادر الذهب التي حاول غزوها مما أدي إلى فشلها الذريع وهلاك الجيش كله بما فيه الملك. (Sergew Hable Sellessie, p 230.) ويوضح جهل الجبش بتلك المناطق بأنها خارج بلادهم. وتوصف تلك المناطق بأنها بلد العرب التي تقع في غرب الحبشة.
وذكر سلاسي أن البلد المجاور لاقليم شنجيلا Shangilla يعرف باسم بلد العرب. ووردت الاشارة إلى بلد العرب في حوليات الملك الاثيوبي عمدا زيون (1314 - 1344م)، حيث جاء أنه كان إقليما هاما يتم تعيين حاكمه بواسطه الامبراطور مباشرة. ويواصل سلاسي قائلاً: "ولما كانت كلمة عرب قد ذكرت مباشرة بعد ذكر داموت فأن بلاد العرب تجاور مباشرة مديرية داموت." (Ibid.) ويرى ترمنجهام أن بني شنقول اقليم على النيل الأزرق يسكنه البرتا وحلفاءهم الذين يطلق عليهم الاثيوبيون "العرب السود" لأنهم مسلمون ويتحدثون العربية" (Spencer Trimingham, Islam in Ethiopia. P 7 note 1.)
وكان حاكم منطقة بني شنقول وأصوصا في منتصف القرن العشرين الشيخ خوجلي الحسن الركابي يعرف بحاكم بلاد العرب. وطل صدي حكم ونفوذ الملكات يتردد في المنطقة، مثل الملكة آمنة الركابية زوجة الشيخ خوجلي المذكور أعلاه التي اعتقلها الانجليز وسجنوها، والملكة آمنة والملكة فنجانة. والسيدة خديجة التي ترجع إليها الروايات المحلية أصول القبائل العربية في جبال البرتا. (جعفر مصطفى عابدون، بني شنقول الأرض والشعب.بدون ن. وت. صفحات 2 و6 و8 و9 و24)
فمملكة داموت التي اشتهرت بأنها كانت تحت حكم ملكات، ربما كان مركزها في القرون الميلادية المبكرة قبل عصر الملكة التي غزت الحبشة داخل حدود السودان الحالية حيث مواطن الذهب في منطقة فازوغلي الحالية، وكانت سكانها يمتدون شرقا وجنوبا داخل في أراضي اثيوبيا الحالية. كما نقل الرحالة فردريك كايو – الذي رافق اسماعيل باشا في رحلته إلى منطقة فازوغلي ما كان يتردد في التراث السوداني في في تلك المنطقة من أن مملكة سنار قامت منذ وقت طويل و"حكمتها اثنتا عشَر ملكة وعشَر ملوك قبل قيام دولة سنار في أول القرن السادس الميلادي" (فردريك كايو،رحلة إلى مروي والنيل الأبيض وما وراء فازوغلي . ص 181)
فهل مملكة بنو الهموية هي المملكة الكوشية التي أطلق عليها الكونت روزيني هذا الوصف "الكوشية" والتي عاشت حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، لأن ملوك الحبشة بدأوا التوسع في هذه المناطق وضموها لحدودهم في القرن الرابع عشر.



مدينة سنار في مخطوطة حبشية في القرن 10م
ترجع هذه المخطوطة إلى عصر الملك الأكسومي Dil Ne’ad (905 – 915 م) الذي يظهر في ذيل قائمة ملوك أكسوم في الفترة السابقة للقرن العاشر الميلادي والتي نشرها المؤرخ الأثيوبي سلاسي. وقد ذكر سلاسي أن أغلب الوثائق التي اعتمد عليها في كتابه غير منشورة. والوثيقة المعنية هنا كما أشار عبارة عن مخطوطة غير منشورة مأخوذة من Chronicle of Ethiopia يمتلكها Tekle Haimanote مكتوبة باللغة الحبشية القديمة ترجمها المؤلف إلى اللغة الانجليزية. والمخطوطة تقريباً في حجم صفحة كتاب من الحجم المتوسط كما هي منشورة في الكتاب. ولم يوضح المؤلف تاريخ كتابتها واللغة الحبشية المكتوبة بها، (Sergew Hable Sellasse, Ibid. p 203) وأعتقد انها مكتوبة باللغة الجعزية.
تتناول المخطوطة بعض الأحداث في عصرالملك Dil Ne’ad ، ووضحت أن الملك أرسل ثلاثة من كبار قواده العسكريين إلى ثلاث جهات في الجزء الجنوبي من مملكته ومعهم الكثير من الجند لكي يكتشفوا تلك الأراضي ويكتبوا تقارير عنها بغية تطوير موارد المملكة. ونص المخطوط أن القائد الأول اتجه نحو شِوا والقائد الثاني إتجه نحو إناريا واتجه القائد الثالث نحو سنار. وتوضح المخطوطة أن اثنين من القادة رجعوا ولم يكملوا مهمتهم نسبة لاعتراض الصحارى لطرقهم. أما القائد الثالث الذي أتجه إلى سنار فقد وجد بحيرة ماء عذب، وأحضر معه – دلالة على وصوله تلك المناطق – قصبة طولها أربعون ذراعاً.
المنطقتان الأولى والثانية المذكورتان في النص "شوا وإناريا" معروفتان في اثيوبيا. فشوا أقليم كبير ومشهور حنوب منطقة أديس أببا الحالية حيث قامت أقدم الممالك الاسلامية في داخل الحبشة منذ القرن الرابع الهجري (10 م)، وتقع إناريا شرقي مملكة داموت. ولم يرد في المصادر الاثيوبية أو في كتب الرحالة وخرائطهم منطقة أو مدينة باسم سنار داخل الأراضي الاثيوبية. وعلق سلاسي في الحاشية عن سنار بأن هذه المناطق التي أرسلت إليها البعثة ترددت في كتب الرحالة منذ القرن الخامس عشَر الميلادي، ولم يعلق أو يحدد أماكن تلك المناطق بما في ذلك سنار.
والرحالة الذين أشار إليهم المؤلف – كما ورد في حاشيته – أراد بهم أعمال الرحالة وخرائطهم التي حررها كراوفورد (Ethiopian Itineraries c 1400 - 1524) ولم يرد في يوميات أولئك الرحالة ذكر لمدينة سنارإذ لم يصل أحد منهم تلك المناطق. والمكان الوحيد المعروف بسنار في كل المنطقة هي سنار عاصمة دولة الفونج التي ترجع الروايات تأسيسها إلى القرن السادس عشَر الميلادي، أي بعد ستة قرون من ذكر سنار في هذه المخطوطة.
ورغم المبالغة في طول القصبة التي قيل أنه أحضرها الشخص الذي ذهب إلي جهة سنار وهي أربعون ذراعاً، إلا أنه ربما أشار ذلك إلي نبات الخيزران المشهور بطوله، فقد ذكر Davies أن نبات الخيزران يتواجد بكثرة في مناطق جبال الانقسنا وعلى طول الحدود الحالية بين السودان واثيوبيا. (H. R. J. Davies, Some Tribes of the Ethiopian Borderland Between the Blue Nile and Sobat River. SNR, Vol. 41, 1960, p 22.)
وقد ترددت الكثير من الاشارات في التراث المحلي السوداني المخطوط إلى ما يشير إلى وجود مملكة في المنطقة سابقة لقيام دولة الفونج. فقد جاء في مخطوطة الدرديري محمد الخليفة الذي كان خليفة للتجانية بخرسي والتي ترجع إلى القرن الثامن عشر الميلادي ما يشير إلى وجود مدينة سنار قبل قيام دولة الفونج. ورد في المخطوط ما يلي:
"سنار مدينة حبشية مشهورة يسكنها الزنوج والنوبة تحت حكم الحبشة، وعندما أصبحوا أقوياء خرجوا عن طاعة الحبشة واتخذوا لهم ملوكا، وحموا أنفسهم وبلدهم من الحبش" (Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan p 198)
وموضوع علاقة الحبشة بالمنطقة قبل قيام دولة الفونج موضوع في غاية الأهمية ويتطلب ضرورة الاهتمام به في تلك الأوقات التي لم تكن فيها حدوداً فاصلة بين السكان، وكان امتداد حدود الممالك يعتمد على مدى قدراتها العسكرية. وما ورد في المخطوط لا يعني أن سنار "مدينة حبشية" بل يعني أنها كانت خاضعة للحبشة ولم تكن جزءاً من بلادها.
ولم يكن مفهوم الحبشة في ذلك الوقت مقتصراً فقط على سكان دولة اثيوبيا الحالية بل كان أوسع من ذلك. وكان بعض الحبش يعتبرون مواطنين سودانيين، فقد حاء في نفس المخطوطة أن "أصل السودان أهل الوطن النوبة والحبش والزنج" (Ibid. p 197.) وقد وضح كاتب المخطوطة أن سكان سنار "نوبة وزنوج" ولم يقل أن سكانها حبش.
ونود هنا الاشارة فقط إلى ما تردد في التراث الشعبي السوداني عن وجود مدينة سنار قبل قيام دولة الفونج. وقد ورد في التراث المحلي أيضاً كما نقل الرحالة فردريك كايو – الذي رافق اسماعيل باشا في رحلته إلى منطقة فازوغلي أن مملكة سنار قامت منذ وقت طويل و"حكمتها اثنتا عشَر ملكة وعشَر ملوك قبل قيام دولة سنار في أول القرن السادس الميلادي" (فردريك كايو،رحلة إلى مروي والنيل الأبيض وما وراء فازوغلي ص 181)
أما الرحالة ديفد روبيني الذي زار عام 1523 م عمارة دنقس أول ملوك سنار في عاصمته الأولى "لامول" ul، Lamومكث معه عشَرة أشهر، فقد ذكر أنه عندما غادر مقر الملك متجهاً إلى مصر على طريق النيل الأزرق وصل بعد تسعة أيام من لامول إلى سنار حيث يقيم عبادية (Obadiah) المسؤول عن بيت مال ملك سنار. والاسم مكتوب بهذه الصورة Obadiah كما في نص المؤلف. ويرى بعض المؤرخين أنه ربما قُصِد به عبدالله جماع الذي كان مقيماً في سنار قبل أن ينتقل إليها الملك عمارة دنقس من لامل. ( S. Hillelson, “David Reubeni: An Early Visitor to Sennar” SNR, Vol. 16 part 1 p 60.)
ويرى آركل أن مدينة سنار أو موقع المدينة كان مركزاً تجارياً هاماً منذ العصر المروي أطلُّوا عبره على مصادر سلع أعالي النيل الأزرق. (Arkell, A History of the Sudan, p136.) وأيّد آركل وجهة نظره هذه بقطعة النقد المعدنية الرومانية التي عُثر عليها في أحد القبور في مدينة سنار القديمة. (Arkell, SNR, vol. 15, part 2, p 271) فوجود عملة رومانية في منطقة سنار يشير بوضوح الى مساهمتها في تجارة مملكة مروي قبل انهيارها في القرن الرابع الميلادي.
وحتى لو لم تكن هذه العملة رومانية بل بيزنطية أي ترجع للعصر البيزنطي - كما في وجهة النظر الأخرى- فإنها أيضاً تشير إلى مواصلة المنطقة في التجارة العالمية في القرن الرابع الميلادي. إذ ان الامبراطورية البيزنطية (الامبراطورية الرومانية الشرقية) قد آل إليها حكم مصر بعد انقسام الامبراطورية الى قسمين غربية وشرقية قبل انهيارها في القرن الخامس الميلادي.
وقد كانت لمدينة او منطقة سنار بناءً على ذلك نشاط تجاري قديم وصلات بمناطق أعالي النيل الأزرق وفازوقلي - او مملكة فازرقلي- وساسو شمالاً عبر منطقة وادي القاش فالبحر الأحمر، ومن جانب آخر عبر الطريق البري شمالاً الى مصر. كل ذلك يؤكد بوضوح نشاط منطقة سنار التجاري - والذي لابد من أن يكون صاحبه تطور سياسي - منذ أكثر من ألف سنة قبل قيام دولة الفونج. ويودي ذلك إلى ضرورة الاهتمام بتاريخ المنطقة القديم، إلى جانب ضرورة الاهتمام بالتراث والوثائق الاثيوبية لما لذلك من أهمية واضحة على تاريخنا في حقبه المتتالية.
خاتمـة
اتضح ارتباط وتفاعل ومساهمة منطقة أعالي النيل الأزرق الواقعة الآن على الحدود السودانية الاثيوبية في الثقافات المبكرة والحضارات القديمة على نهر النيل والهضبة الاثيوبية. فقد ارتبطت المنطقة بالطرق التجارية البحرية بالمحيط الهندي والبحر الأحمر، كما ربطتها الطرق البرية بمناطق نهرالنيل الأوسط. أدى ذلك إلى التطور المبكر لنظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فنمت المراكز التجارية والمدن التي تطور بعضها إلى ممالك امتدت عبر الحدود السودانية الاثيوبية. وقد تحول مركز تلكالممالك حسب النشاط السياسي والتجاري المجاور لها.
ولما كان أغلب النشاط التجاري والحضاري القديم السابق واللاحقة للميلاد مركزاً في المناطق الغربية والشمالية الغربية لأعالى النيل الأزرق، فقد ارتبطت المنطقة تجارياً وتقافياً بمملكتي كوش وعلوة، ودخلت الكثير من مراكز وممالك تلك المناطق داخل حدودهما. ولعل من أهم ممالك المنطقة التي تحتاج إلى عناية الباحثين هي ممالك داموت وبني الهموية وفازوغلي، كذلك تتطلب المنطقة ضرورة المسح والتنقيب الآثاري، وينبغي من المؤسسات البحثية جمع الروايات الشفهية من العديد من مراكز المنطقة والمدن القديمة مثل الرصيرص وكيلى وقلي وقبا وديسا، ودراسة قبائل المنطقة ولغاتها لإلقاء الضوء على تاريخ هذه المناطق قبل قيام دولة الفونج.
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1773

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1472710 [ابو لستك]
0.00/5 (0 صوت)

06-08-2016 12:47 AM
يا سلام عليك يا دكتور والله هذا هو السهل الممتنع الموضوع جمع ما بين سلاسة الأسلوب و غزارة المعلومات. بارك الله فيك و امد فى ايامك


د أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة