المقالات
السياسة
على خُطى عمدة لندن السَّابق، وليس عمدتها المُسلم الحالي
على خُطى عمدة لندن السَّابق، وليس عمدتها المُسلم الحالي
06-12-2016 03:13 PM


-الحلقة الأولى-

في مساءِ كلِّ خميسٍ بعدَ آخرَ تقريباً، كنَّا أنا وصديقي عادل القصَّاص نذهبُ في صُحبةِ الصَّديق المُشترك محمد عبَّاس محمد نور لقضاءِ العطلة الأسبوعية بمنزله الكائن بحي بيت المال القديم؛ ولأنه هو الحيُّ الذي نشأتُ وترعرعتُ في كَنَفِه إبان صباي الباكر، فقد كنتُ أمشي معهما في أزقَّتِه الضَّيِّقة، من محطَّة عبدالله خليل، وعلى طولِ شارع السَّيِّد علي، وعبر طرقٍ جانبيةٍ ملتوية إلى منزلٍ قديم، بالقرب من سوق الشَّجرة، فينتابُني بغتةً إحساسٌ بدنوِّ ارتفاعِ الأمكنة وانكماشِ أبعادِها الرَّاسخة في الذَّاكرة منذ نعومةِ خلاياها العصبية، وكأنني غاليفرُ أفريقيٌّ أو عملاقٌ في بلدٍ تقزَّمَ سُكَّانُه فجأةً تحت وطأةِ العابرين المُسرِعين.
وكنتُ دائماً ما أستغربُ من جرَّاءِ التَّغييراتِ المُدهِشة التي تطرأ على سلوكِ زملائي بكلية الآداب، الذين يختارون تعلُّم اللُّغةِ الفرنسية؛ فبعدَ قضاءِ عطلةٍ صيفيةٍ في فرنسا (بمدينة بيزانسو أو غرينوبل على وجه التَّحديد) لدراسةِ لغتها ذاتِ الوقعِ الحَسَنِ على آذانِ غيرِ النَّاطقين بها، سرعان ما يتبدَّلُ سلوكُهم نحو الأرقى، والأجمل، والأكثر لباقةً وتهذيباً، وذلك في غضونِ فترةٍ لا تتعدَّى عشرة أسابيع؛ فماذا بحقِّ السَّماء يفعلُ أولئك المدرسون بهؤلاء الدَّارسين، وأيُّ سحرٍ معهم يستخدمون، عِلمَاً بأن كثيراً من زملائي بالجامعة قد تعثَّرَ زمناً في تلقِّيه للُّغةِ الإنجليزية، التي سعى البعضُ في طِلابِها قرابة العشرةِ أعوام.
لم نكن نعبأُ كثيراً بإيجادِ إجابةٍ شافية على ذلك السُّؤال، بقدرِ ما كنَّا نسرحُ ونمرحُ أنا وصديقي عمر علي فتيحابي بانتهاكنا لخزانة الأقمصة الزَّاهية التي يوفِّرها لنا حمدان إبراهيم العاقب بمحبَّةٍ وبقليلٍ من الغضب، علاوةً على استمتاعنا بحكاوٍ لا نملُّ سماعها منه عن بيزانسو، إضافةً إلى استماعنا واستمتاعنا بالأغاني الفرنسية التي تمَّ تسجيلها على شرائط كاسيت، اكتظَّت بها حقيبتُه وخزانةُ ملابسِه المُحتشِدة بشتَّى ألوان التَّقليعات الفرنسية؛ ولم يكن وحدَه في حرفة تكديس المقتنيات الباريسية، ولكنه كان نسيجَ وحدِه في كرمه وسخائه، وإغداقه على مَنْ حوله من غير حساب؛ وهو القادمُ من ود عشانا، كما نوَّهنا على ذلك في حديثنا عن داخلية أربعات، والأكثرُ معرفةً بغِبطةِ اقتسامِ عشاءِ الفقراء.
وكنَّا نجدُ عند محمد عبَّاس، الذي يُقيمُ في ذلك البيت اللَّطيف في الحيِّ الأمدرمانيِّ العتيق، بصحبة عصام الخوَّاض، ما يُقيمُ الأودَ، ويُنعشُ الرُّوحَ، وما يُعزِّزُ أقوالاً باهرةً قد استمعنا إليها من قبلُ من أفواهِ حمدانَ وحسن علي عيسى وآخرين من مُبتعثي شعبة اللُّغة الفرنسية إلى بيزانسو وغرينوبل؛ إلا أن محمد عباس، الذي التقيتُ به في زيارةٍ لاحقة للندن لصديقنا المُشترك الرِّوائي الرَّصين محمد سليمان الشَّاذلي، قد اشتكى مُرَّ الشَّكوى من إجحافِ سوقِ العمل وسوءِ أوضاع المهاجرين، حيث رأى بأمِّ عينيه فرقاً هائلاً بين المجهوداتِ التي بُذلت في جامعةِ بلادِه لإعدادِ الدَّارسين، والاجتهاداتِ التي حُظي بها استقبالُهم كمهاجرينَ حالمينَ بحياةٍ هانئةٍ على ضفافِ نهرِ السِّين الشَّهير.
وهذا ما يقودنا إلى الحديث مباشرةً عن شخصية محمد عبَّاس في رواية "تسليم" (أو "استسلام"، في إشارةٍ للدَّلالة الحرفية لكلمة "إسلام")؛ فهو بخلافِ صديقنا محمد عبَّاس، شقيقِ الشَّاعر عالم عبَّاس محمد نور، الذي استنرنا برأيه في ندوة العلَّامة عبدالله الطَّيِّب، لم يكن من المهاجرين الجُدد إلى فرنسا، وليس لديه ما يشكو منه بصددِ شظفِ العيش وسوءِ المعاملة، بل كان من الجيلِ الثَّاني من المهاجرين، مما أكسب شخصيته مرونةً وقدرةً فائقةً على التَّأثير في كافَّة قطاعات الشَّعب الفرنسي، حسب المنطق السَّردي المُقنِع للرِّواية، التي كتبها الرِّوائيُّ الفرنسي المثيرُ للجدل ميشيل ويلبِك (كُتبت الكلمة وفقاً لطريقة نطق الاسم الفرنسي باللُّغة الإنجليزية).
تُعتبرُ الرِّوايةُ في حدِّ ذاتها جيِّدة السَّبك، وتستجيبُ إلى حدٍّ كبير لشروطِ السَّردِ المقبولة عالمياً، من حيث بناءِ شخصياتها، وتتابعِ أحداثها، وتناسقِ مواقفها، واتِّساقِ منطقِها الدَّاخلي، ورشاقةِ لغتها، وحداثةِ تراكيبها؛ إلَّا أنَّها، مع ذلك، محتشدةٌ بالمواقف المثيرة للضَّجر، والإيحاءاتِ العدمية، والعباراتِ التًّجديفية، والممارساتِ الجنسية الفاضحة؛ وكلُّ ذلك على خلفية التَّحذير من صعود الإسلام في أوروبا، مما يعزِّز حالة الذُّعر والخوف من الإسلام، علاوةً على تدنيسِ معتقداتِه بتناولها جنباً لجنب مع الأفعالِ التي تُخالفُ تعاليمَه بزاويةٍ لا تقلُّ بأيِّ حالٍ عن 180 درجة.
تدورُ أحداث الرِّواية في عام 2022، أي بعد سبعةِ أعوامٍ من تاريخ صدورها، مما يُعزِّزُ الخوفَ من وقوعِ خطرٍ وشيك، وهو صعودُ الإسلاميين إلى سُدَّة الحكم في فرنسا، هذا إضافةً إلى ازديادِ المخاوف من أنْ تحذو دولٌ أوروبية أخرى حذوَ فرنسا. ففي استطلاعاتِ الرَّأيِّ الأخيرة قُبيل الانتخاباتِ التي جرت في ذلك العام، كان حزبُ مارين لوبان في المقدِّمة بنسبة 34٪‏، تلاه بفارقٍ كبير كلٌّ من الاشتراكيين (22٪‏) والإخوان المسلمين (21٪‏). وفي الجولةِ الأولى من الانتخابات، استطاع الإخوان المسلمون بطريقةٍ ما زحزحة الاشتراكيين، حيث‏ فازوا بالمقعد الثَّاني، الذي يؤهِّلهم خوض الانتخابات النِّهائية ضد اليمين المتطرف، المتمثِّل في حزب الجبهة الوطنية، الذي تقوده لوبان.
لم يكنِ الاشتراكيون يرغبون في فوزِ اليمين المتطرف، بل كانوا يسعون بكلِّ ما يملكون من قوةٍ انتخابية لزحزحته عن كرسي الحكم. وما سهَّل عليهم الأمرَ بعضَ التَّسهيل أن محمد عبَّاس الذي يتزعم حزب الإخوان المسلمين، الذي برز لتوِّه من البونليو (ضواحي المدن)، معتدلٌ في مواقفه، وراغبٌ في إجراءِ تنازلاتٍ كبيرة للاشتراكيين، بما فيها الدِّفاع والمالية والخارجية، إلَّا أنه مُصِرٌّ بأن لا يتزحزح لهم قيد أنملة عن التَّعليم. وفي اتِّفاقٍ سلس مع الاشتراكيين، صعد الإخوان المسلمون إلى كرسي الرِّئاسة الفرنسية. وبسرعةٍ فائقة بسط الإخوانُ نفوذَهم على الجامعات، وفرضوا الزَّي الإسلامي على الطَّالبات، ومُنع تداولُ الخمور، وتمَّ فصلُ الأساتذة، وتعيينُ مُوالينَ، أُغدقت عليهم أموالٌ طائلة، قادمةً من السِّعودية، وتزويجُهم لعددٍ من النِّساء الحرائر. ومن ضمن مَنْ طالتهم هذه الإجراءات من أساتذة السُّوربون فرانسوا، بطل الرِّواية البالغ من العمر 44 عاماً، حيث تمَّ فصلُه، إلا أنه قد تمَّ استدعاؤه لاحقاً، بعد قبولِه عبر وساطةٍ حاذقة بالشُّروط الجديدة التي فرضها الإخوان.
ومن غرائبِ الصُّدف، أن ما لفتني إلى هذه الرِّواية المثيرة للجدل هو عمدة لندن السَّابق بوريس جونسون، الذي كتب مقالاً بصحيفة "الدِّيلي تلجراف" في يوم 3 يناير 2016، ندَّد فيه بالرِّواية التي تُعزِّز الذُّعرَ من الإسلام، وأشار فيه إلى أهمية إقامةِ فارقٍ ضروريٍّ بين قلَّةٍ من المتطرفين الإسلاميين، والدِّيانةِ الإسلامية التي يعتنقها أكثرُ من بليون شخصٍ على نطاقِ العالمِ أجمع. وقال جونسون إننا لا نحتاجُ إلى اختراعِ سيناريو غير مرجَّحٍ يَحدُثُ بعد ستةِ أعوامٍ في فرنسا لنرى ما يؤولُ إليه الحالُ في البلاد بعد تسلُّم الإسلاميين مقاليد الحكم، إذ إنَّ كل ما نحتاجُ إليه هو السَّفرُ إلى غرناطة، لمشاهدةِ الإرث الرَّائع الذي خلَّفه حكمُ المسلمين لإقليمٍ أوروبي، بدءاً من أوائل القرن الثَّامن وحتى نهاية القرن الخامس عشر.

عُدتُ في بداية هذا الأسبوع من رحلةٍ شاحذةٍ للفكر، وممتعةٍ في ذاتِ الوقت، إلى كلٍّ من مالاغا، وغرناطة وقرطبة بإقليم الأندلس (أندلسيا) بجنوب إسبانيا؛ وسنقوم معاً بعونِ الله في حلقةٍ قادمة بجولةٍ مُستفيضة -على خُطى عمدة لندن السَّابق- عبر أروقة الحمراء، التي تشمل قصر الحمراء وقلعتها الشَّهيرة في غرناطة، إضافةً إلى زيارةٍ لاحقة إلى المسجد الأموي الجامع في قرطبة الذي تحوَّل بمشيئةِ قادرٍ إلى كاتدرائية سانتا ماريا بدءاً من عام 1146.



-الحلقة الثَّانية-

سافرتُ الأسبوعَ الماضي بصحبةِ الأسرة إلى قرطبة، ولم يصحبنا هذه المرَّة ابننا محجوبٌ لارتباطه بالعمل، إلا أن محجوباً آخرَ قد سبقنا إليها منذ عهدٍ بعيد (فشُكراً لصديقي مسعود محمد علي على تنبيهي لزيارة محمد أحمد محجوب للمدينة الأندلسية الشَّهيرة، التي كان من نتاجها قصيدته المعروفة: "الفردوس المفقود"، في إشارةٍ إلى 'ضياع' الأندلس، وتفلُّتِه من أيدي المسلمين، إضافةً إلى تشبيهه لضياعه بسقوط القدس في العصر الحديث، ووقوعها تحت قبضة الدولة اليهودية الحديدية). وربما يكون هذا التَّركيز الدَّائم من قبل الشُّعراء العرب على الجانب السياسي، الذي يستدعي مخاطبة المشاعر القومية المتدفقة، على حساب غيرها من القيم المحتبسة في الأغوار، هو واحدٌ من الأسباب القوية التي تدفعني دفعاً إلى المناداة بتنحية الشَّاعر، وإحلال النَّحوي محلَّه، باعتباره بديلاً إستراتيجياً ورائداً معرفياً أكثر ملائمةً لقيادة مسيرة الحداثة في منطقتنا.
لا نلومُ المحجوبَ كلَّ اللَّوم، فرؤيةُ مسجدٍ في قرطبة يُحالُ إلى محفلٍ كنسي، يُثير أسًى في القلب، وغُصَّةً في الحلق، هذا إنْ لم يُرسلْ دمعةً حرَّى إلى العين؛ إلَّا أنه بدلاً من تعليَّةِ الحاجب وتقطيبِ الجبين، فإن من الممكن استقطاب المُوجِبِ في قرطبة؛ ولا يتأتَّى ذلك إلا بسبيلين: نبشُ الماضي وفحصُ ما تبقَّى في الحاضر من آثار، ومقارنةُ ما حدثَ في قرطبةَ بما يجري الآن في غرناطة (فلأجلِ ذلك، قد جئنا إليها، سائرينَ على خُطى عمدة لندن السَّابق، وليس الحالي يا بابكر أخي؛ فاتِّباعُه لا يُفيدُ كثيراً، لأنه سيكونُ بمثابةِ عِظةٍ لمُهتدينَ أصلاً؛ ولكنها جاءت على خُطى مَنْ لم نكن نتوقَّع منه مردوداً إيجابياً، لمحافظته ويمينيته، علاوةً على قيادته لحملةِ الخروجِ من الاتِّحادِ الأوروبي، الذي من شأنِه أن يُحدِثَ أثراً سلبياً على المهاجرين).
كما لا نُشدِّدُ اللَّومَ على المحجوب، لاستعانته بصنوه أبي الوليد ("أبا الوليدِ أعِنِّي ضاع تالدُنا")، المعروف بابن زيدون، الذي اشتُهر بولعه بولَّادة بنت المُستكفي، لكننا نستدعي أبا الوليدِ الآخرَ، المعروف بابن رشد، ونستنجدُ بِمَنْ يُعيننا عليه، فالتُّراث التَّليد الذي خلَّفه قاضي القضاةِ قي قرطبة، لا يكفي عقلٌ واحد لاستكناهِ جوانبه أو الإلمامِ بكلِّ أقطاره. ولأن أبا الوليدِ الآخرَ كان مثل رأسِ الدَّبوس (وشكراً للمهندس أحمد الفكي، الضَّليع في شئون الحاسوب، على تزويدي بهذا التَّعبير المُدهِش، الذي ربما ارتبط لديه بإعادة تشغيل الأجهزة الإلكترونية؛ وشكراً لتغريداته على الهاتف، عِلماً بأننا كنَّا نلقِّبه بأحمد عصفور) الذي اخترق غشاء العقل الأوروبي، ولقَّحه بجيناتِ الفكر الإسلامي الجديد، فمكَّنه من فكِّ مغاليق التُّراث الإغريفي العريق وإعادة تشغيله على أفضلِ وجه. وعندما نُشيرُ إلى الدَّبوس، فإننا لا نحتفي برأسِه فقط، وإنْ كان وحده رائداً في هذا الشَّأن، وإنما نُشيرُ أيضاً، وفي ذاتِ الوقت، إلى بقية الجسم المعدني، الذي لولاه ما كان للرَّأسِ قدرةٌ على الاختراق؛ وهو اختصاراً ذلك المتنُ الفلسفيُّ العربي، الذي يبدأ بمؤلَّفات الكندي والفارابي وابن سينا في المشرق العربي، ومؤلَّفات ابن باجة وابن طفيل وابن رشد نفسِه في مغربِه.
لم يضِعِ التُّراثُ الإسلاميُّ في قرطبةَ تماماً، حتى يشتدُّ بكاؤنا عليه؛ فلا زال الصَّرحُ الإسلاميُّ العتيق في الحاضرة الأندلسية الشَّهيرة، يُشارُ إليه بـ"ميثكيتا" (يُقلبُ حرفُ الزَّاي المجهور ثاءاً مهموسةً في لهجاتِ الإسبان)، وتعني المسجد باللُّغةِ الإسبانية (كما توجد بلديةٌ باسم "لا ميثكيتا" في منطقة غاليسيا بشمال غرب إسبانيا)؛ واسمُه المُشار إليه رسمياً في الوريقات التَّعريفية هو "مسجد-كاتدرائية قرطبة"؛ وما زالتِ الآياتُ القرآنية تُغطِّي جانباً من الجدران الدَّاخلية، وإنْ تعرَّضت أعمدتُه للمَحوِ المتعمَّد؛ فمن ناحيةٍ معمارية، ينتمي المبنى إلى الفنِّ الإسلامي، بتميُّزه بالخطِّ والزَّخرَفةِ العربية والمُنمنمات وديكورات الجدران، هذا إضافةً إلى الأقواسِ المزدوجة المُرتكزة على أعمدةٍ رُخامية متقاربة؛ أمَّا من ناحيةٍ إعمارية، فمن المتعذَّر بمكان، إنْ لم يكن من المستحيل، أن يعمُرَه مُصَلُّونَ مسلمون، فقد تمَّ تحويلُ ما بين الأعمدةِ التي تتوسَّط المسجد إلى كاتدرائيةٍ كاثوليكية، شُرِعَ في تكريسِها بدءاً من عام 1146؛ وبصورةٍ قاطعة، حسب ما جاء في كُتيبٍ تعريفي، في عام 1236. وعلى ضوءِ ذلك التَّكريس، يُمكننا أن نفهمَ قول المحجوب ونتعاطفَ مع رِثائيته الشَّهيرة ("ولا المساجدُ يسعى في مآذنها مع العشيِّاتِ صوتُ الله رَيَّانا" – هل وصلت ابنتُك "ريَّانُ" يا مسعودُ، لتقضي معك طرفاً من رمضانَ في فرجينيا؟).
هذا ما كان في شأنِ السَّبيل الأول، وهو نبشُ الماضي وتأمُّلُ آثارِ الحاضر؛ وإذا كان السَّبيلُ الأولُ في مجمله تعاقبياً (دياكرونياً)، فإن السَّبيل الثَّاني في جوهره تزامنياً (سنكرونياً)، إذ إنه يختصُّ بما يجري الآن في غرناطة، على خلفية ما حدث في قرطبة، التي أثارت شجون المحجوب، فأهدانا قصيدته الرَّائعة "الفردوس المفقود"، التي تستجيبُ بشكلٍ كلاسيكي لواحدٍ من أغراض الشِّعر المعروفة، وهو الرِّثاء. فكلُّ ما يمَسُّ حياةَ النَّاسِ العاديين في غرناطة، يدورُ اليومَ بصورةٍ أو بأخرى حول الحمراء؛ وهو مجمَّعٌ معماريٌّ ضخم، شِيدَ على سفح جبل الثَّلج الأندلسي (سلسلة "سييرا نيفادا" الإسبانية)؛ ويحتوي المجمَّع على قصر الحمراء، وقلعة الحمراء الشَّهيرة، وجنَّة العَريف (جنراليف، بالإسبانية؛ وينبغي ألا تُخلط مع عبارة "جنرال لايف" الإنجليزية، التي تعني الحياة العامة؛ وجنراليف، أو خنرليفي بلهجة أهلها، كانت مُكرَّسةً للحياة الخاصة للأمراء المسلمين في غرناطة، فهي لهم بمثابةِ قصرٍ صيفي، مكتظٍّ بالحدائق الغنَّاء، التي يستخدمونها كمنتجعٍ ومنتزهٍ للرَّاحةِ والاستجمام؛ بل إن أحد الأمراء استخدمها مكاناً للالتقاء السِّري بعشيقته، بعيداً عن زوجاته الأربعة، ونيفٍ وعشرين محظيَّةً من محظيَّاتِه، اللائي يقمن في قصر الحمراء الشَّتوي).
لا يمكن رؤية مجمَّع الحمراء من فرطِ ضخامته، إلا من شُرفةِ المراقبة (ميرادور) بكنيسة القديس نقولا (نيكولاس)، التي تقع في حي البيازين (أو ألبيثين، حسبما يُنطقُ الاسمُ باللَّهجة المحلية) الشَّهير، الذي يحتفظ إلى الآن بطابَعِه الإسلاميِّ القديم؛ وهو مَحَلُّ حفاوةٍ من قبل السِّياح الذين يتقاطرون عليه لرؤية الحمراء من جانبه، كما هو أيضاً مَحَلُّ تقديرٍ من قبل منظمة اليونسكو التي اعتبرته موقعاً تديره ضمن برنامجها الخاص بمواقع التُّراث الدُّولي (إلى جانب خنرليفي وقلعة الحمراء)، إضافةً إلى أنه مَحَطٌّ لاهتمامِ الرِّوائيين، حيث وصفه الرِّوائيُّ اللَّبناني أمين معلوف في روايةٍ له باللُّغة الفرنسية، تمَّت ترجمتها تحت عنوان "ليون الأفريقي"؛ هذا علاوةً على أن الحيَّ نفسَه كان موقعاً روائياً من المواقع الأربعة للرِّواية (غرناطة، فاس، القاهرة، وروما)، ومسقطاً لرأسِ بطلِها الرَّئيسي حسن بن محمد الوزَّان، المُلقَّب بـ"ليون الأفريقى".
ولا يُعدُّ أمراً مستغرباً أن يُعجبَ زوَّارُ غرناطة الذين يُحسبون بالملايين سنوياً بمعمار الحمراء البهي، بإضاءته الطَّبيعية الباهرة، وبحدائقه الغنَّاء، وأشجاره الباسقة، وأزهاره العطرة، ونوافيره التي يصلُها الماء المتدفق من جبل الثَّلج، وأحواضه التى تُسقى عبر جداولَ طبيعيةٍ وقنواتٍ صناعية متفرِّعة عنها؛ ولا عجبَ أن ينبهِرَ الزُّوارُ برَدهاتِ القصرِ الواسعة، وسقوفه المزخرفة، وخزفه المُنمنم؛ أو أن يستغرِبَ معظمُهم من كثرةِ الآياتِ المنقوشة على الجدران، ولا سيما "لا غالبَ إلا الله" التي صارت شعاراً للقائد العربي، حاكم غرناطة في ذلك الزَّمان، محمد بن نصر، الملقَّب بالأحمر. كما لن يتعجَّبَ أحدُنا من بعدِ ذلك كثيراً من قولِ عمدة لندن السَّابق، بأنْ ليس لأوروبا ما تخشاه من حُكمٍ غيرِ مرجَّحٍ للمسلمين، إذا كان ما سيخلِّفونه من تراثٍ هو في روعةِ الحمراء وبهائها الآسرِ للألباب.
قدِمَ جونسون إلى غرناطة مُشبَّعاً بأجواءِ وإيحاءاتِ رواية "تسليم"، إلا أنه حرَصَ مع ذلك على إكمال قراءة الرِّواية التي كتبها الرِّوائي الفرنسي المثير للجدل، ميشيل ويلبك، قبل أن يهبِطَ من طائرة "إيزي جيت" التي أقلَّته إلى المدينة الأندلسية العتيقة، وذلك حتى يُديرَ لها ظهرَه، ويضعَ تأثيراتِها السَّلبية خلفَه تماماً؛ وقد حَرَصنا، من جانبنا، أن نسيرَ على خُطى عمدة لندن، فبدأنا تصفُّحَ الرِّواية على متنِ طائرة "لوفتهانزا"؛ ولأن السَّفرية لم تكن مباشِرةً، فقد أخذتنا إلى مطار فرانكفورت، مما اضطرنا إلى أن نركضَ عبر صالاتِ التَّرانزيت حتى نلحقَ بالطَّائرة التي ستقلُّنا إلى مالاغا؛ إلا أننا لم ننسَ مع ضيقِ الوقت أن نتذكَّرَ رهطاً من المفكِّرين الألمان الذين تركناهم رَدَحَاً على مقاعد الانتظار. خلاصة الأمر، أنني لم أستطِع إكمالَ قراءةِ الرِّواية إلا بعد يومٍ من عودتنا إلى لندن؛ ولكنني نجوتُ من تأثيراتِها السَّلبية بإعمالِ الخيالِ المُضاد، وبما أحتفظُ به في قرارةِ نفسي من تحيُّزاتٍ تعصمني من الوقوع في الأحابيل الرِّوائية التي صنعها الكاتبُ باقتدارٍ شديد. ومع ذلك، فقد تركتُ له حبلاً طويلاً ليُقنِعَني بحُجَّتِه، إلا أنني توصَّلت في نهاية المطاف إلى ما توصَّل إليه عمدة لندن السَّابق، بوريس جونسون.
اعتمد الكاتب على لعبة التَّصوُّرات المتضاربة لدى كلٍّ من المسلمين في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها والأوربيين على وجه العموم، والفرنسيين منهم على وجه الخصوص. فما يبدو لدى طرفٍ قريبَ المنال، يبدو لدى طرفٍ آخرَ بعيدَ المنال أو قريباً من المستحيل. والحيلة الأساسية التي اتَّبعها المؤلِّف، هي تصويرُ ما هو بعيدُ المنال وكأنَّه على مرمى حجرٍ أو هو أقربُ إلى التَّحقيق، لتغذيةِ الأوهام وتعزيزِ المخاوف من صعود الإسلام. وما يُستفادُ من درسِ الحمراء، هو أنْ ليس هناك ما يخشاه الفرنسيون أو تخشاه أوروبا من حُكمِ المسلمين (الذي يتمثَّلُ تمثيلاً رمزياً خافتاً في عمدة لندن المسلم الحالي)؛ ما يخشاه العالمُ أجمع –بالفعلِ- هو صعودُ التَّطرُّف، من أيِّ طرفٍ أتى، مسلمين كانوا أم مسيحيين أو يهودا؛ وما ينبغي تذكُّره من تاريخ الحمراء، أن المسلمين، إلى جانب اليهودِ كذلك، همُ الذين تمَّ طردُهم من غرناطةَ وإجلاؤهم من بلادِ الأندلس قاطبةً، بعد أن حكموا بلاداً تعايشَ فيها نوعاً من التَّعايشِ كافَّةُ الدِّيانات والثَّقافات، لمدَّةِ نحوِ ثمانيةِ قرون.

ربما تكونُ هذه هي الحلقة الثَّانية والأخيرة، ما لم يطرأ هاتفٌ من صميمِ الرِّحلة، أو ينبعِجُ سياقٌ مناسب، أو يبدو أمامَ العينِ أمرٌ تفلَّتَ اليومَ من إسارِ الذَّاكرة.

khalaph@hotmail.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1479

خدمات المحتوى


محمد خلف
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة