06-23-2016 06:05 AM



برغم مرور ستيناً عاماً على استقلال السودان، ما زالت مهمة بناء دولة المواطنة، مهمة تنتظر الإنجاز، الامر الذي جعل قيمة المواطنة تصطدم بكثير من العقبات والتحدّيات، والسبب الأساسي هو الفشل في بناء الدّولة السودانية الحديثة، القائمة على الديمقراطيًة، والعدالة الإجتماعية، مما أجج الصّراع، بين أبناء الْوَطَن الواحد، لاسيما في ظل الأنظمة العسكرية التي حكمت السودان، ولعل أخطرها نظام الإنقاذ الحاكم الذي غيّب الديمقراطية القائمة انئذاك، ثم انتهج سياسات الانفتاح العشوائي، اي سياسة السوق الحرّة، التي ساهمت في اتساع فجوة الفقر بين الحاكمين والمحكومين، وضاعفت من معدلاته، وزادت من إعداد الفقراء والمهمشين سياسياًوإقتصادياً واجتماعياً، ولذر الرماد في عيون المجتمع واستغلال البسطاء من الناس، عبر المغالاة في مظاهر الدين، دون التزام حقيقي بجوهر الدين، وتعاليمه التي تدعوا للتكافل ومحاربة الفقر، بجانب تهميش دور الثقافة والمثقفين، مما أدى الى انحسار دورالثقافة والمثقفين وتأثيرهم في المجتمع، في وقت مارس فيه النظام سياسات إقصائية تجاه الآخر، بغرض نفيه واستبعاده، وتسطيح الذاكرة الجمعية، بل سعى حثيثاً لمحوها، عبر بث خطاب ديني مزيف، عبر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لتقديم صورة نمطية غير حقيقية عن الآخر، عبر رسم صورة مشوهة في أذهان الشعب، وهنا نذكر، الدعاية السوداء التي بثتها الماكينة الإعلامية، عبر برنامج في "ساحات الفداء" الذي سعى لتصوير الحرب بأنها حرب مقدسة، وصور جون قرنق إبان حرب الجنوب التي إنتهت بإنفصاله، بانه متمرد وعميل صهيوني. وكذلك محاولة ثوار 28 رمضان ألصقها بالأحزاب الطائفية. والشهيد خليل ابراهيم الذي رفع رأية النضال من اجل المهمشين، قد تم تصويره بأنه متمرد وعميل وعنصري.
كل هذه الأساليب مارسها النظام بغرض شيطنة المناضلون من اجل الحرية والديمقراطيًة، والعدالة الاجتماعية، في وقت يتظاهر النظام في الاعلام برغبته في الحوار وتحقيق السلام والاستقرار، لكن من يفهم طبيعة النظام وعقليته، يفهم تماماً ان كل يقال ويشاع في وسائل الاعلام، ليس الغرض منه، رغبة حقيقية في التوصل الى صيغة اتفاق سلام عادل وشامل، يكفل الحل الجذري لمشكلات البلاد، بل الغرض منه كما قلنا ذَراً للرماد في العيون وخداعا للراي العام السوداني. اما في قاعات الحوار يتمسك ممثلي النظام بمواقف يعرفون مسبقاً انها ستقود الى افشال الحوار، وإن فرضت الظروف الدولية على النظام التوصل الى اتفاق سلام مع احد الأطراف الحاملة للسلاح، اذ سرعان ما يعمل النظام لإجهاض ذلك الاتفاق بعدم التزامه بنصوص الاتفاق الموقع، والتعامل مع الطرف المعني بالاتفاق، بطريقة غير مسؤولة، بغرض الاهانة والاستهتار وعدم الاحترام. والشواهد كثيرة في هذا الصدد، منها الممارسات التي تمت ضد الحركة الشعبية قطاع الشمال، مما دفعها للعودة للغابة، بعد انفصال الجنوب، وكذلك حركة تحرير تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي التي رفعت السلاح مجدداً بعد توقيعها اتفاق أبوجا وغيرها الكثير.
لكن هذا الواقع الذي نحياه ونعيشه كل يوم ليس قدراً محتوماً علينا لا يمكن الفكاك منه، بل ربما كان الخلاص من هذا الواقع هو السبيل الوحيد للإنطلاق نحو بناء وصياغة مستقبل يليق بِنَا وبأجيالنا القادمة.
وقد سبقتنا على هذا الطريق دول وشعوب ومجتمعات إستطاعت أن تتجاوز واقعها المؤلم وتواجه التحديات التي كانت مفروضة عليها وتبني دولها ومجتمعاتها الحديثة. وربما كان علينا ان نتطلع ألى تجارب الآخرين ونتعلم من أنجازاتهم، فمثل هذه الخبرات ملك للبشرية جمعاء.
وأمامنا تجربة الهند التي يعيش على ارضها خليط غير متجانس من الأعراق والديانات والانتماءات الاثنية المختلفة، إلا أنها إستطاعت ومنذ استقلالها في أواخر أربعينات القرن الماضي ان تقيم تجربة فريدة ومتميزة في الديمقراطية، لأنها إستندت ألى المواطنة بإعتبارها القيمة السياسية والاجتماعية التي تشكل حجر الزاوية في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، وإذا كانت الهند لم تزل تواجه مشاكل الفقر والبطالة، إلا أنها أصبحت واحدة من التجارب الديمقراطية التي يدرسها طلاب العلوم السياسية، من حيث كونها نموذجاً فريداً ومتميزا. في التعايش بين أبناء المجتمع الواحد رغم إتساع حجم وكم الاختلافات بينهم، بعدما نجحت في ان تجعل من المواطنة قيمة أساسية راسخة في الوجدان الجمعي، فلم يُجد الشعب الهندي وأغلبيته الساحقة تنتمي الى أديان غير سماوية اي غضاضة في ان يحكمه رئيس مسلم، بكل ما يتضمنه ذلك من دلالات إيجابية لمعنى ومفهوم المواطنة.
وهناك التجربة الماليزية التي نجحت في بناء الدولة الحديثة القائمة على مبدأ المواطنة المستندة على الديمقراطية. وفي قارتنا ماما افريكا هناك تجربة جنوب افريقيا، التي كان يحكمها البيض، ورواندا التي كانت يحكمهاالتوتسي، وإثيوبيا التي كانت تحكمها قومية الامهرا، لكن حينما إنتهت هيمنة الأقليات هناك، حدث التحول والانطلاق، في كل من جنوب افريقيا، ورواندا، وإثيوبيا. استعراضنا للتجارب الناجحة لشعوب العالم، في كل من أسيا وإفريقيا، نود ان نؤكد أن الواقع الذي تعانيه الأغلبية من الشعب السوداني ليس قدراً محتوماً، فإن خبرات الشعوب تعد ملهمة لنا للإستفادة منها في مواجهة العقبات والعراقيل التي تعترض طريقنا نحو بناء دولة المواطنة الحديثة لصالح الأغلبية المهمشة منذ استقلال السودان وحتى كتابة هذا المقال. لذا لا تقبلوا بإنصاف الحلول، او الوقوف في منتصف الطريق.
تباً للظالمين، وعاشت دولة الاغلبية المهمشة


الطيب الزين
[email protected]



تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1957

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1480765 [طارق عنتر]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2016 07:22 PM
ما حدث من خروج بريطانيا و يهدد بالحدوث في باقي دول الإتحاد الأورروبي يدلل بأن نظام الحكم علي مستوي القطري و الأوروبي هو ليس بنظام يمثل الحكم الديموقراطي. بمعني أن قرار الدخول و إدارة الأتحاد لم يكونا ديمقراطيين كما و إن بدي أن قرار الخروج ديموقراطي فهو ليس كذلك لان نظام الحكم الحزبي المبني علي الصراع و التنافس و مصالح الأقوياء هو بالتأكيد ليس بنظام عادل و لا ديموقراطي
النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي الشائع و المهيمن و المبجل هو أكبر خدعة في تاريخ البشرية. لأنه يحصر الحكم و التناقس علي الأحزاب السياسية و التي من السهولة وقوعها تحت سلطة رأس المالز هذا النظام يقصي الجانب الثقافي و الإجتماعي كما يقصي الجانب المهني الإقتصادي و يظل الجانب الفكري السياسي أسير الأحزاب
النظام الديمقراطي السوي العادل الطبيعي يجب أن يقوم علي مشاركة و تمثيل الثلاث مكونات للأفراد و للجماعات و هي :
1- التمثيل الثقافي و الإجتماعي و قبلي
2- التمثيل المهني و الإقتصادي و نقابي
3- التمثيل الفكري و السياسي و عقائدي
و بذلك يختار الناخب ثلاث ممثلين له ليمثلوه في الثلاث مصالح
كما يكون مجلس النواب ثلث إجتماعي و ثلث إقتصادي و ثلث سياسي
لهذا الغرض أعتقد بضرورة إسقاط النظام الديمقراطي أحادي البعد علي النمط الديمقراطي الليبرالي الغربي و بناء نظام ديمقراطي ثلاثي الأبعاد Three Dimensional Democracy
ليس فقط علي المستويات المحلية و الولائية و القطرية بل كذلك علي المستويات الإقليمية و القارية و الدولية


#1480231 [طارق عنتر]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2016 03:35 PM
النظام الإقطاعي السوداني الذي صنعه الإستعمار و الرق المملوكي (1272-1520) و إستعمار و الرق التركي العثماني (1520-1820) و لازال حي حتي اليوم هو الصانع الحقيقي للظلم و التخلف و الفقر
غير أن النظام الإقطاعي صنيعة المستعمرين هو بدوره صنع نظام فاسد مساعد له أوسع منه و هي الطبقة الراسمالية الطفيلية التي تقتات علي المتبقي من دماء ضحايا الإقطاعيين و البيوتات الشهيرة زعماء "الرجعقراطية". و هذه الطبقة الطفيلية تجدها في كل مكان من شركات السوق و مكاتب السمسرة و تجار العملة إلي السفارات و الوزارات و الإعلام فهم عوائق الإنتاج و الإبداع و التنمية
كما أن هذا النظام صنع نظام العسكر و التي تهدف لحماية الحكام و ليس حماية الوطن و إن تشدقت بغير ذلك و إدعت القومية و الوطنية و الحيادية


#1480007 [طارق عنتر]
2.00/5 (1 صوت)

06-24-2016 11:43 PM
قام و ترسخ الإستبداد في السودان منذ غزو و إحتلال المماليك عام 1272 و تلي ذلك مباشرة الإحتلال العثماني منذ عام 1520 و بهما نشأ نظام إقطاعي متخلف و إجرامي يعتمد علي الرق. و نتيجة لهذا النظام ظهرت الصغوة الحاكمة و مؤسسات العسكر و النظام التي تواصل وجودها و تمكنها من السلطة و الإقتصاد حتي بعد عام 1956 و إلي الآن و هي تافذة تمارس مصالحها من داخل و من خارج الحكومات
1956 لم يأتي بأي جديد جوهري لأن التغييرات كانت سطحية و شكلية فقط
صفوة السودان لم يتدبروا نظام ديمقراطي و لكنهم نقلوا نقل ممسوخ عن غيرهم بلا جهد و لا إجتهاد
ما يوصف بالديمقراطية الأولي و الثانية و خلافه لم يكونوا تجارب ديمقراطية بل مؤسسات إقطاعية -- و ما يسمي بالأحزاب السياسية في السودان هي ليست أحزاب سياسية بل هي روابط قبلية و منظمات ممولة من الخارج
علي السودانيين نبذ الصفوة السياسية القديمة بالكامل و خلق مبادرات جديدة تتفق مع حالهم و تعبر عن إحتياجاتهم و تندفع بهم و من الداخل
يجب التأكد من أي كيان يسمي نفسه حزب له نظام داخلي ديمقراطي و فكر محدد و متميز و له مصادر تمويل و أهداف و وسائل مشروعة و لا يستند لا علي قبيلة أو دين أو طائفة أو أي تمييز غير قومي
أقترح لذلك نظام الديمفراطية ثلاثية الأبعاد و التي يتم فيها تمثيل المواطن سياسيا و إقتصاديا و إجتماعيا حيث يختار المواطن الواحد ثلاث ممثلين و مجلس النواب يتكون من النواب السياسيين و النواب الإقتصاديين و النواب الإجتماعيين كبديل لنظام الصوت الواحد و البرلمان الحزبي
و أول مسئوليات النظام الجديد هو حماية القانون و العدل و المواطن و السلام و التنمية
من الغريب و المؤسف و المخزي أن يكون السودان مستعمرة من الدرجة الثالثة - فمصر كانت مستعمرة خاصة لأسرة محمد علي المقدوني من 1805 و حتي 1953 و التي هي أيضا وقعت تحت الإحتلال البريطاني منذ عام 1882 و إلي 1922 و حتي بعد ذلك
و هذا الوضع خلق صفوة سياسية فاسدة لأنه لا يستقيم مع مهادنة المستعمرين و التكسب منهم الشروع في إنشاء نظام حكم عادل


#1479848 [طارق عنتر]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2016 11:16 AM
صدقت و لكن الأقلية المتسلطة يجب تعريفها بوضوح و تحديد نواحي العلل فيهم.
إنهم بقايا و نسل و عمال الرق المملوكي منذ عام 1272 و حتي 1520 في الشمال النيلي النوبي - مع انهيار مملكة المقرة
و الرق الذي إستفحل في كل السودان علي يد الترك العثمانيين الكشاف من 1520 و حتي 1820 و ما بعدها حتي 1899 و بقاياهم و نسلهم و عمالهم من أبناء الشمال النيلي و الكيانات القبلية المستحدثة
هذا هو تعريف الأقلية المتسلطة التي تنازلت لها الإدارة الثنائي و أورثتها دولتها و ثروتها و مؤسسلتها بما في ذلك القضاء و الشرطة و الجيش و التعليم و الإعلام و الديتية و الأراضي و المشاريع وووووو
أما تحدبد نواحي العلل فيهم فهي واضحة و لا تحتاج لإجتهاد - من الفساد للنفاق للكذب للخيانة للخداع للقشل للتخلف للعنف و غيرهم كثييييييييييييير
لا سبيل للعلاج و النهضة إلا بثالوث (الحقيقة+المصالحة+التعويض)
ليعلم بقايا و نسل و عمال الرق المملوكي و التركي أن إنهيار نظامهم أمر حتي و يبقي علي العقلاء منهم البحث عن أقل الحلول كلفة و أذي


#1479520 [الحقيقة مرة]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2016 11:27 AM
الاستاذ الطيب الزين
السودان لن تقوم له قائمة ما لم نواجه أسباب فشل الحكومات المتعاقبة على مدى ستون عاما بصدق وشفافية ..ولقد أشرت أنت الى بعض التجارب مثل الهند وماليزيا ..وأنهم نجحوا رغم تعدد الاعراق والديانات لأنهم لم يفرقوا بين المواطنين ....هل وجد هذا في السودان ؟؟؟نخب السودان مارسوا ولا يزالون يمارسون العنصرية البغيضة وهي معشعشة في رؤوس الناس ..ومالم نواجه هذه المشكلة بشجاعة وشفافية ...فلا يفيدنا تغيير النظام !!


الطيب الزين
الطيب الزين

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة