11-07-2015 12:35 PM


تتداخل الاصوات وتتشابك فى تناغم واتحاد حتى يكاد يخيل الى السامع ان مبعثها مصدرا واحدا .. الضوضاء تملأ المكان .. مكبرات الصوت يتردد صداها فى كل ارجاء الموقف المترامى الاطراف وهى تنادى بالحاح على المسافرين انِ اقبلوا على شراء المعروضات المختلفة والتى فُرشت على الارصفة بصورة مهملة وهى تضم صنوفاً والواناً من المستلزمات التى يتهافــت النــاس على شرائها رغم عدم جودتها وتعرضها لحرارة الشمس .. الباعة المتجولــون الذين اذوت حــــرارة الشمس نضارتهم ينتصبون امام نافذات الحافلات يعرضون بضاعتهم المزجاة والتــى يراهــن المشترون على رداءتها ليدفعوا مقابلها ثمنا زهيدا .. صِبْيةٌ فى سن العاشرة وما دون وما فوق قليلا ، التصقت على جنوبهم صناديق عِدَدَهم المزخرفة التى تحملها احزمة بلاستيكية تدلت من عواتقهم المكدودة وهم يحومون حول المسافرين ، وتتلاعب اصابعهم الصغيرة بــ ( كشكوشاتهم ) ذات الجرس الموسيقى والمصنوعة من اغطية زجاجات المياه الغازية وهم ينادون بصوت ( مقروش ) بُحَّ من كثرة الصياح : ( وَرنِشْ ) .. ورنش .. ورنش .
كنت اقف على ناصية احد الارصفة انتظارا لوصول الحافلة التى ستقلنى الى مكان اقامتى .. كانت بيدى صحيفة رفعتها فوق راسى اتقاءً لحرارة الشمس التى كانت ترسل سعيرها فى ذلك اليوم من ايام يونيو الشديدة الحرارة .. جلست مفترشا قطعة من ( كرتونة ) وجدتها بجانبى بعد ان طال بى الانتظار وعيناى تتملان تلك المشاهد من ( الكوميديا السوداء ) التى تقام عروضها المجانية على هذا المسرح العبثى ، وتتفرسان وجوه شخوصه الذين جاءوا من كل حدب وصوب ، فالساعة الآن تشير الى الثانية ظهرا - وقت الذروة - الذى تكاد تنعدم فيه وسائل النقل ، ففى مثل هذا الوقت من كل يوم يفيض الموقف بجيوش جرارة من طلبة المدارس والجامعات ، والموظفين ، والعمال ، و( الكمسنجية ) واللصوص ، والعطالى الذين يجوبون اركان الموقف بحثا عن اللا شيء .
رآنى اجلس وحيدا فجاءنى يمشى على استحياء وبعينيه بريق امل وشيء من تحدٍ وقهر .. وقف امامى ملوحا بــ ( كشكوشته ) امام ناظرى وهو يبحلق الى حذائى الذى تلطخت بعض اجزائه ببقع الطين وغطت ( سيوره ) البُّنّية المتآكلة ذرات الغبار ، خاطبنى سائلا فى رجاء : ( ورنش ) ؟ .
روائح كريهة تزكم الانوف تهاجم خياشيمك فى نفحة واحدة .. تنبعث من براميل القمامة التى اتخذ البعض من جوانبها ( دورات مياه ) ، تختلط معها رائحة عوادم السيارات ، ومياه المجارى التى طفحت وطوقت مساحة واسعة حول انحاء الموقف .
كان فى الحادية عشرة من عمره أو هكذا خُيل الى ، قلت له من تحت المنديل الذى كممت به انفى وفمى تحاشيا لتك الروائح : بكم تمسح الحذاء ؟ اجابنى بابتسامة وضيئة واصابعه لا تزال تلعب بالكشكوشة : واحد جنيه .
- اذاً اتفقنا .
انزل صندوقه من على عاتقه وجثا على ركبتيه غير عابىءٍ بسخونة الارض الاسفلتية و بدأ يخرج اشيائه المتواضعة ويضعها على الارض ثم تناول الحذاء وشرع فى مسحه فى همة عالية ومهارة فائقة .
قلت له وقد احزننى ان ارى طفلا فى عمره يكدح من اجل ما يُسَدُّ به الرمق : كم عمرك ؟
- ثلاثة عشرة عاما ..
- ولماذا لم تذهب الى المدرسة ؟..
نظر الى فى اسى ثم قال ويداه الصغيرتان تعملان فى نشاط محموم : لم ادخل مدرسة فى حياتى ؟
- ولماذا ؟ كل الذين فى سنك هم الآن تلاميذ فى المدارس !! .
توقف عن المسح قليلا قبل ان يجيبنى وعيناه ساهمتان الى الارض : انا يتيم .. مات والدىَّ قبل ان ابلغ السادسة ، فقد رأيتهما يُقتلان امامى مع نفر كثير من اهل قريتى !!
- من اى منطقة انت ؟
اجابنى وقد اشرقت عيناه بالدموع : من غرب دارفور ..
لم استطع الاسترسال معه فى الحديث ، فقد طاف بعينيه حزن لو وضع على الصخر لفتته الى ذرات ، وطاف بخيالى ضياع مستقبل طفل برىء كان يمكنه ان يساهم فى بناء وطن ضاع هو الآخر بكثرة الحروب .
ناولنى حذائى وهو لا يزال جاثيا على ركبتيه ، فدسست فى جيبه ما اعتقدت انه يستحقه ، وتركته وانا اركض نحو الحافلة التى وصلت المحطة الى التو .
بعد جهد جهيد تحصلت على مقعد بالقرب من احد النوافذ ، وقبل ان تتحرك الحافلة رايته يهرول نحوها ثم وصل وبدأ يتفرس بعينيه الثاقبتين فى الوجوه ، واخيرا عثر علىّ فانبسطت اساريره وهو يمد يده الى بصحيفتى خلال فتحة النافذة ويقول فى فرح : انها صحيفتك يبدو انك نسيتها .
تناولت الجريدة وانا اشكره ، فلوح الى بكلتا يديه مودعا ثم اختفى وسط الزحام .. تمهلت فى جلستى وفتحت الصحيفة فانزلقت منها ( علبة ) بنية انيقة ومعها فرشاة لامعة تركها ( زكريا ) – وهذا اسمه – عرفانا بجميل لم افعله .

[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 4763

خدمات المحتوى


التعليقات
#1475425 [عابد ادم]
0.00/5 (0 صوت)

06-13-2016 05:28 PM
مستعجل لكثره التعليقات لاحقا


#1366569 [عبدالله احمد]
4.10/5 (7 صوت)

11-08-2015 10:32 AM
شكرا الاخ عوض على القصة الرائعة التي كشفت بوضوح ضخامة ماساتنا الحياتية اليومية المتكررة وكشفت عن مأساة طفولة انتهكت حقوقها في العيش الكريم والتعليم . اجمل مافي القصة الوفاء والامانة الذي بدر من صبي الورنيش عندما ركض يبحث عن صاحب الجريدة فبرغم التعاسة وصغر سنه لكن قلبه كبير .
برغم انني مررت بالمشاهد وعايشتها سنينا كثيرة الا ان القصة جعلتني ابكي .


#1366231 [سوداني]
4.16/5 (6 صوت)

11-07-2015 05:08 PM
رائعة هذه القصة. وحزينة.
واحسرتاة عليك يا سودان تؤود فيه الطفولة كل يوم مئات المرات!

شكرا عوض ابراهيم احمد ارباب.


ردود على سوداني
[عوض ابراهيم احمد ارباب .] 11-08-2015 09:09 AM
آلاف الاطفال بل عشرات الالاف ضحايا الحروب والتعسف ، لا ذهبوا الى رياض ولا مدارس .. شكرا لك انت ايها السودانى الاصيل .


عوض ابراهيم احمد ارباب .
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة