06-22-2016 11:12 AM



كان محمد على جادين "يزاول" لي لأيام وليال قبل أن يتناهى إليّ رحيله الفاجع. وجدته يطلب صداقتي في الفيس بوك. فضحكت لنفسي ونقرت موافقاً. ورغبت أن أشفع ذلك بتعليق ظريف عن تأخره في إعلان هذا الود لقريب من نصف قرن مذ تعارفنا. ثم طاف بي طائف المرحوم حين كنت أطالع كلمة قديمة لأستاذنا عبد الخالق محجوب استعرض فيها كتاب البروفسير سعد الدين فوزي "الحركة العمالية في السودان" (1957) بجريدة "الطليعة"، لسان حال اتحاد نقابات عمال السودان خلال أغسطس 1957. وهو عرض اتسم بقواعد عرض الكتب وخلقه. فأخذ عليه مآخذ جوهرية بقوة ثم قال ""وأخيراً فإن هذا البحث يستحق المناقشة الدقيقة والالمام به. (وآمل) أن يترجم للعربية ليطلع عليه العمال". ولفت نظري استعانة أستاذنا بعرض سابق للكتاب على جريدة الأيكونوموست الإنجليزية ليحسن منطقه ونقده. ولم يحقق لأستاذنا رغبته في تعريب الكتاب سوى جادين بعد نحو نصف قرن أو يزيد. وأعلم أن ترجمة الكتاب كانت على أجندة الشيوعيين. فكلمني المرحوم بابكر أحمد عبد الله أنه كان سجيناً مع الشفيع أحمد الشيخ واستحثهم تلك الترجمة. ولم تحدث. ولهذه السلحفائية الشيوعية في الشأن الثقافي مصطلح بينهم وذات سجل. فهم يسمونها "المحقة". وتبقى الواجبات الفكرية تنتقل من محضر سابق إلى محضر سابق. وتنصلت شيوعية مرة عن حضور اجتماعات فرعها حتى يخلصوا من "المحضر السابق".
وكنت توقفت قبلاً عند ترجمة جادين لكتاب عجيب للسوداني الجنوبي الدكتور جون قاي نوت يوه وعنوانه "ثورة في جبال الاستوائية: تمرد توريت وتأثيره في السياسة السودانية: 1955-1972" الصادر عن دار عزة بالخرطوم في 2009. وهو كتاب سمح الخاطرة. سعى الكتاب به إلى تجديد النظر إلى "تمرد" الفرقة الجنوبية من قوة دفاع السودان في 1955 بما يتجاوز "تقرير التحقيق في اضطرابات الجنوب، أغسطس 1955" الذي كلفت حكومة الوقت بوضعه القاضي قطران والسلطان لادو لوليك والسيد خليفة محجوب. وأخذ جون يوه على التقرير أن صلاحيات لجنته اقتصرت على النظر في الأسباب الإدارية للتمرد لا بواعثه الاقتصادية والاجتماعية. كما أنها لم تتطرق إلى أدوار قد تكون للمصريين والبريطانيين في اندلاعه. ولم يتجاوز المؤلف التقرير "طق حنك ساكت" بل جاء إلى دائرة النظر بأرشيف لم يسبقه إليه أحد. فقد مكنته معرفته باللغة العربية من الرجوع إلى ما كتبته صحف ومجلات مصرية (الأهرام والمصور ورز اليوسف) وعربية (الحياة والنهار) عن التمرد. كما استفاد من مذكرات أعضاء بمجلس قيادة الثورة المصرية عن صدى التمرد في مركز السلطة المصرية. واعتنى المؤلف أيضاً بروايات بعض من شاركوا في التمرد التي أدلوا بها لكتاب سبقوه. وأثنيت على جادين الذي لقط الكتاب المبتكر من بين براثن الضوضاء الفاسدة عن الجنوب في خطابنا السياسي.
ما يؤلمني أنني لم أوفق إلى مرافقته إلى قرية من قرى الجعليين لنعزي في حامد المطري. وكنت وضعت هذه التعزية على قائمة أولوياتي حين عدت للسودان للترشيح لرئاسة الجمهورية في 2010. وكنت قرأت لجادين نعياً حفياً بحامد المطري صاحب مكتبة المحطة الوسطي في الخرطوم في الستينات. وكانت المكتبة من وفر الكتاب العربي واللبناني والمصري على أيام ذيوع الفكرة القومية العربية ودقائق خلافاتها وتوقعاتها. ووجد فيها جيل القوميين العرب والبعثيين الباكر من مثل جادين مادة غذت فيهم هذا الأرق السياسي القومي. وسميت عروبة الستينات "بعروبة" حامد المطري التي ثقفتنا في أرث العروبة وسياساتها ومالاتها. وجئت بهذا المصطلح بمقابل العروبة المضادة القائمة الآن تبشيعاً بالعرب وتربصاً بهم. وهي ما سميته بعروبة "الكفيل" الذي "كرهنا في العروبة ياخي". وشتان. رحم الله حامد المطري.
نظرت في نعي جادين على صفحة سودانيزأونلاين. لم يزد من ساهموا فيه كتابة عن 13. ولم يخرجوا عن الترحم المعتاد إلى رحاب فكره وتضحيته ونبله وجماله ومتانة قماشته بين جيله. وقرأه 781 منهم. ولو كان البوست عن نافع (ساهم فيه 18 وقرأه 5229) أو هروب المك نمر أو عردته (ساهم 169 وقرأه 11177) أو فطور بورداب جدة السنوي (بوستان ساهم فيهما 115 وقرأهما 5966).
أخجلو ليكم حجلة. والغالي لربو.

[email protected]





تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2475

خدمات المحتوى


التعليقات
#1479998 [امبكول نفر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2016 10:06 PM
اهو دى فلاحة جيلكم الخائب : النعى والرثاء وتوزيع الاقمشة
الوشاحات وقطع الخشب الدرقات وهز الارداف
وبعدين تعال هنا ياقنوط من متين احتكرت المشاعر والاحاسيس؟
ماهو لمن سقط اكتر من 300 شاب وشابة برصاص الغدر قبل سنتين طفشت وطنشت وعملت اضان الحامل طرشا ياعاقر قكريا وبدنيا
قال عامل احصائيات كمان اختشى على روحك ياحانوتى ياحاتى الوسخ فى بكاء حسن رماد


#1479743 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2016 10:53 PM
مشكلتهم أنهم لا يعرفون من هو محمد علي جادين.


ردود على جمال علي
[اللحو] 06-24-2016 10:25 PM
and so what?


#1479732 [احمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2016 10:30 PM
يا دكتور هلا حدثت الناس عن حامد المطري ومكتبته وكيف كان " الأفندية " يتوافدون اليها يوميا بعد انتهاء ساعات العمل ، أكاد أقول كل افندية حكومة السودان فالمنطقة التي بين المكتبة والنيل كانت تضم تقريبا مباني وزارات الحكومة ( الخارجية الداخلية التجارة المالية الاعلام القضائية الإحصاء البريد والبرق...الخ ) كان بعضهم له " حساب " عند حامد ، كان رحمه الله يحتفظ بأعداد من بعض المجلات " تحت الطاولة "لزبائن محددين . صحيح أن المكتبة ضمت فكر القومية العربية لكنها عرضت حتى الفكر الشيوعي ، عرضت " راس المال" وعرضت فكر جارودي وهذا بعض ما أذكر

إذا كنت قد حدثت من قبل عن " معلم" مكتبة المحطة الوسطى" أو قل " كشك " ، وصاحبها، وفاتني قراءاته فأرجو أن تشير عليّ أين يتوفر لنا ذلك

لك تحياتي


ردود على احمد احمد
[عبد الله علي إبراهيم] 06-24-2016 06:52 AM
قرأت نعياً جيدا لحامد المطرمي بقلم المرحوم محمد أبو القاسم وكذلك جادين.
كانت المكتبة كما ذكرت تغشاها صفوة العاصمة بعد خروج الساعة اثنين الكبير. كل يحمل صحفه المختارة والمجلات. بالطبع لن انسى رؤية استاذنا عبد الخالق مرة يفعل ذلك من موقعي على كرسي بالمحطة الوسطى.كان جميلاً كعادته.
قرأت مرة قصة صحفية كتبها صحفي فرنسي عن الخرطوم بوكشوب. سألني عنها فأجبت بقدر ما عرفت. ونشر المقال وكانت ذكرى عبقة. وددت لو بادر احد صحافيينا بمثله. والمادة وافرة ولربما وجد صوراً في الأرشيف للمكتبة فالمحطة الوسطي كانت جاذبة.
وكانت المكتبة كما قلت حاوية لضروب الكتب التي شغف بها المتعلمون آنذاك ومنها الماركسية. وكانت بيروت تترجم والخرطوم تقرأ.
اسعدني شغفك بحامد المطري يا رحمة الله عليه. وودت لو سمعت من بعض أهله أو جيرته.


#1479672 [عماد ابو بكر]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2016 04:31 PM
و القال ليك مات باليل منو؟


ردود على عماد ابو بكر
European Union [قنوط ميسزوري] 06-24-2016 10:28 PM
صاحبك بقى زي النسوان فلان ما جا عزاء علان أمانة ما إتلوَّم


#1479652 [Mohammed elmekki]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2016 02:56 PM
This is not a commentary on the article,it is a comment on the lack of comments
Sorry again about m y keyboard


ردود على Mohammed elmekki
[امبكول نفر نفر] 06-24-2016 10:36 PM
"معارضو الحيرة" يا coilles molles ؟
وانت الشباب لمن اغتيلوا برصاص الغدر وسقط اكثر من 300 فى يوم واحد عملت طناش ليه ياعاقر

European Union [Rays ever Modsther] 06-24-2016 05:05 PM
Abdalla has groomed censors in this site who would filter unwanted commentary or remarks ya Makki
:)

[عبد الله علي إبراهيم] 06-24-2016 06:56 AM
وبعض التعليق لا يليق يا مكي.
وددت لو أحسن معارضو الحيرة لجادين الذي كان لربع قرن في سائر لجان تحالفتهم المعارضة مسرفة الأسماء. ولم يكن هذا سبب عنايتي بنعيه, بل لانه كان مثقفاً المعارضة شاغل واحد من شواغله وليست نهاية الأرب.

European Union [desperado de missouri] 06-24-2016 02:03 AM
The author of the article has kept silent when hundreds of youngsters were killed in cold blood by the regime and now he's blaming those who could barely recognize his friend. I guess for AAI time has stopped at his pompous self and his octogenarian fellas


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة