06-21-2016 11:58 AM


...... وذكر مساعد رئيس الجمهورية إبراهيم محمود ان امبيكي اتصل به وافاده بطلب قوى نداء السودان توضيحات حول خارطة الطريق، وردد (الخارطة واضحة فماذا نوضح؟)، وزاد (اذا وقعوا على السلام حبابهم عشرة، واذا لم يوقعوا سنعلنهم حركات ارهابية كما في بعض الدول المجاورة). الجريدة، نقلا عن الراكوبة.
كل العموميات المربكة التي ذكرها مساعد رئيس الجمهورية في تلك التصريحات أعلاه، لا تهمنا في شيء، فله الحرية دون سقف، والخيار المطلق فيما يقول بما يخدم حزبه وموقعه. ولكن الذي يهمنا هو القول الذي نقله على لسان وسيط الاتحاد الأفريقي السيد/ ثابو امبيكي، الوارد في الإقتباس أعلاه.
وقبل الخوض في هذا الكلام الخطير إن صح بأن قائله هو ثابو أمبيكي نفسه، أم قد تقول عليه مساعد رئيس الجمهورية بما لم يقله تشويها وتحريفا للحقائق، كعادة قيادات حزب المؤتمر الوطني لتعضيد موقف حزبهم المخاتل، لابد من توضيح ما هي الوساطة، وما هو دور الوسيط حتى لا يستشكل على البعض الأمر.
أحد تعريفات الوساطة: تُعرف بأنها المسعى الذي تقوم به دولة ما، أو منظمة دولية أو شخصية مرموقة بغية التوفيق بين طرفين أو دولتين متنازعتين، وإيجاد تسوية للخلاف القائم بينهما أو بناء على طلب أحد الطرفين أو تكليف منظمة قارية أو إقليمية للقيام بهذا الدور. المصدر، من كتاب الدبلوماسية للدكتور شفيق السامرائي.
ويرى فولبير وتايلر"أن الوساطة هي العملية التي يتم القيام بها من جانب المشاركين معا وبمساعدة طرف ثالث أو أكثر محايد لعزل القضايا المتنازع عليها بصورة منظمة، وذلك بغية بلورة خيارات تُعد بمثابة بدائل للتوصل إلى تسوية يقع عليها الرضا الجماعي وتستجيب لاحتياجاتهما.
وتتميز الوساطة بعدة أمور منها: تتمثل في كونها اختيارية، أي أن الدولة أو المنظمة أو الشخص الوسيط يقوم بالوساطة بملء إرادته دون أن يكون مرغما على القيام بهذا الدور. حرية المتنازعين بقبول الوساطة أو رفضها. إن نتائج الوساطة ليست لها قوة إلزامية، ولا يمكن فرضها على الأطراف المتنازعة، كما هو الحال في التحكيم باعتباره أحد آليات فض المنازعات. إن الوسيط يسعى لتهدئة الأمور، ويشترك مباشرة في المفاوضات لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، والتقدم باقتراحات وحلول قد يقبل بها الطرفان دون ضغط أو إكراه تاركا لهما ملء الحرية في الموافقة عليها. أن مدة الوساطة لا ينبغي أن تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية. المصدر السابق نفسه.
عطفا على ما تقدم من اقتباس، يوضح دون إسهاب ما هي الوساطة وبما تتميز، فإن حديث مساعد رئيس الجمهورية غير المنضبط هذا، ينم عن جهل فاضح بأبجديات الوساطة وحقيقة مراميها، سوى أن كان صادقا أم كاذبا فيما نسبه لوسيط منظمة الإتحاد الأفريقي، ثابو أمبيكي من قول.
فليس من حق هذا الأخير بصفته وسيطا تُفترض فيه صفة الحياد والنزاهة، القول بأن خارطة الطريق واضحة، دون تحديد ما هي أوجه الوضوح فيها، ودون الإشارة إلى الجهة التي رأت بأن هذه الخارطة بالنسبة لها واضحة، ولا تحتاج بالتالي إلى أي إضافات مهما كانت أهميتها بالنسبة للطرف الآخر. الأمر الذي ينزع صفة الحياد من السيد/ ثابو أمبيكي، ويجعله طرفا منحازا إلى جهة على حساب الجهة الأخرى، فليس من حقه التحفظ على أي إقتراحات أو ملاحظات أو حلول يمكن أن يتقدم بها أي طرف من الأطراف في مراحل النزاع المختلفة، وإلا فقد صفته كوسيط.
أما صفة التخيير بين التوقيع أو الرفض للخارطة بتلك اللغة الخشبية التي تستبطن التهديد الواضح بالعواقب الوخيمة، حين قال نقلا على لسان مساعد رئيس الجمهورية إبراهيم محمود: (اذا وقعوا على السلام حبابهم عشرة، واذا لم يوقعوا سنعلنهم حركات ارهابية كما في بعض الدول المجاورة). إذا صح هذا القول فإنها الكارثة بعينها، وإذا كان هذا الحديث الخطير من بنات أفكار مساعد رئيس الجمهورية، ولم يقل به السيد/ أمبيكي، فعلى الأخير أن يقوم بنفيه في الحال، وإلا صار طرفا في النزاع، مما يفقده صفة الوساطة التي تتطلب الحيادية كما أسلفنا.
وفي الحالتين إذا قال السيد أمبيكي هذا التصريح أو لم يقله، فما من جهة تستطيع أن تسبغ صفة الإرهاب بهذه الحركات المسلحة الثورية التي تقاتل من أجل قضايا مشروعة وعادلة اعترف بها النظام وقبل التفاوض حولها، واعترفت بها الأمم المتحدة، وأصبحت مشمولة بالحماية الدولية بموجب البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات حنيف الأربعة لسنة 1949، اللتان يستثنيان النزاعات الداخلية ويسقطان الركن الدولي الذي تتطلبه أركان جرائم الحرب، فتم إتهام قادة النظام من عسكريين ومدنيين بهذه الجرائم بالفعل.
يعلم السيد ثابو أمبيكي جيدا أن الحكومة السودانية قد تم تصنيفها إرهابية وداعمة للإرهاب منذ عام 1997، وما زالت جرائمها متواترة في استمرار لا يعرف الهدنة أو التراخي، بحق المدنيين الأبرياء في كل ربوع السودان دون إستثناء، بما في ذلك عاصمة البلاد التي أصبح سكانها يعيشون في سجن كبير يحكمه البطش والقمع والقهر والجوع والجهل والمرض، وكل الموبقات والفظائع التي هي والإنسانية في خصام لدود.
ويعلم السيد/ أمبيكي، أيضا أن لحاملي السلاح قضية سياسية تعامل معها النظام أمنيا وعسكريا، حتى تم إتهام رأسه بجرائم إبادة الجنس البشري، الأمر الذي استدعى ثابو أمبيكي نفسه أن يقدم تقريره الضافي الذي ترأس لجنته في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 2009، والذي من أهم بنوده تشكيل محاكم مختلطة لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، مع الإعتراف الصريح باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وولايتها بمحاكمة من تم إتهامهم بجرائم دولية معاقبا عليها بموجب نظامها الأساسي.
وثابو أمبيكي نفسه شخصية مثيرة للجدل كوسيط، ويُعتبر فاشلا بكل المقاييس في مهمته التي تطاول أمدها، رغم معرفته العميقة بجذور النزاع وخلفياته، وكان يمكنه أن ينجح في مهمته منذ بدايات جولاتها، ولكنه أبى إلا أن يؤكد الظنون التي تطعن في حياديته ونزاهته، وميله غير المبرر لصالح الطرف الحكومي، ودعمه المطلق لتماطل الحكومة السودانية الواضح التي ترى في عملية التفاوض غاية في حد ذاتها، وليس وسيلة سلمية لحل النزاعات وحسمها.
فخارطة ثابو أمبيكي الذي يرى أنها واضحة، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، يرى الشعب السوداني عكس ذلك، ويضيف إليها الآتي من بنود حتى يسترد دولته المسلوبة ويستقيم أمره:ـ
* المساءلة والمحاسبة والمحاكمة لكل من أجرم بحق الشعب السوداني ودولته.
* عدم قبول أي تسوية سياسية تمنح النظام آلية التحكم في شؤون البلاد وحكمها منفردا أو مع غيره.
* الرفض التام لإعادة تكرار تجربة نيفاشا في أي صيغة من الصيغ.
* لابد من قيام فترة انتقالية تكون حكومة يكون على رأسها نخبة من بنات وأبناء السودان المؤهلين، وأصحاب الخبرات منهم.
* على أن تكون من مهام الفترة الإنتقالية التحضير لمؤتمر دستوري شامل يجد فيه كل أبناء وبنات السودان أنفسهم. ويعقب ذلك قيام إنتخابات عامة يختار فيها الشعب السوداني من يمثله. هذه هي الإضافات حتى تكون خارطتك التي تعتقد أنها بلغت الكمال المطلق واضحة، لكي يقبل بها الشعب السوداني. أما ما تتطلبه التسويات من تنازل وتنازل مقابل، فليتنازل المتنازلون كما شاؤوا، ولكن شعبنا مثل ما شاء سيحيا.

الصادق حمدين
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1241

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1478693 [شاعر الناها]
5.00/5 (1 صوت)

06-21-2016 12:53 PM
يا أستاذ الصادق خمدين متعك الله بالصحة والعافية ... شكراً لك على هذا المقال الرصين والذي يوزن عشرات من المقالات التي تريق الكثير من الحبر وهي تبدي أنها تنتقد المؤتمر الوطني وسياساته التى أوصلت البلاد إلى قاع الهاوية ولكن في خواتيم المقالات تجدهم يسوقون القراء سوقاً لتعزيز موقف المؤتمر الوطني وتأييده... تالله والله أمبيكي هو أكبر إنتكاسة حصلت لجهود حل أزمات السودان...


الصادق حمدين
مساحة اعلانية
تقييم
9.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة