06-11-2016 03:03 PM


توقفت بكم ايها الاحباب فى نهلية الحلقة الاولى من حديث الذكريات عن الصرح الكبير عند سيرة معلم الاجيال الراحل الكريم "شيخ"عبيد عبدالنور"الذى اختيرلتقاسم منصب ومهام نائب الناظرمع المسترليق البريطانى الجنسية مثلما تم الامرلحنتوب حينما انتقل اليها معلم فريد اخرمن كبارالاساتذة فى كلية غوردون هوالتربوى الكبيراحمد محمد صالح(عليه فيض من الرحمة فى اعلى عليين)يشاركه تصريف مهام نائب الناظرومساعدة المستربراون كان مستركرايتون.لم يبق الرجلان طويلا في حنتوب فقد جاء اختيارالاستاذ احمد محمد صالح فى عام 1947 لقيادة العملية التربوية تحت لقب"العميد" فى مدرسة التجارة الثانوية بام درمان وذهب المستركرايتون لأفتتاح ونظارة مدرسة رومبيك الثانوية فى مديرية بحرالغزال.وقبل الانتقال الى مواصلة سيرة مدرسة وادى سيدنا فى عهدها الجديد وبداية لحقبة تاريخية ممتدة تحت "نظارة" كبارالمعلمين السودانيين آثرت ان انهى تلك السنوات الاولى تحت ادارتها البريطانية (مسترلآنق ونائبه مستر ليق) المنتهية فى آخرعام 1950 بتذكارشىء مما وردنى من اخباراالمسترليق الذى سردعنه طلابه ولا يزالون يجترون الوفير من اخباره ما يجعل منه شخصية اسطورية غريبة الاطوار والتصرفات ربما وصلت به احيانا الى حد الجنون وما اغربها كانت من تصرفاته (كما ورد منها بعد مغادرته السودان الى بلاده) الآ اختياره بنفسه ان يبارح الدنيا الفانية بيديه باطلاق النارعلى رأسه بعد ان قام بارداء زوجته وطفليه قتلى بدم بارد عمدا ومع سبق ألأصرار.ظل المستر ليق بعد انتقاله من كلية غردون الى وادى سيدنا يواصل تدريس مادة العلوم الطبيعية الى جانب قيامه بتصربف ما أُوكِل اليه من مهام مساعد الناظر.مستر"ليق" كان يتحدث اللغة السودانية الدارجه بطلاقه ولا يتوانى مستخدما احيانا ابشع الالفاظ وحوشيها عند منازلة ومناكفة من كانوا يتطاولون عليه او يجرؤون على معاظلته او يتداولون الحديث عنه فى وجوده سواء جهلا منهم بانه غيرعليم بما يقولون او قصدا منهم لآستفزازه فيفاجئهم بردوده وتعليقاته التى تخرج فى كثير من الاحيان عما يجب ان تسود عليه علاقات المعلمين بالطلاب.جاء فى الأخبارعنه انه كان يهوى جمع الحشرات والهوام والثعابين على وجه الخصوص فى اطارما كان قد عرف عنه من حب للمغامرات وركوب المخاطروالاهوال و"من شِعارو دخول المآزق" وأرتياد المهالك.تمثّل ذلك–حسبما ما وردنى من سعادة السفير عبدالرحمن حمزه (اكبرابناء الراحل الشيخ حمزه الريح (كبير سائقى اسطول "كوامر" وادى سينا..وهومن عاصرايام وادى سيدنا الزاهيات منذ ان "برزت من قرابها" الى ان"مال ميزانها وحان غروبها" وكان من اواخر المغادرين ارضها من العاملين الذين كانت نفوسهم يغمرها الاسى من بعد عيش طاب لهم فى ربوعها اكثرمن عقدين من الزمان) بطبيعة الحال لا بد ان يكون ألأخ عبدالرحمن فى صباه الباكر قبل التحاقه بالصرح العظيم دارسا) قد شهد المسترليق او سمع عنه بحسبان ما كانت للمسترليق من صلات ود ممدودة بالشيخ حمزه الريح اعجابا بسابق خبرته العسكرية وبقوّة بنيته الجسمانية المتماسكة مما اوحى له توطيد المزيد من العلائق به مما جعله يطلب من"شيخ حمزة "مصاحبته خلال احدى العطلات المدرسية فى رحلة للوصول الى اعالى نهرالاتبراوى على قارب ب "موتور" تمكن الخواجه من الحصول عليه – ربما كان فى اعتقاد "الخواجه"– ان تم لمغامرتهما النجاح فانها ستجعل لهما موقعا بين من خلُدوا سيرة عبرالتاريخ ويصبح لهما ذِكرا لين المكتشفين من امثال ليفينقستون وألبرت وغيرهما من كبارالمستكشفين ادغال افريقيا .وحسبما روى الشيخ حمزه عندعودتهما من تلك الرحلة - وقد كتب الله لهما النجاة من تلك المغامرة المجهولة العواقب - عن الرحلة انها بدأت على خيرما كان الرجلان ياملان والقارب ينسرب بهما لمدة اسبوعين الى ان تغير الحال وبدأت المتاعب تترى بمواجهة الكثيرمن المخاطر– تماسيح عاتيه اكثرمن مرّة تمكنا من القضاء على اثنين منها وهربت منهما اخريات فى النهر سربا فضلا عن وبل من المطر بللت"قفة القرقوش" عماد غذائهما الرئيسى فطفقا يعتمدان على ثمارالدوم وما يجدانه من خشاش الارض على جانبى النهرحسبما كان اندفاع القارب مع التيارالذى اصبح الرجلان وقاربهما رهينة له يقذف بهم فى كل اتجاه عندما تعطل "الموتور"الذى عبثا حاول الخواجه اعادته للحياة الآ انه( بفضل تسبيح الشيخ حمزه وترديده الكثيرمما حفظ من آيات الله واختزنته ذاكرته من اوراد وادعية الوقاية والحفظ)كانت عين الله التى لا تنام هى الراعية لهما والمانعة عنهما االكثيرمن المخاطر..وكان من حسن حظهما ان تبيّن لهما وجودهما فى موقع عال من مجرى النهر حيث وجدا التياريجرى فى سرعة "داونستريم" مما جعل القارب يندفع الى شاطىء النهر قبالة مدينة "اتبرا" حيث تمكنا بعون وموافقة ادارة السكة حديد من"شحن" القارب والعودة بجانبه الى الخرطوم على احد قطارات البضاعة. وكانت تلك المغامرة نهاية لصلة المستر ليق بالسودان وبوادى سينا وبالشيخ حمزه الريح.
ألأستاذ عوض ساتى- اول قادة العملية التربوية والتعليمية فى وادى سيدنا من السودانيين.
*بنهاية عام 1950 انقضت حقبة من تاريخ مدرسة وادى سيدنا تولى خلالها أثنان من البريطانيين قيادة العملية التعليمية والتربوية فيها. لتبدأ اعتبارا من يناير1951 حقبة جديدة فى تاريخ ومسارالصرح الشامخ. حقبة سودانية النهج قيادة وتوجها عندما تم اختيارمعلم الاجيال الاستاذ عوض ساتى معلّم الرياضيات ومختلف العلوم والمعارف فى كلية غوردون ورفيق درب الاستاذ عبد الرحمن على طه – لخلافة المسترلانق كاول ناظرسودانى يتولى قيادة العمل التربوى فى مدرسة وادى سيدنا. لم تدم اقامته طويلا..ففى يناير1953جاء اختيارالاستاذ عوض ساتى مترقيا لتولى منصب نائب مديرالمعارف المسترهيبرت – آخربريطانى تولى منصب مدير الوزارة التى تم تغييراسمها فى عام 1963 الى وزارة التربية والتعليم مع تعديل اسم منصب المدير ويصارالى وكيل وزارة التربية والتعليم الذى تولاه استاذنا الجليل فى حنتوب عبدالحليم على طه عليه فيض من الرحمة والمغفرة).الاستاذعوض ساتى نشأ وترعرع فى مدينة الدويم وتخرج فى قسم المعلمين بكلية غوردون فى عام 1922وتنقّل فى المدارس الوسطى حينا من الزمان الى ان تم ابتعاثه الى الجامعة الامريكية فى بيروت بين اول فوج من مبتعثى مصلحة المعارف وبعد حصوله على بكالوريوس الجامعة متخصصا فى تدريس الرياضيات مع مختلف المواد الدراسية التى كان يبادر الى تدريسها كلما دعت الحاجة الى بذله وعطائه فى كلية غوردون.عُرف الاستاذ بين معلمى الكلية بموسوعية المعرفه علما وادبا ولغة..انتقل الى معهد التربية فى بخت الرضا يشارك فى وضع المناهج وتدريب المعلمين وترسيخ اصول التربية فى السودان فترة من الزمان ومشاركا فى انشاء مكتب النشر ومن ثم قيادة العمل فيه اعتبارا من عام 1946 مع رئاسة تحرير مجلة الصبيان - أول اصدارات مكتب النشر التى تلاحقت تباعا اثراء لتجارب الصغارمن التلاميذ وتوسيعا لمداركهم وتثقيفا للكبارمن اهل السودان..عرفناه ونحن صبية بالمدارس الوسطى يكتب للصبيان بأسم "العم سرور".وكان ذلك اول لقاء لى ىبه "صورة". قبل ان اراه شخصا فى عام ز 1953ومثلما كان "اول" سودانى يتولى قيادة العمل فى مكتب النشركان ايضا "اول" معلم سودانى يتولى "نظارة" مدرسة وادى سيدنا من بعد مكتب النشر.. وتواصل تقدمه على زملائه وظيفيا فى قيادة العمل فى المواقع التربوية من بعد وادى سيدنا عندما تم اختياره لتولّى منصب نائب مدير الوزارة فى ينايرمن عام 1953 لتتم ترقيته فى نوفمبر من نفس السنة "كأول" مدير سودانى خلفا لآخرمديربريطانى تولى قيادة التعليم فى السودان وختم الاستاذ عوض ساتى حياته فى الخدمة المدنية قبل بلوغه سن التقاعد"كأ ول" سفير للسودان لدى المملكة المتحدة وشمال ايرلندا فى لندن حالما تم انشاء وزارة الخارجية فى عام 1956.عادبعد تقاعده بالمعاش يدرّس الرياضيات فى مداراس الاحفاد استجابة لطلب العميد يوسف بدرى واشباعا لحبه وشغفه بالتعليم .فى عام 1970منحته جامعة الخرطوم الدكتوراة الفخرية تقديرا وعرفانا بعطائه الممتد تدريسا وهداية وارشادا وتثقيفا طوال حياته الحافلة بالبذل والعطاء فى مختلف مجالات العلوم والاداب والمعارف بما كتب من المؤلّفات والمقالات فى مجلة كلية غردون فى ثلاثينات القرن العشرين فضلاعن مساهمته بقدركبيرفى بث روح السعى الى المعرفة والى التعلّم مدى الحياة وبما عرف به من من سعة الافق واقمدار على استشراف آفاق المستقبل والنظرة الثاقبة. كان له القدح المعلّى فى تفتيح الاذهان عبربرنامجه الاذاعى"ركن العلوم" الذى فاقت حلقاته الخمس واربعين تناول فيها العديد من الموضوعات العلمية يحدّث المستمعين عنها بنبرات صوته الجاذب الاخّاذ مقدما لهم تفاسيرمبسطة لما يرونه عيانا من الظواهرالحياتية كاحمرارلون الدم وخطوط اكف بنى البشروخداع النظروالسوائل الجامدة وكيفية تعرُّف العلماء على أَعمار الصخور والحيوانات المتحجرة وغيرذلك من الكثيرالمثيرللتفكيروالتأمل والاستعصاف الذهنى.ومثلما ظلت آثاره وبصماته فى مجال التربية والتعليم لآ تزال وما تنفك تمتد فى اغواراللانهائية والابدية فقد كان لأسهامه ومشاركته فى الحراك الوطنى قدرهما العظيم بعضويته فى مؤتمرالخريجين وتولّيه امانته العامة.
والشىء بالشىء يذكر.. وان لم اسعد بالدراسة على يدى معلم الاجيال فى وادى سيدنا او لقائه وجها لوجه الآ للحظات قلائل فى واحد من مكاتب الوزارة فى عام 1953 حينما عندما دلف الى ذلك المكتب لآمر له مع الاستاذ نصرحاج على - مساعد المديرآنذاك – ساعة ترؤْسه لجنة معاينة (انترفيو) لأختيارمعلمين تبين لنا ان من يتم تعيينهم ستكون المدارس الوسطى فى المديريات الجنوبية مواقع لعملهم. لم احظ بالتعيين ساعتها ليشاء لى الله ان يكون لى نصيب فى العمل بالتعليم بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ. وان لم اسعد انا بتدريس وتعليم الاستاذ الآ انى سعدت بتدريس احدى كريماته فى مدرسة الخرطوم الثانوية للبنات فى عام 1961(رحمة الله عليها فى الفردوس الاعلى) مثلما كان الوالد قد حظى وسعد مع عدد من ابناء جيله بالجلوس الى حلقات درس استاذ فى مدرسة ودمدنى الاميرية الوسطى بين اعوام 1923 و1926 وكذلك فى كلية غوردون بعد عودة الاستاذ من ابتعاثه فى الجامعة الامريكية.ما رأيت شخصا(لم يعمل فى مجال التدريس كان يفيض حبا واعجابا بالتعليم وبالمعلمين مثل ما كان عليه الوالد. كان كثير الحديث عن معلميه على وجه الخصوص..يشيد بشخوصهم وبطرائق واساليب تدريسهم..يقلّدهم مشية وحديثا وتدريسا.. وقد نال الاساتذة عوض ساتى وصالح بحيرى وشيخ شمس الدين الحنفى يتقدمهم ناظرالمدرسة الاميرية فى ودمدنى الاستاذ حسن الظاهرفضلاعمّن لقيهم من معلميه فى كلية غوردون بين اعوام 1927و1930- الذين كان من بينهم..الاساتذة مكى شبيكه وعبدالفتاح المغربى وعوض ساتى- القدرالاوفى من الاشادة والاعجاب مما جعل اسم الاستاذ عوض ساتى على الدوام يطرق مسامعى ولمّا ابلغ السابعة من العمر كلما جلست عصركل يوم الى الوالد نراجع معا ما كنت قد درسته صباحا من "حساب وعربى وديانة" وغيرها من المواد الدراسية فى سنوات دراستى بمدرسة ود مدنى الاهلية الاولية والوسطى. كم كان الوالد يمنِّى نفسه بالعمل فى مجال التعليم بعد تخرجه فى كلية غردون ألآ ان الرياح لم تأت بما كانت تشتهى سفنه لأسباب كانت خارجة عن ارادته كما اكدها الاستاذ صالح بحيرى على مسمعى فى لواحق من الزمان... لم يكن الوالد يدرى انه بترداد الحديث عن معلميه و تواصل الاشادة بهم كان قد بذربذورتعلقى بالتعليم الذى اصبح بمرورالزمن ينمو ويتضاعف الى ان اصبح هاجسا لى واضحى الانخراط فى دنياه من امنيات النفس كلما اكملت واحدة من مراحل تعليمى بعد الاولية..
ويدورالزمان لألتقى بالاستاذ عوض ساتى حين تخرجى فى جامعة الخرطوم عام 1958عندما كانت مشيئة الله ذات صباح اغر فى الاواخرمن شهر ابريل 1958 (وقد كنت حينها قد فرغت لتوى من اداء آخراوراق امتحانات الحصول على بكالوريوس آداب جامعة لندن) ان اصحب الوالد الى مصلحة النقل الميكانيكى بالخرطوم بحرى(التى كان مدخلها الشمالى يواجه مدخل دارمعلم الاجيال.. عوض ساتى الذى كان قد تم اختياره فى عام 1956 سفيرا للسودان فى المملكة المتحدة وكان بالسودان فى اجازة قصيرة اثناء تلكم الايام)اذ كان علىّ ان احمل الوالد على سيارته الي مصلحة النقل الميكانيكى ليقود فريق المراجعة لحساباتها.. واعود ادراجى بالسيارة لآداء مهام اخرى تم تكليفى بالقيام به خلال ساعات النهار.عندما اقتربنا من باب دارالاستاذ وقبل الوصول الى مدخل مصلحة النقل الميكانيكى وقع نظر الوالد على استاذه الذى كان قادما من جهة الغرب الى الشرق فى الاتجاه المعاكس لخط سيرنا (وهو يهم بالدخول الى داره) طلب منى الوالد التوقف قبالة مدخل منزل الاستاذ وعلى عجل ترجل حالما اوقفت السيارة امام الدار وسار فى خطوات متسارعة نحوالاستاذ الذى اذهلته مفاجأة رؤية الوالد (تلميذه قبل قبل اكثر من ثلاثين سنه- 1923) فنادى باعلى صوته"على السلاوى!..مش معقول!" وكان لقاء عاصفا بكل ما يمكن التعبير عنه من مفاجاة اللقاء بين"الاستاذ الشيخ وتلميذه الفتى" من بعد فراق دام سنوات فاقت الالثلاثين.تعانقا طويلا ونبرات صوتيهما تتهدج كل حين وطفقا يسترجعان ذكريات ماضى الايام فى ودمدنى الاميرية وتذكارسيرة قدامى المعلمين والطلاب ولسان حالهما يردد "هل ننسى اياما مضت هل ننسى ذكراها"وبعد ان هدأت الخواطرالتفت الاستاذ نحو شخصى وقد كنت غادرت مقعد مقود السيارة ارقب المشهد عن كثب – تساءل الاستاذعن شخصى وعلم من كنت بدأت من ثم احاديثه تتركزنحو شخصى الضعيف بعدما علم منى عن امراكمالى للتو مرحلة دراستى الجامعيه.وقد ظن بادىء الامر انى كنت لآ ازال فى نهاية المرحلة الثانوية او بداية الجامعية على احسن الفروض لكن رانت على وجه الاستاذ سحابة من عدم رضا حينما جاءته كلمات من الولد متسارعة تشوبها نبرة تحمل عدم الرضا وربما شيئا من امتعاض وعدم قبول بما كنت قد انتويته ورغبت فيه - ردا عن سوال القاه الاستاذ على شخصى مستفسرا:"وعلى فين العزم ان شاء الله".جاءت اجابة الوالد"والله قال ماشى المعارف (قالها الوالد بعدما باءت كل محاولاته لأقناعى بالالتحاق بوزارة الماليه مفضّلا التحاقى باحد اقسامها الماليه وقسم الحسابات على وجه الخصوص على قسم شؤون الموظفين..وذلك لأنى كنت موعودا من مديرالحسابات باتاحة الفرصة لى للحصول على شهادة المحاسبين القانونيين التى كان الوالد ومديرالحسابت نفسه(ابراهيم حسن علآم–عليه فيض من الرحمة ) قد حصلا عليها بين نفرمن رفاقهما – ذلك بطبيعة الحال اذا رغبت فى العودة للعمل فى قسم الحسابات بعد اكمالى الدراسة الجامعية فى عام 1958 وما كان ذلك الوعد الآ لسابق خبرتى فى ذلك القسم اثناء فترات عطلات الجامعة الصيفية فى الاعوام 1953 و 1955 و1956– مثلما كان قد سبق لى العمل فى قسم شؤون الموظفين اثناء العطلاات الصيفية من سنوات 1952و1954 و1957) وهنا تناول الاستاذ الحديث سائلا الوالد اولا"وليه يا على قايلها بعدم رضا كدا! المعارف مالها؟ انت موش كنت عاوز تتخرج من الكلية فى قسم المدرسين وليه دلوكت ما عاوزابنك يشتغل مدرس عن رغبة منه! حاول الوالد ايجاد المبررات ذاكرا وجود فرص التقدم والترقى الوظيفى والابتعاث الخارجى (حسبما كان يعتقد) فى وزارة المالية اكثرمما كان متوفرا فى وزارة المعارف التى لم تكن الآ ملاذا اخيرا يلجأ اليه الخريجون بعد ان يكونوا قد فقدوا كل فرص التعيين فى مختلف الوزارت والمصالح الحكومبة. وهنا انبرى الاستاذ يفيض حديثا داحضا حجج الوالد ومؤكدا وجود التوسع المرتقب فى التعليم وما سيتيحه لخريجى جامعة الخرطوم على وجه الخصوص من الابتعاث والتقدم الوظيفى فى المعارف هواضعاف ما هو متوقع فى غيرها من المصالح الحكومية والوزارات الاخرى .وظلت اسئلة الاستاذ تترى موجهة لشخصى مستكشفا اسباب رغبتى فى مجال التعليم وعن الكثيرمما له صلة بمهنة التدريس وبالمدارس الثانوية والوسطى. ودون الاسترسال بالمزيد فى تذكارتفاصيل ما دارفى ذلك اللقاء الذى امتد الى قرابة الساعة من الزمن امام منزل الاستاذ كان ختام كلماته للوالد "ياعلى..مين كان يتخيل او يخطرعلى باله فى سنة 1923 ان عوض ساتى المدرس المبتدىء عندكم فى مدرسة مدنى الاميريه حيكون فى سنة 1953مديرالمعارف" وصمت لثوان وواصل الحديث قائلا "طول العمرليك ولأبننا الطيب ولنا جميعا ان شاءالله ..اكيد تكون لاحظت انى عملت للطيب انترفيو من خلال حوارى معه ونجح فيه نجاحا باهرا ,,اقول ليك:الطيب دا ان شاء الله"هيز فيوتشر أز برايت ويريفر هى قوز..كمان اؤكد ليك انه فى المعارف"أت ويلل بى ايفين برايتر". ما معناه"الطيب ابنك حيكون له مستقبل باهراينما يذهب ..لكن اؤكد ليك ان مستقبله سيكون فى المعارف سيكون اكثر ازدهارا.. تذكر كلامى دا" ..وصمت الاستاذ ثوان اخريات ورأيته ينظر فى الافق البعيد.. وواصل قائلا"نحن دلوكت يا على فى سنة1958 تمام؟ تذكّرياعلى لما التمانيه والخمسه ديل يتبادلن المواقع..ما تستغرب ان الطيب اللى ديلوكت انت ما عاوزو يمشى المعارف حيكون وقتها اصبح مديرالمعارف"! ومن ثم غادر الوالد سائرا على قديمه الى مدخل النقل الميكانيكى وانطلقت انا بالسارة مزهوا بما دار فى ذلك اللقاء الذى كان اول وآخر لقاء لى بالاستاذ وجهالوجه مثلما توقفت جملة وتفصيلا محاولاات الوالد لأثنائى عن العمل فى المعارف. هل كانت ابواب السماء تنتظركلمات الاستاذ لتتلقفها وتتحقق "النبوءة" فى ذات السنة عندما تبادل الرقمان (التمانيه والخمسه) موقعيهما (كما قال الاستاذ)ودارالزمان ومضت ايامه وجاء عام 1985 الذى كان فى السابع والعشرين من شهر"اغسطس" منه ان صارالطيب السلاوى مديرا للمعارف ويجلس على ذات المكتب الذى كان قد سبقه للجلوس فيه وعلى ذات "التربيزه" المسترهيبرت ومن بعده معلّمى الاجيال عوض ساتى ونصرحاج على بمسمى" مديرالمعارف" وتحت مسمى وكيل وزارة التربية والتعليم (بعد ترفيع منصب المديرالى وكيل وتعديل الاسم من المعارف الى التربية والتعليم فى عام 1963 على يدى اللواء المرحوم طلعت فريد) تبعهم اثناعشرمن المعلمين- ليكون الطيب السلاوى صاحب الرقم 15 من مصفوفة الذين تعاقبوا على قيادة العملية التعليمية والتربوية فى السودان. قد يكون ما ذكرت هنا تجربة شخصية خاصة بشخصى الضعيف ولكن يقينى انها كانت ذات صلة قوية بالاثرالذى احدثه ذلك اللقاء الاول والاخيرللاستاذ الجليل عوض ساتى بشخصى الضعيف وما دارفيه واستشرافه المستقبل ونظرته الثاقبة ما يستحق التسجيل والتذكار(عليك يا استاذ الاحيال فيض من رحمة الله فى اعلى عليين وجعل الفردوس الاعلى لك ولمن سبقك او لحق بك من معلمينا الاخيار - فى دار القرار والخلود - مقرّا ومقاما بين الشهداء والصديقين).
وعودا على بدء الى سيرة وادى سيدنا فقد توقف نظام تعيين نائبين للناظرفيها فى نهاية عام 1950 اما فى حنتوب فقد تبدل الحال فى 1948بقدوم الاستاذ النصرى حمزه خلفا لمعلم الاجيال احمد محمد صالح والمستر كرايتون..فى بداية عام 1951 وبعد مغادرة مستر ليق الى موطنه و بلوغ الاستاذعبيد عبدالنورسن التقاعد ورحيل المسترلانق عنها..جاءها معلم الاجيال عوض ساتى كما ورد ذِكرُه .. يصحبه الاستاذ امين زيدان رئيس شعبة الرياضيات فى حنتوب ليشغل منصب نائب الناظر..الاستاذ امين من طلاب استاذ الاجيال عوض ساتى فى كلية غوردون وقد تخرّج فيها فى ديسمبر1929 مزاملا رفاق دربه من معلمى الرياضيات الاستاذين احمد بشير العبادى وميرغنى حمزه اللذين عملا فى وادى سيدنا منذ بداية عهدها الزاهى بينما كان انتقال الاستاذ زيدان من كلية غوردون الى حنتوب حالما انبرت من عرينها فى عام 1946.كان من رفاق دراسته فى كلية غوردون الاساتذة الاجلاء الاستاذ بشرى عبد الرحمن صغيّر الذى انتقل الى وادى سيدنا فى يناير 1946 معلما للغة الانجليزيه وألأستاذ التيجانى على الذى واصل عمله فى بخت الرضا ومكاتب تعليم المديريات الى ان ترقى الى منصب مساعد مدير المعارف وتقلّد منصب وكيل وزارة التربية والتعليم خلفا للاستاذ عبد الحليم على طه عند تقاعده بنهاية عام 1963.التقى الاستاذان عوض ساتى وامين زيدان فى كلية غوردون يدرسان الرياضيات وها هى وادى سينا تجمع بينهما لمدة عامين (يناير1951-ديسمبر1952)لعلها كانت اول سابقة فى وزارة المعارف ان يعمل احد الطلاب السابقين نائبا لأحد معلميه فى مدرسة واحدة انتقل الاستاذ زيدان الى المؤسسات الدستورية"اميناعاما"لمجلس الشيوخ الاول ثم مديرا لمصلحة الاستعلامات ومنها الى رئاسة وزارة المعارف مساعدا للمدير للشؤون الادارية والمالية حيث بقى بها الى ان بلغ سن التقاعد ليبدا فى ديوان النائب العام قيادته مجموعة من تم اختيارهم من المعلمين وغيرهم من موظفى الدولة لترجمة قوانين حكومة السودان من الانجليزية الى العربية اللتين عرف الاستاذ بتميزه وتفرّده فيهما شفاهة وتحريرا. رحم الله اساتذتنا الاخيارفى اعلى عليين وجعل الفردوس الاعلى مقرّا لهم ومقاما. فقد تركوا من الآثارما خَلُد فى ابعاد اللانهائية ومن البصمات مابقى فى اغوار الابدية.
ولمن اراد معرفة المزيد عن سيرة الاستاذ امين زيدان ولم يسعد بلقائه هاأنذا اعود بكم الى ما سطرته عن "الرجل" ابّان فترة عطائه المتفرّد فى حنتوب من عام 1946 الى نهايية عام 1950(رئيسا لشعبة الرياضيات وتيوترا لداخلية "دقنه" التى اضحت اثرا بعد عين).وتم بثّه على صفحات صحيفة "سودانايل" بتاريخ 15ابريل عام 2014 وسيرة معلم الاجيال العطرة - اشهد الله – لا يكفى تناولها على صفحات من ذكريات "تلميذ فتى" عن "استاذه الشيخ". رحم الله كل من سعدنا بالجلوس الى حلقات درسه على مرالازمان والقرون.
حنتوب الجميلة (1949-1952): الأستاذ أمين زيدان .. بقلم: الأستاذ الطيب السلاوي
سودانيلنشر في سودانيل يوم 15 - 04 - 2014

(شرعت في الحديث عن شعبة الرياضيات بحنتوب الثانوية التي دخلتها عام 1949 وتخرجت فيعا عام 1952. وأحكي لكم اليوم عن الأستاذ أمين زيدان، الذي صار في ما بعد "كاتب" مجلس الشيوخ السوداني (1954-1958) الرصيف لمجلس النواب في دولة الحكم الذاتي. وأطيل في حق هذا المعلم البديع)
عدنا سراعًا من معمل العلوم فيما بعد الثانية عشرة ظهرًا بقليل إلى القاعة الكبرى فصلنا إولى كولمبس لنبقى فيها فترة من الزمن لم تتعد الخمس دقائق لننطلق إلى فصل أولى ابن سينا الكائن في بداية مصفوفة أربعة من فصول السنة الأولى (ابن سينا.. ليوناردو.. نيوتن.. وشكسبير ،الذى كان مقرًا للطلاب المقبولين مع رفاق دربهم طلاب ابن سينا والذين سينتقلون للدراسة في خورطقت ). فصل أولى ابن سينا كان مجاورًا لمكتب نفر من معلمس اللغة العربية في ذلك العام ليصبح مقرًا لمعلمي الجغرافيا لسنوات ، وكان مقرًا لدراستنا مادة الرياضيات خلال الأسبوع باكمله.. هكذا كان قدرنا إلى حين نحن طلاب "الفلوتنق كولمبس" لأول مرة في مسار حياتنا الدراسية لتمانية أعوام خلت نتلقى لأول مرّة درسًا في مادة "الحساب" أو أخواتها في غير الحصة الأولى من اليوم الدراسي . وثمة شيء غريب آخر تجلّى لنا في ذلك اليوم الأول ، وهو دراسة رياضيات (حساب) في الحصة السادسه!! وكمان بالإنجليزي. شيء جديد في كل لحظة ، وقبل أن ندلف إلى داخل الفصل كان لنا لقاء عند مدخل الفصل مع معلم الرياضيات الأستاذ أمين زيدان . كان حسن المنظر، يشع من وجهه ذكاء وقّاد حالما تقع عيناك عليه. رغم انه كان يبدو في بداية الأربعينات من عمره إلا أنه عندما تقدمنا وسرنا خلفه من أمام الفصل ،حسبما طلب منا، تبين لنا أنه لا يزال يتمتع بقدر وفير من مياه الشباب التى كانت لا تزال وما تنفك تجد طريقها تجوالأ في أوصاله.( وعرفنا فيما بعد أنه كان أول دفعته عندما تخرج في قسم المدرسين بكلية غردون في ديسمبر 1929 ). وما أن عدنا من رحلتنا معه إلى مخزن الرياضيات حيث تسلم كل منا حزمة من تلاثة كتب : كتاب الهندسه و كتاب الجبر وثالثهما كتاب الحساب (الأريثماتيك) مع ثلاثة كراسات في حجم كراسة العلوم التى كنا قد تسلمناها قبل ساعات قلائل. جلس كل منا على أقرب مقعد ودرج دون اهتمام بالموقع. تحدث الأستاذ مرحّبا بنا في خليط من الإنجليزية والعربية الدارجة السودانية وبين لنا حصص دروس الهندسة والجبر والحساب خلال الست حصص الأسبوعية في ذات المكان.ومن ثم بدأ فيما تبقى من زمان تلك الحصة بأُولى النظريات الهندسية الواردة في كتاب الهندسة التى تفيد أنه "عند التقاء خط مستقيم وقوفا على خط مستقيم آخر فأن مجموع درجات الزاويتين المتكونتين نتيجة هذا اللقاء يساوي 180 درجه "If a straight
line stands on another, the sum of the 2 adjacent angles so formed
equals 180 degrees.
كانت تلك الأربعون دقيقة قبيل نهاية ذلك اليوم الدراسى الأول بداية سعيدة للقاء أسعد دام سنين عددًا بمعلم فريد ووالد كريم هو أستاذ الأجيال أمين زيدان .كان رحمه الله إلى طول القامة أقرب في بياض لون "على الدبلان يزيد" ممتلىء البنية وصحيحها في اعتدال . يسير في خطوات متسارعة يرتدي على الدوام رداءً قصيرًا من الكاكي أو الدمور يتدلى إلى الركبة أو ما فوقها قليلا. ويرتدي القميص ذى الأيادي القصيرة وينتعل الحذاء مع الجورب (الشّرّاب)الطويل المتسق مع لون رداء اليوم . سبرالرجل أغوار مادة الرياضيات أولية وإضافية فضلا عن تمكنه من ناصية اللغة الإنجليزية التى كان كثيرًا ما يتطرق إلى جذور مفرداتها سواء كانت أو لم تكن ذات صلة بالرياضيات. يشرح معانيها في مختلف المواقع والسياقات حتى لنحسب أنه فارس الإنكليزية وواحدها.
وقد وردت سيرة الأستاذ أمين زيدان اكثر من مرة على لسان والدي، رحمه الله، وكان كثيرًا ما بجتر ذكرياته عن أيام دراسته في كلية عردون عن معلميه وزملائه ومعاصريه فيها. فذكر في سيرة الأستاذ أنه أمين زيدان كان يتقدمه بعام واحد وقد بزغ نجمه وعلا ذكره بين "القبلو ووراه"من رفاق دربه . فقد حاز قصب السبق من بين أولاد دفعته..وبعد سنوات قلائل بعد تخرجه اختير للتدريس في الكلية فغدا زميلاً لاثنين من أفذاذ معلمي مادة الرياضيات وكان قد جلس إلى حلقات دروسهما من قبل سنوات تلميذا لهما في ذات المادة ، وهما الأستاذان الجليلان عوض ساتى (الذى عمل زيدان معه مرة ثانية كنائب له لما ولى الأستاذ عوض ساتي نظارة مدرسة وادي سيدنا الثانوية عام 1951 ، والأستاذ إسماعيل الأزهري، إلى ان تم نقلهما معًا إلى حنتوب منذ بداية عهدها الزاهي عام 1946.
وحسبما جاء في الخبر أن جاءه أمر الانتقال إلى حنتوب في معية أستاذه أسماعيل الأزهري للحد من نشاطهما السياسي الواسع المتنوع المرتكزات في لجان مؤتمر الخريجين، حيث كان الأزهري رئيسًا للمؤتمر والأستاذ زيدان عضوًا أو سكرتيرًا للجنة الستينية لعدة دورات متعاقبة.
عرف طلاب حنتوب الأستاذ الجليل خلال الخمس سنوات(1946 – 1950) التى قضاها بينهم رئيسًا لشعبة الرياضيات ، معلّمُا متميزًا بكل المقاييس، حيوية دافقة وحماسة منقطعة النظير، وأبوة صادقة في إشرافه (تيوتريته) لداخلية دقنة التى رعى من أسعدهم الحظ بالسكن فيها خير الرعاية. كان الهادي والمرشد والناصح الأمين لهم في بشاشة وانشراح نفس لا تخطئه عيون الناظرين. كان الضاحك الممراح ويرسل الطرفة والسخرية اللاذعة على سجيته حسبما كان يقتضي الظرف .وقد أطلق على بعض طلابه من الألقاب والمسميات ما التصق باسمائهم وبشخوصهم وظلت تلاحقهم على مر السنين.
حُظينا بتدريسه في ذلك العام . وكان مَن هم أرسخ قدما وأكثر ميلا منّا إلى الجانب العلمي والراغبين في مواصلة التفقه في مادة الرياضيات أكثرسعادة من أولئك الذين كانوا إلى مجال الآداب أميل. فكان الأخيرون يسعون إلى التعايش مع مادة الرياضيات ويرجون اجتياز كل اختباراتها بسلام. وقد كان المتفوقون في مادة الرياضيات يمثلون الأغلبية من زملائنا في أولى كولمبس وكانوا الأكثر انتفاعًا من تدريس الأستاذ . فكانوا أسرع استيعاباً لمفردات المادة يتابعون خطو الأستاذ وهو ينطلق سعيدًا بنباهة متابعيه من الراغبين في الاستزادة من علمه. فما أهّله لتخطّي رفاقه والانتقال للتدريس في كلية غردون إلا ذكاؤه الوقّاد وغزارة معرفته في كل منحى وميدان ، وذلك بالإضافة إلى اعتزازه بنفسه وبقدراته في تدريس الرياضيات وربما في اللغة الإنجليزية التي درّسها في المدارس الوسطى لزمن يسير قبل ان ينتقل إلى كلية غردون. وكل مَن عرفه عرف فيه التواضع وعدم التباهي بتفوقه، كما عرف فيه سعيه الحثيث لإجادة عمله الذي كان يؤديه في صمت وتفان. فقد كان ذلك من السمات المشتركة لكل من عمل في حنتوب حيث لا فضل لمعلم أو عالم أو طالب على رصيفه إلا بالبذل والعطاء وتحقيق النجاح.
كان الأستاذ زيدان من المتحدثين المفوهين باللغة العربية فضلا عن الإنجليزية اذا دعى لذلك داعٍ. لغته الدارجة السودانيه كانت كافية للتعبير بها عن مكنون نفسه وعما ينوي إيصاله إلى سامعيه. كان يُشاهد أحياناً في مكتب اللغة العربية يداعب معلميها ، وعلى الأخص الأستاذ ابن عمر الذي كان يحظي بالقدر الوافر من مزاحه وسخريته. كما كان - رحمه الله- يدلف إلى شعبة الجغرافيا المجاورة لمكتب اللغة العربية من ناحية الشرق، لينال الأستاذ عبد الحليم على طه نصيبه من تلك الدعابات والمطارحات الشعرية مما تختزنه حافظته من طرائف القريض. وربما كان يعد تلك الزيارات لزملائه في الشعبتين المذكورتين فاصلاً ضرورياً يروّح به عن نفسة ويجدّد به نشاطه كلما أحس بالرتابة من تكرار شرح نظريات فثثاغورس وابولونيوس أو تبيان حل المعادلات الآنية simultaneous equations(سيمالتينيص اكويجنز) الزيارات المقتضبة تُدخل البهجة في النفوس على قصرها. ورغم ما كان عليه الأستاذ زيدان من مرح مستدام خارج الفصول وداخلها إلا أن مدة دروسه (الأربعين دقيقة)كانت تمضى في غير تهاون أو تفريط في النظام والجدية المطلوبين لنجاح الدرس ، فهوالحازم بلا تعنّت والمحافظ على الحدود والخطوط الحمراء بينه وبين الآخرين.
ربما كان أسعد طلاب حنتوب هم من كانوا من سكان داخلية دقنة التي وليَ الأستاذ "تيوتريتها" طوال فترة عمله في حنتوب .. فقد ضمت نفراً من أميز أبناء حنتوب ذلك الزمان علماً وخلقاً وموهبة رياضيّة خاصة في كرة السلة . كان منهم المرحوم أبو بكر عبد القادر صاحب أجمل " ستايل" في لعب الباسكت وهو الملقب ب "ماكبين" - أحد معلمي الجغرافيا الأفذاذ الذى فاض بذلاً وعطاءً في حنتوب ، لما كان بينهما من تشابه غريب طولاً وهيئة ًفي منطقة الرأس والعنق.
ومن عجبٍ أن تشابهما امتد إلى المشية ونبرات الصوت. أبوبكر (ماكبين) تميز بمهارة فائقة في سرعة تحركه وتداول الكرة مع رفاقه في فريق كرة السله ، فاختير كابتناً للفريق الأول بعد تخرج كابتن محي الدين موسى الذى كان الرئيس الثاني في دقنة.
أحب زيدان طلابه عموماً وقاطني داخلية دقنة بصفة خاصه ، فبادلوه وداً بود وحباً بحب . وعند عودته إلى حنتوب لحضور احتفاء الخريجين بمعلميهم وصرحهم الشامخ في يوبيله الفضى عام 1971 قضى الأستاذ زيدان كل أيام المناسبة السعيدة في داخلية دقنة بين قدامى طلابه يجترّون ذكريات ماضى أيامهم معه ويسترجعون ما حفلت به مما كان يطلقه عليهم من سخريات لاذعة وألقاب. لم ينسوا استذكار ما أطلقه على بعض منهم من أسماء رسخت ولازمت أصحابها مثل لقب "التشك" الذى التصق باخوين كريمين ، متعهما الله بالمزيد من الصحة والعافية) .
عرفنا الأستاذ زيدان وافر الحماسة لداخلية دقنة . فقد كانت عواطفه الجياشة لا تخطي أعيننا ونحن نراه يرفع من معنوياتهم ويشد من أزرهم من خارج الملاعب خاصةعندما يلاقى فريق داخلية دقنة في مباريات دورى كرة السلة أشاوس فريق داخلية أبي الكيلك حديثة الإنشاء ، والتى انتقل إليها من داخلية دقنة بعض من لاعبي السلة . فكان لا يتمالك نفسه ويصبح قاب قوسين أو أدنى من دخول ملعب الباسكت حاثاً أبناءه بكل جوارحه وخلجات نفسه حتى نظنه سيفقز داخل الميدان ليمسك بالكرة ويقذف بها في مرمى الفريق المنافس.
يقينى أنها كانت أسعد ايام حياته، تلك أيام العيد الفضي التي قضاها بين طلابه الذين استجاب لرغبتهم للبقاء بينهم في حنتوب يوما إضافيا بعد مغادرة المدعوين. امتد نشاط أستاذ الأجيال الرياضي، عليه فيض من رحمة الله، إلى تحكيم مباريات كرة السلة الدورية بين الداخليات، والمشاركة في حساب درجات الداخليات في منافسة سباق اليوم النهائى بين الداخليات للحصول على كأس المسترهولت في سباق اختراق الضاحية..
في عام 1958 انتقل الأستاذ زيدان إلى رئاسة الوزارة بعد عمل دام سنتين نائباً لناظر وادى سيدنا ، الأستاذ عوض ساتى. وانتقل عوض من وادى سيدنا نائباً لمدير المعارف توطئة لسودنة منصب المدير خلفا للمستر د. هيبرت ،آخر مديربريطانى لوزارة المعارف . وعند بداية الفترة الانتقالية في السودان التي سبقت إعلان الاستقلال في يوليو 1956، وعند قيام البرلمان السوداني الأول بمجلسيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ ، وقع الاختيار على الأستاذ أمين زيدان ليتولى مهام وظيفة "كاتب" مجلس الشيوخ مثلما واصل الأستاذ محمد عامر بشير ذات المهام في مجلس النواب. وبقى الرجلان في البرلمان إلى أن وقع الانقلاب العسكرى الأول في البلاد بقيادة الفريق عبود في نوفمبر 1958. حينها تقرر نقلهما إلى وزارة الاستعلامات والعمل التى لم يبق بها الأستاذ زيدان طويلا لينتقل مرّة أخرى إلى رئاسة وزارة المعارف كمساعد للمدير للشؤون الإدارية والمالية خلفاً للمرحوم الأستاذ السني عباس أبو الريش الذي انتقل إلى دار الخلود في عام 1959 . وبقى الأستاذ زيدان في رئاسة وزارة المعارف ( التى تغير اسمها إلى وزارة التربية والتعليم وتم ترفيع درجة مدير المعارف إلى درجة وكيل في عام 1963 عندما ولي أمرها اللواء طلعت فريد) بقي إلى حين بلوغه السن القانونية للتقاعد في عام 1965 لينتقل إلى مكتب النائب العام كبيراً لفريق المترجمين الذين أوكلت إليهم مهمة ترجمة قوانين الدولة. ومكث هناك إلى أن وافاه الأجل مخلفا ًوراءه إرثا عظيما من البذل والعطاء والإخلاص وقدراً من الأثار التي مازالت تتناقلها الأجيال. رحمه الله وجعل الفردوس الأعلى له مقراً ومقاماً بين الشهداء والصديقين ورفاق دربه من معلمينا الأبرار.
سعدت كثيراً بلقاء الأستاذ زيدان عندما التحقت بوزارة المعارف التي عملت فيها شهرين بإدارة التعليم الأهلي في رئاسة الوزارة قبل أن أنتقل إلى الخرطو م الثانوية القديمة. وحينها كان الأستاذ أمين زيدان يتولى إدارة الشؤون المالية والأدارية بالوزارة.
كنت أتولى، نيابة عن أحد زملائي، مهام الضابط النوبتجي بالمدرسة أثناء العطلة الصيفية في عام 1960 حيث كان التقليد آنذاك أن يتناوب المعلمون على الاشراف على الاعمال الادارية فى المدارس نيابة عن النظّار وكان الاستاذ احمد حلمد الفكى–ناظر الخرطوم القديمة آنذاك-قد انتقل الى الولايات المتحدة لتاسيس مكتب الملحق الثقافى فيها. وكنا تنوقع كل ساعة اعلان اسم خلفه.
وبينما كنت منهمكاً في فض الخطابات الرسمية الواردة وتصنيفها، دلف الأستاذ زيدان إلى مكتب الناظر . ولما تبيّن له ان تلميذه – شخصى الصعيف -هو الذى كان يجلس على كرسي الناظر صمت في مكانه برهة الى ان أحسست بمقدمه، ولما بارحت مقعدى للقائه عند المدخل، تقدم نحوي وهو يضرب كفا بكف وقال ساخراً "والله كويس,, كمان قاعد على كرسي الناظر وأنت لسّه اسمك مكتوب بقلم الرصاص؟" ..وتابع تهكمّه قائلاً :" بكره كمان نلقاك متربّع على تربيزة وكرسي براون في حنتوب." سرني تعليقه فأجبته: وهل ذلك على الله ببعيد . وبعد التحية والسلام جلسنا وبدأنا نسترجع ذكريات صرحنا الشامخ حنتوب أيام عهده الزاهي الجميل . وبعدأن تناول كوبا من القهوه خاطبني بلهجة جادة: "خلي بالك من دلوكت أنت ما حتاخد إجازة السنة دي، لأنك حتواصل شغل كبيرجاييكم في المدرسة، بس الموضوع لا يزال فكرة تحت النظر. الوزارة في نواياها التوسعية بصدد إضافة فصلين لمدرستكم دي في بداية العام الدراسي في شهر يوليو إذا وجدنا فيها إمكانات بدون ما تكون التكلفة المالية باهظة. . الفصلين الأضافيين حيكونوا نواة ترفيعها إلى مدرسة كبرى خارجية إذا أمكن الاستغناء عن الداخلية مستقبلاً. ودلوكت عايزين نشوف إن كان الطلاب حيتلقي ليهم مكان عندكم.. ما تفتكر شهرين كفاية لإكمال المهمة.. بس أنا متأكد "أنت لها" وخلّى بالك إنك إنت اللي حتتولى الموضوع لحد ما يجيكم ناظر جديد. يلّا دلوكت قوم معاي نمر على المدرسة لحدي ما يصلنا ملاحظ أشغال القسم الشرقي، أنا خليت ليه مذكّرة يحصلّني هنا".
طفنا أرجاء المدرسة والداخلية وتوابعها من مرافق ومطبخ وقاعة طعام إلى غير ذلك مما كان يتطلبه الموقف من عمل إنشائى عاجل . بعد زمان قصير كان ملاحظ الأشغال بيننا مواصلين الطواف فيما تبقى من مبانى ثكنات الجيش الإنجليزي التى تحتلها المدرسة. ومن واقع هذه الزياره طُلب منه إعداد تقريرمفصّل يتضمن المنشآت الضرورية العاجلة لقبول طلاب الفصلين . وكانت نتيجة امتحان الدخول للثانوي في طريقها إلى الوزارة من مركز التصحيح في خورطقت ليبدأ اجتماع نظار المدارس لأجراء عملية القبول، وذلك فضلا عن إعداد تقديرات الميزانية اللازمة لأي إضافات لوجستية أخرى يتطلبها الأمر.
رغم أن فترة نوبتجيتي كانت على وشك النهاية ولكن كان لا بد مما ليس منه بد . فبقيت بالمدرسة وعلى اتصال دائم بالأستاذ زيدان حتى بعد تسلّم الأستاذ عبد القادر تلودى مهام عمله ناظرًا للمدرسة وكان الأسناذ ابراهيم شبيكة نائباً له. أهم حدث وقع لي في ذلك الوقت كان دخولي مكتب وزيرالمعارف لأول مرّة في حباتي في معية الأستاذ زيدان. وتوالت زياراتي فيما بعد إلى مكتب الوزيركلما تم استدعاء الأستاذ زيدان للوقوف على مسار ترفيع المدرسة إلى مدرسة كبرى ، وكثيرا ما كان الأستاذ تلودي، زميل وابن دفعة الوالد في كلية غردون، يُخجل تواضعي بإطنابه المتواصل على شخصي الضعيف في كل مجمع ومناسبة وإفاضته في الإشادة بدوري في متابعة مسار تلك الأعمال الإنشائية. كان يذكر ذلك في حضرة الوزير والوكيل وفي اجتماعات نظار المدارس التى انابنى عنه لحضور بعض جلساتها عندما غاب الأستاذ ابراهيم شبيكه وسفره الى بخت الرضالتسليم مهام موقعه السايق لخلفه وكان الوزير يحرص على اكتمال المنشأت ويخصها برعايته ويتابعها بنفسه بزيارات متعددة للمدرسة مصطحبا معه الأستاذ زيدان الذي كان يُسرّ إليّ مسبقا بمواقيت زيارات الوزير والوكيل للمدرسة لأكون في لقائهم بها إلى أن اكتملت كل الإضافات والتعديلات الضرورية التي مكّنت الوزاره قبل بداية العام الدراسي في شهر يوليو من قبول ثمانين طالباً كانوا نواة لنهرين اضلفيين ارتقيا يالخرطوم القديمة الى مصاف المدارس الكبرى ولتبدأ حقبة جديدة من تاريخها العظيم.. لم ابق بالمدرسة طويلا فقد تم نقلى - أِثر ترقية وظيفية لشخصى الضعيف اعتبارا من شهر يوليو 1960- الى مدرسة عطبره الثانوية فى اكتوبر من ذلك العام. رحم الله الاساتذة الكبار.. زيدان وتلودى وزياده ارباب..من عجب انهم كانوا ابناء جيل واحد من الطلاب الذين توالت تباعا سنوات تخرجهم فى كلية غردون .. اولهم امين زيدان (1929) وتبعه عبدالقادرابراهيم"تلودى"(1930) وكان الوزير زياده ارباب آخرهم تخرجا فى ديسمبر .1931

[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1747

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1474609 [جمال فضل الله]
0.00/5 (0 صوت)

06-12-2016 06:07 AM
متعك الله بالصحة والعافية استاذنا العظيم الكيب السلاوي .. ارجو ان تواصل سردك الممتع ويا حبذا لو تم جمع تلك السلسلة التاريخية في كتاب جامع.. وفقك الله واثاب اليك ثوابا عظيما....


#1474403 [حاج علي]
0.00/5 (0 صوت)

06-11-2016 06:07 PM
سرد رائع من رجل رائع


الطيب السلاوى
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة