06-17-2016 11:28 PM


تاريخياً فإن مفهوم التنوير يشير الي تلك الحركة الفكرية الثقافية خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر التي قام بها الفلاسفة و العلماء في اوربا الذين نادوا بقوة العقل و قدرة نور العقل علي فهم العالم و إدراك نواميسه و قوانين حركته و من ثم السيطرة علي الطبيعة.

دافع التنويريون عن العقلانية و مبادئها كوسائل لتأسيس النظام الاخلاقي و المعرفي و اعتمدوا علي الفردانية و التجربة العلمية و النتائج المادية الملموسة و السببية بديلاً عن الخرافة و الخيال و التقاليد الدينية القديمة و العادات الثقافية البالية التي تعبر عن عصور الظلام.

حدد المفكر إيمانويل كانط مفهوم التنوير بأنه خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه بسبب عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر نتيجة للكسل و الخوف.

كما نادي كانط بضرورة تغيير إتجاه العقول من الاعتماد علي الغير الي الاستقلال الذاتي عن طريق التربية العقلية و النقدية للأفراد و يشترط كانط وجود الحرية لنشأة التنوير و استمراره في المجتمعات.

علي عكس الذين فهموا أن التنوير نقيضا للإيمان و المعتقدات الدينية فإن كانط يري أن حدود العقل تبتدئ بعد حدود الإيمان و دعي التنويريون عموماً الي التديّن العقلاني.

هناك الكثير من الأفكار المغلوطة و الخلط و التوهم لمفهوم التنوير وسط المثقفين السودانيين و الكتاب العرب عموماً و أصبح مصطلح التنوير عند كثير من هؤلاء المثقفين عبارة عن أيقونة فارغة و صنم يعبد خالي من المعنيّ و المضمون حيث أنهم قاموا بربط التنوير بالحداثة تارة و بالمشاريع المعرفية و السياسية المختلفة تارةً اخري تعبيراً عن جهلهم العميق بأن التنوير عبارة عن فلسفة مستقلة تقوم علي العقل التجريبي و المعرفة العلمية و ليس له أي علاقة تأسيسية بالمشاريع الاخري و لا يمكن ربطه إلا بالإنسان و قيمه الأخلاقية التي تستند علي العقل.

كما صب التنويريون الأوائل إهتمامهم الرئيسي علي مسائل الجمال و التناسب و التناغم التي هي الجوهر الحقيقي للعالم و الإنسان.

ان التعريف التنويري للعقل بعيد كل البعد عن التعريف التقليدي المشاع له حيث ينظر التنويريون الي العقل علي أنه عقل توظيفي و فني بحت يثبت صلاحيته فقط بالنتائج العملية التي يحققها.

ان المدارس الفكرية التي تدعو الي نقد العقل لا تعني إلغاء العقل كما فهم غالبية المفكرون السودانيون و العرب و لكنها تنقد العقل من أجل الوصول الي مستويات أعلي من العقل في سلسلة تكاد تكون لا نهائية تماماً مثل التنوير الذي هو عبارة عن عملية مستمرة لا يحدها زمان أو مكان أو سقف.

حوت الفلسفة التنويرية كمية من الأفكار التي ترتكز علي السببية كمصدر أولي للسلطة و الشرعية و طورت و أنتجت أفكار مثل الليبرالية و التحديث المستمر و التعايش السلمي و دولة القانون و العلمنة الشاملة.

لذلك يجب علينا عندما ندعو لنموزج تنويري سوداني أن نستصحب معنا كل تلك الأبعاد السابقة للمصطلح و دراسة العقل السوداني جيداً و نقده بحكمة و من ثم إنتاج عقل سوداني جديد مستقل بذاته و متحرر من التقاليد البالية المختلفة و قابل لإعادة الإنتاج باستمرار و استقبال النور المتجدد.
الشخص المستنير الحقيقي ليس عبارة عن شخص جامد عند محطة معرفية واحدة مهما كانت قيمتها مرتفعة و لكن المستنير حقا هو ذلك الشخص الذي لديه قدرة يومية علي استقبال تنوير عقلي جديد و في مختلف المسائل.


[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 5178

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1477261 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

06-18-2016 03:21 AM
المفكر السوداني الاستاذ الشيخ محمد الشيخ يري ان البنية االعقلية (او الذهنية) السودانية تسيطر عليها بنية العقل التناسلي. وحسب فهمي لطرح الشيخ محمد الشيخ، فان كل مجموعات وتجمعات وتنظيمات السودانيين (كما جل السودانيين كافراد) تقع _ رغم اختلافها الظاهر _ في نفس المجموعة: يدفعهم في هذه الحياة غريزة وعقلية التكاثر، والتي تحكم جل او كل قيمهم وطموحاتهم.
هناك _ حسب الاستاذ الشيخ محمد الشيخ _ بالاضافة الي بنية العقل التناسلي بنيتيان اخريتان تحكمان العقل الانساني هما ١. بنية العقل الراسمالي/المادي، وهؤلاء تحكم طموحاتهم وقيمهم المادة وجمع المال والثراء؛ ٢. بنية العقل الخلاق، وهؤلاء تحكم طموحاتهم وقيمهم مدي تمكنهم من الابداع الخلاق.
ويري الاستاذ الشيخ محمد الشيخ ان لكل انسان كل هذه البنيات الثلاث في عقلة، ولكن بنية واحدة من الثلاثة تسود، وتعمل علي توظيف البنيتين الاخريتين لمصلحتها. في السودان ومعظم الدول المتخلفة اقتصاديا وتنمويا وحضاريا وسياسيا واجتماعيا، فالبنية السائدة هي بنية (او اذا شئت ديموغرافية) العقل التناسلي، ولها يسخر (حتي) الموسر او المبدع السوداني (+ الاغبش محمد احمد فحل بنية العقل التناسلي) ما لهما من مكتسبات وملكات البنية المادية (من مال وعقار ونفوذ الخ) او البنية الابداعية الخلاقة (من مواهب فنية/ادبية/معرفية الخ).
هذا هو النموذج. وطبعا لكل قاعدة شواذ _ يقول الاستاذ الشيخ محمد الشيخ.


لا اتفق مع كل ما يقول (وليس ذلك مهما هنا) ولكن طرحه يبدو لي الاكثر اقترابا لسبر غور تركيبة العقل السوداني.
حسب فهمي لطرح الاستاذ الشيخ محمد الشيخ، فقد يتبع ادمان السودانيون للخلاف من مركزة الذات (الاكثر حساسية والاصعب تقبلا والاعنف ردا للنقد) في دائرة العقل التناسلي (مقابل مركزة المادة في دائرة العقل المادي/الراسمالي؛ او مركزة العمل المبدع الخلاق في دائرة العقل المبدع/الخلاق).

من الصعب جدا تصور حدوث شئ يشبه عصر النهضة في السودان لانتفاء امكانية توفر عامليين اساسيين اديا الي بزوغ عصر النهضة في اوروبا وتطوره الي الثورة الصناعية ثم التكنلوجية/المعلوماتية هما:
1. انفصال الدين (الكنيسة ونفوذها) من الدولة
ففي نصوص الدين الاسلامي الحنيف من قرآن كريم وحديث صرح تنظيري لمفهوم الدولة كثيف ومعقد لا يوجد في الدين المسيحي يجعل السعي لفصل الدين عن الدولة تماما شبه مستحيل؛ وربما يتمثل الحل الامثل هنا في النجاح في ابعاد غول وتغول الاسلام السياسي الفاشي (الاخوان المسلمين؛ الداعشيين) بصورة لا رجعة فيها عن تسيير امور الدولة. او لعب اي دور في سن دستورها الدائم.
2. انفصال مؤسسة الاسرة عن مؤسسة الزواج منذ ستينات القرن العشرين. علي الاقل من حيث المبدأ. طبعا هذا امر مستحيل في مجتمع مسلم ومحافظ كالمجتمع السوداني، وغير مرغوب فيه احتماعيا حتي من قبل اللادينيين. ولكن هذا الانفصال سدد الضربة القاضية لبنية العقل التناسلي التي كانت ما تزال تترنح عند الحبل في اوروبا حتي الحرب العالمية الثانية. فالاوربيون مثلا الان يمارسون الجنس حين يريدون، حتي قبل الزواج. السوداني لا يستطيع ذلك، والسودانية لا تستطيع ذلك البته قبل الزواج، ولو انتظرته العمر كله دون ان يطرق بابها. هذا التحقيق الجنسي والاسري عند الاوربيين مثلا يفتح بنيات اخري في العقل تظل "معصلجة" في عقلنا التناسلي. ما الحل؟ الزواج عند بدء الرغبة في مقتبل العمر؟ هكذا تزوج اباؤنا وامهاتنا. ولكن الدنيا تغيرت. والاخوان المسلمون يجثمون علي الصدور. والشباب والشابات يعانون من العطالة والفاقة وانعدام الامل والحرمان الجنسي. فكيف ينشط في ظل هذا الكبت والقهر والحرمان العقل المادي/الرأسمالي الذي ينتج الفائض اللازم لبناء بلد رخي وغني وعادل ومتمدن ومتقدم. اذ ان مثل هذه الوثبة المادية شرطية لتطور ونشاط بنية العقل الخلاق التي ستبدع كما ابدع غيرنا.

الخلاصة: في بلد تسود فيها بنية العقل التناسلي وتحكمها المبادئ الاسلامية يلزم للبلد حد ادني من الثراء يمكن كل شاب وشابة بلغ او بلغت سن الزواج ان يتزوحوا ويكونوا اسرة حتي تتفرغ طاقاتهم لتفعيل البنيات الاخري في عقولهم لاثراء الحياة ليس فقط بالبنين، بل ايضا بالمال والابداع.
ليست لنا موارد قطر او السغودية او الكويت او الامارات، فمن اين اذن هذا "الحد الادني من الثراء"

ربما يفسر هذا الكثير عن فشل السودانيون منذ الاستقلال!
مع التقدير والاحترام.


د. مقبول التجاني
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة