06-26-2016 11:00 AM



من يريد معالجة أي مشكلة، ينبغي عليه أولاً أن يدرك أسبابها جيداً، ويعرف كل العوامل والأشخاص المؤثرين فيها والمتأثرين بها، وأن يضع في الاعتبار كافة الوسائل والآليات المتاحة لمعالجة المشكلة، مع إمعان النظر في تطوراتها وتعقيداتها وتداعياتها. وينطبق هذا على أي مشكلة محلية أو قبلية أو اجتماعية أو خلاف ذلك من المشكلات التي قد تؤدي إلى اختلال مجتمعي، أو تففك النسيج الاجتماعي. بمعنى آخر، فإن الخطوة الأولى هي التصنيف أو بالأحرى التشخيص السليم للمشكلة وحيثياتها، تداركاً لما يكتنف تلك المشكلة من عواقب وخيمة سيكون لها ما بعدها من التبعات. والمشكلة التي بين أيدينا الآن تتعلق بمنطقتين تتبعان لمحلية غرب بارا بولاية شمال كردفان. وكما هو معلوم فإنّ كل من الغبش والعديد نشأت فيهما مشاكل بين أطراف تربط بينهما علائق الرحم والدم والقربى والنسب والجوار، وأن السبب المباشر للنزاعات هو الخلاف حول ملكية الأرض وتدخل الجهات الإدارية بطريقة خاطئة نظراً؛ لأنها تفتقر للحكمة والحنكة والخبرة في إدارة مثل هذه الملفات. في قضية الغبش، اعتمدت لجنة المحلية على قرار مشكوك في صحته، لتحجز مزارع الناس لصالح الدولة؛ بحجة أن تلك الأرض لا تصلح لممارسة النشاط الزراعي (وهي مزروعة في واقع الأمر) وبالتالي يجب أن تحول لمرعى ومسارات لبهائم الصادر! مع العلم أن الأطراف المعنية قد ارتضت الاحتكام إلى القضاء، ولكن تدخل قيادة المحلية بطريقة سافرة حال دون مواصلة سير العدالة. وهذا بكل تأكيد خلل كبير يتطلب معالجة عاجلة وناجعة من لدن حكومة الولاية. أما موضوع العديد فهو أيضاً صفحة سوداء تنذر بفتنة داهمة؛ إذ تجاوز الوضع الخلاف بين المواطنين حول ملكية الأرض إلى التعدي على هيبة الدولة ورجال القوات النظامية في رابعة النهار! وكل ذلك ناتج عن الفشل في معالجة الأمور بالطرق السليمة من قبل القائمين على الأمر في المحلية سواء الجهات الرسمية أو الإدارة الأهلية. وتتلخص حيثيات هذه القضية في أن أحد المواطنين قد حصل على تصديق لإقامة مشروع زراعي في مساحة معتبرة تقدر بما يقارب ألف فدان، بعد استيفاء كل الإجراءات المطلوبة نظاماً؛ مثل المسح الفني والتأكد من خلو الأرض من النزاع وموانع التسجيل الأخرى. ومن ثم حصل المواطن على كل الأوراق اللازمة لإقامة المشروع من جهات الاختصاص الرسمية والأهلية. ونظراً لوجود نزاع قائم حول بعض الأراضي المجاورة للمشروع كان من المفترض السعي لإرضاء كل الأطراف بالطرق العرفية؛ ولكن استعجال الجهات الرسمية وعدم تقديرها السليم للموقف أدى إلى الحدث المؤسف الذي أشرنا أليه أعلاه. ألم يكن من الممكن أن تقوم لجنة أمن المحلية والإدارة الأهلية بأقناع أصحاب المصلحة والمواطنين بجدوى هذا المشروع من حيث التنمية وتقديم تجربة رائدة يمكن الاستفادة منها في تعمير الأرض علماً بأن المشروع هو الأول من نوعه في هذه الولاية بأكملها، وهو بكل تأكيد يوفر فرص عمل واستقرار لعشرات الأسر المحتاجة والعاملة في المنطقة ويسهم في إعمار القرى الواقعة حوله. ولكن للأسف الشديد غاب عن إدراك قيادتنا المحلية أن البسطاء من أهل البلد هم الذين يجب أن تسعى الحكومة إلى الحفاظ على وحدتهم وتماسك نسيجهم الاجتماعي؛ خاصة إذا علمنا أنهم أبناء عمومة وهم الأكثر ارتباطاً بالأرض ويعرفون حدودها، وهم الأيدي العاملة المنتجة ويعرفون كيفية معالجة مثل هذه النزاعات، رغم بساطة مظهرهم، ولكن عدم وجود القيادة الملهمة والرشيدة حرمهم من القيام بهذا الدور! فقد اعتمدت لجنة أمن المحلية على ممارسة سلطتها بطريقة غاشمة كانت نتيجتها إهدار هيبة الدولة وتعطل تنفيذ المشروع فتضررت جهات كثيرة أولها المواطنون الذين، كما قلنا، تربط بينهم وشائج القربى والرحم ودخلت المنطقة برمتها في مرحلة غير مسبوقة من التوتر الذي لا تحمد عقباه! ولذلك نطالب في المقام الأول بالابتعاد عن تقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة والتوقف فوراً عن السلوك السالب من جميع الأطراف؛ لأن دم المسلم أشد حرمة عند الله تعالى من الكعبة المشرفة! وفي ذات الوقت، يجب على عقلاء الدار التحرك العاجل لرأب الصدع ولم الشمل وتدارك الموقف قبل أن يخرج عن نطاق السيطرة ويقع الفأس على الرأس. وفي هذا الصدد نود أن ننوه إلى ضرورة تدخل حكومة الولاية فوراً وألا تترك الأمر للقيادة المحلية التي فشلت حتى الآن في تقديم رؤية من شأنها أن تضع حداً لهذه النزاعات؛ وإلا لما عجزت عن التوصل إلى حل مرضٍ في الحالتين المذكرتين آنفاً. ليس هذا فحسب، بل إن هنالك اتهام موجه إلى تلك الجهات بأنها السبب المباشر في تأزم الموقف؛ بسوء تصرفها واستعجالها الناجم عن انعدام الخبرة والركون إلى ممارسة السلطة، دون حكمة أو روية. الوضع الآن ليس في صالح كل الأطراف بما فيها حكومة الولاية؛ لأن هنالك وميض نار تحت الرماد ويوشك أن يكون له ضرام فيحرق الأخضر واليابس، والمطلوب تحرك عاجل أو ترك الأمر للقضاء ليقول كلمته.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1244

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة