المقالات
السياسة
هل كان دار خزب الامة مكانا مناسبا لتابين شهداء هيبان؟
هل كان دار خزب الامة مكانا مناسبا لتابين شهداء هيبان؟
06-28-2016 09:32 AM

.
شاركت الحركة الشعبية في تابين شهداء مذبحة هيبان في دار حزب الامة ، ولكن السؤال المطروح:
هل كان دار حزب الامة مكانا مناسبا لذلك التابين؟
سؤال يحتاج منا الى اجابة واضحة وصريحة لاني قد صدمت شخصيا ولم اصدق ذلك، ولانه في بعض الاحيان نتعمد اغفال الزاكرة الحية للجماهير ونتصرف في اشياء مصرية بطريقة عفوية قد تكون مخلة وغير مرغوبة فيه في بعض الاحيان للذين يتابعون ولهم ذاكرة حية للاحداث التي تحدث في البلاد، وذلك يؤدي الى ان يحدث التشويش والارتباك. فما لم يكن حزب الامة قد قدم اعتزارا لما قام به تجاه النوبة في فترة حكمه في الديمقراطية الثالثة قبل الاطاحة به، لا اعتقد بان هنالك سببا واحدا كان يمكن ان يجعل دار حزب الامة الذي كان مكانا للتامر على شعب النوبة في يوم من الايام مكانا مناسبا لتابين شهداء النوبة في مذبحة هيبان.
فمن خلال بحثنا المتواضع للاجابة على هذا السؤال سنجد مفارقات كثيرة، حيث ان هببان نفسها التي يقوم حزب الامة بتابين شهدائها الذين قتلوا بدم بارد من قبل نظام المؤتمر الوطني قد تعرضت هي نفسها لابشع انواع وصنوف التعذيب والتنكيل عندما كان حزب الامة في دست الحكم في الديمقراطية الثالثة في الفترة من ابريل 1986م الي يونيو 1989م. فقد تعرض شعب النوبة عموما وشعب هيبان على وجه الخصوص الى عمليات ترقى الى ان نقول بانها ابادة جماعية. ولكن الذين اقاموا ذلك التابين لم يراعوا حرمة الذين تم ذبحهم كالشياه في قارعة الطريق في تلك الفترة واغمضوا الطرف عن احداث تاريخة مؤلمة لا يمكن الالتفاف عليها بهذه الطريقة ما لم يقدم حزب الامة اعتذارا رسميا لما قام به في تلك المرحلة. وسنظل ننكا الجراح الى ان نواجه المشاكل بشجاعة ونجتثها من جذورها لايجاد الحلول الناجعة بدلا من دفن الرؤوس في الرمال بتلك الصورة المخجلة .
الفترة الانتقالية وحزب الامة (ابريل 1985م – ابريل م 1986م):
في 25 ديسمبر 1985م، اعلن رئيس الوزراء الانتقالي الجزولي دفع الله بان هنالك مؤامرة عنصرية انطلقت من الجيش بهدف قلب نظام الحكم، وقتل اعضاء الحكومة وغيرهم، وسميت ب "المؤامرة العنصرية"، لان اغلب الذين اتهموا فيها هم من النوبة والجنوبيين. وعلى الفور تم اعتقال 250 ضابطا وصف ضابط وجندي في نفس اليوم من وحدات عسكرية مختلفة بالعاصمة القومية الخرطوم، واتهموا بمحاولة قلب النظام. وقد اذاع رئيس الوزراء الجزولي دفع الله بيانا استنفر فيه المجموعات العربية ليحملها مسئولية الدفاع عن اعراضهم، وقد كان ذلك النداء نقطة فارقة في السياسة السودانية بتقسيم السودانيين صراحة الى الانا اي العرب والاخر اي الافارقة او الزرقة او سمهم ما شئت، وهذا ما سنقف عليه لاحقا. فقد شملت الاعتقالات كل الذين تواجدوا في معسكرات القوات المسلحة في ذلك اليوم بدون تمييز وبالاخص العناصر الزنجية، النوبة والجنوبيون، وصدرت اوامر للذين لم يتم اعتقالهم بعدم حمل السلاح. وقد بلغ عدد الذين تم الحكم عليهم بالسجن 61 جنديا برتب مختلفة تراوحت الاحكام بين 30 سنة كحد اعلى الى 3 سنوات كحد ادنى. ولكن استنكر عدد من قادة الوحدات مسلك اعتقال هؤلاء النفر وحضر عدد منهم واطلقوا سراح عددا من الجنود بحجة ان هذا عبث لا يمكن السكوت عليه، منهم على سبيل المثال حمادة عبدالعظيم حمادة، قائد مدرسة المشاة. واما القضاء العسكري فلم يجد نصا في قانون القوات المسلحة يتحدث عن العنصرية، واخيرا تمت محاكمتهم تحت مادة التمرد.
ففي بورتسودان في فبراير 1986م، وعقب زيارة قام بها الاب فلب عباس غبوش الى مدينة بورتسودان ضمن حملته الانتخابية التي كان يقوم بها لحزبه، وفي احدى الندوات التي عقدت في ديم سواكن، وقعت احداث دموية ماسوية. فبعد الندوة وعندما كان جمهور الحزب القومي السوداني في طريقهم راجعين الى بيوتهم في حي فلب، اعترضتهم مجموعة من البني عامر الذين كانوا من انصار الجبهة الاسلامية القومية في حي دار النعيم الذي يتوسط حي فلب ووسط المدينة. وبما ان النوبة كانوا غير مسلحين، فقد سقط منهم جرحى كثر، وهرول بعضهم الى حي فلب لجلب بعض الاسلحة البيضاء للدفاع عن انفسهم وذويهم واخبار قومهم بما كان يجري لهم. وما ان انتشرت الاخبار وعمت بورتسودان، الا وجاء النوبة مسرعين من كل فج فيها وفي وثبة رجل واحد استمر القتال بين النوبة والبني عامر الذين كانت تدعمهم الجبهة الاسلامية القومية ثلاثة اياما بلياليها. وفي خلال هذه الايام اختار ابناء النوبة في حي فلب وخاصة الذين هم في القوات المسلحة عدم الذهاب الى العمل والبقاء لحماية اسرهم من المعارك الشرسة التي كانت تدور رحاحها في سمع وبصر الحكومة الانتقالية التي وقفت مشدوهة ولم تستطع ان تفعل شيئا حيال تلك الدراما.
فقد تحركت السلطات المركزية في اليوم الثالث، كان الامر كان لا يعنيها، ولكن ذلك بعد ان وصل القتال ديم كوريا الذي يقطنه الشماليون من الشايقية. وعندما وصل قاضي المديرية ومعه قوة من الشرطة والجيش الى ساحة القتال، اصدر القاضي امرا بايقاف القتال. وبعد ذلك تم حصار حي فلب لمدة شهرين تقريبا كان فيه يتعرض كل من يريد الدخول او الخروج لعملية تفتيش دقيقة بواسطة الجيش. فقد كون سكان حي فلب لجنة لمتابعة مجريات التحرى – وقد طالبت اللجنة بتحقيق كامل في اسباب الاحداث وتعويض المتضررين. وكذلك ارادت اللجنة ان تعرف لما لم تتدخل السلطات لفض النزاع الا بعد ثلاث ليال وبعدما وصل الموت ديم كوريا؟ وعندما هدات الاحوال، صرح قائد حامية كسلا قائلا: " اذا حدث قتال من هذا القبيل في المستقبل، فسوف يتدخل الجيش للسيطرة على الموقف". وبالطبع لم يسمع سكان حي فلب عن مجريات او نتائج التحري والتعويضات حتى هذه اللحظة.
فمنذ اندلاع الحرب الاهلية في البلاد للمرة الثانية في العام 1983م ووصولها الى جبال النوبة وجنوب كردفان، استغلت انظمة مايو والحكومة الانتقالية والصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة والجبهة الاسلامية القومية بعد انقلاب 30 يونيو 1989م تلك الاحداث لاحداث فوارق اثنية عرقية وقبلية ودينية وثقافية عميقة في منطقة جبال النوبة وعمدت الى استحباب بعض القبائل والاغداق عليها بالسلاح واستعداء الاخرى وحرمانها من ابسط حقوقها حتى وصل الامر بان تكون هنالك ادارة متخصصة في جهاز الامن السوداني مهمتها تفكيك تلك القبائل. فتسليح قبائل البقارة العربية دون غيرها من القبائل ما كان الا اسلوبا اخرا من اساليب تقنين الفتنة في الاقليم.
فقد لجات الادارة الانتقالية في الخرطوم الى قبائل البقارة المناوئة للقبائل النوبية المقيمة تاريخيا في المنطقة مستندة على دعوة الجزولي دفع الله وسلحتها واطلقت عليها العنان لتفعل ما كانت تفعل من حرق ونهب وسلب واغتصاب في مناطق وقرى النوبة وغيرها من مناطق النزاع المسلح. ويبدوا بان الحكومة الانتقالية قد كانت في تنسيق تام مع حزب الامة الذي كان يتراسه الصادق المهدي في تلك الفترة وكان الصادق المهدي على علم بذلك، بل كان من اكثر الداعمين له. ولكن قد تضرر جميع اهل تلك القرى في جبال النوبة من جراء تلك السياسات العنصرية والتجاوزات الانسانية. وقد كانت اكثر المناطق تضررا من ذلك هي منطقة هيبان نفسها التي تم تابين شهدائها في دار حزب الامة في الشهر السابق.
ففي شهري اغسطس وسبتمبر 1985م، ارسلت الحكومة جيشا الى قرية اللوبي على مشارف هيبان. وفي السادسة مساءا من ذلك اليوم انقض الجنود على المواطنيين العزل وقبض على المواطن داؤود البالغ من العمر 25 سنة، وكذلك جاره امير 30 عاما ومواطن ثالث يدعى مليتي. لم توجه تهم ضد هؤلاء الموقوفين سوى ان مليتي قد تلقى دراسته في اديس ابابا وعندما عاد لوطنه اصبح يحث اهله على ارسال ابنائهم الى المدارس، ولذلك اتهمته السلطات بالتمرد. اما بقية المعتقلين وهم امير وجاره غاندي داؤد ووالده داؤود فقد اطلق عليهم النار ثم تم ذبحهم بالسكين وتركوا في العراء بدون دفن. وقد اقتيد مليتي والقي به في حراسة بهيبان، وعذب عذابا شديدا، وذلك بالربط بالحبال والضرب على جسده في مواقع مختلفة. وقد صادف مليتي اثناء اعتقاله ضابطا من الاقليم الجنوبي يدعى مكير، وفي الساعة العاشرة ليلا طلب مليتي من مكير باللغة الانجليزية بان يسمح له بالخروج للتبول. وبالفعل قد سمح له الضابط الجنوبي بذلك واستغل مليتي الفرصة واستطاع الهرب من الشباك الخلفي بمساعدة مكير. وبعد برهة اطلق مكير النار من ورائه تظاهرا وانسل مليتي من محبسه هربا.
فقد كان يتم القبض على المواطنين بصورة عشوائية ويحتفظ بهم حتى الساعة السادسة مساءا ومن ثم تبدأ عمليات المجزرة. وقد كان لدى السلطات مكان مخصص لهذه المذابح وهو خور كبير يذبح فيه المواطنين بالسكين كالخراف ثم ترمى جثثهم في هذا الخور ليكون عبرة وعظة لكل من تسول له نفسه معارضة الاستبداد القائم من الحكومة الانتقالية يعاونها حزب الصادق المهدي وحزب الامة.
فقد قام ابناء النوبة في الخرطوم برفع مزكرة الى الحكومة الانتقالية يطالبون فيها بتقصي الحقائق حول مجزرة هيبان، لكن لم تعير تلك السلطات الامر انتباها لذلك الطلب. وفي ديسمبر 1985م، تحركت قوة من الجيش من مدينة الابيض حاضرة شمال كردفان بقيادة ابراهيم بندر، ومرت القوة على قرى انبرة ومندي واللوبي وكلكتا وكاودا. وفي قريو كلكدة قبض على معلم مدرسة ابتدائية يدعى فاروق وتم قتله رميا بالرصاص وتركت جثته في العراء. علاوة على ذلك، اذاق الجنود المواطنين العزل صنوفا من العذاب، وتم اغتصاب الكثير من النساء. وفي نفس العام، قام فضل الله برمة ناصر واللواء عثمان عبدالله وزير الدفاع الانتقالي بزيارة الى مدينة هيبان ثم مندي. ففي مندي قابلهما المك محمد رحمة. وبعد تبادل الحديث بين المك وناصر، قال له ناصر: "ناسك وسخانين، ولذلك لازم تنظفهم". اجاب المك بنعم، ومن هنا بدأ المك محمد رحمة متعاونا مع الحكومة الانتقالية تحت اشراف حزب الامة بزعامة الصادق المهدي على ابادة ابناء النوبة عشوائيا ولكن بصورة منظمة ومدروسة. وبذلك تكون الحكومة الانتقالية قد مهدت لحكومة الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة الطريق لارتكاب المزيد من الانتهاكات ضد ابناء النوبة.
حكومة الصادق المهدي (مايو 1986م – 30 يونيو 1989م).
الصادق المهدي رئيسا للوزراء باغلبية 165 صوتا مقابل 49 صوتا لمرشح الجبهة الاسلامية علي عثمان محمد طه وثلاثة اصوات لمرشح الحزب الشيوعي عزالدين علي عامر. فبعدما اصبح رئيسا للوزراء اهتم الصادق المهدي كثيرا بالمليشيات بناءا على دعوة الجزولي دفع الله في الفترة الانتقالية.
ففكرة تسليح قبائل البقارة في مناطق التماس نبعت في الاصالة في عهد الحكومة الانتقالية (ابريل 1985م – ابريل 1986م) بعد دعوة الجزولي دفع الله العنصرية البغيضة تلك. واستمر النداء لتكوين المليشيات العربية وتسليحها بعد تشكيل حكومة الصادق المهدي الائتلافية في مايو 1986م بين حزبي الامة والاتحادي الديمقراطي. فقد كونت لجنة مؤلفة من رجال الادارة الاهلية وقيادات المجتمع الرعوي والزراعي وتم ايفادهم الى الخرطوم للتفاوض مع الحكومة وزعماء الاحزاب السياسية حول ذاك السبب. وامضت اللجنة 15 يوما في الخرطوم وقد ايد الدكتور الترابي صهر الصادق المهدي انشاء قوات الدفاع الشعبي.
فبعد الانتخابات في ابريل 1986م، اصبح التعاون الوثيق بين مليشيات المراحيل وبعض العناصر في حزب الامة يثير هاجسا مرعبا. وقد بدات القوى السياسية الاخرى في الخرطوم تتاكد بان هذه المليشيات ما هي الا قوة مسلحة تابعة لطائفة بعينها وبعيدة كل البعد عن المصالح القومية. وقد بات الامر موضوع نقاش في فبراير 1989م حينما اقترح الصادق المهدي رئيس الوزراء استيعاب هذه المليشيات والتي اسماها " قوات الدفاع الشبي" في القوات المسلحة السودانية لتصبح تحت اشرافها. ولكن الاقتراح لم يجد تاييدا من القوى السياسية الحية وما لبث ان سقط الاقتراع، ولكن لم تسقط تلك القوات لانها كانت موجودة اصلا وقد كانت تحتاج الى تقنين رسمي.
فقد قام الصادق المهدي بالخطوة التالية وهي الاجتماع بزعماء البقارة في دار حزب الامة بام درمان في 14 ابريل 1989م وقد حضر ذلك الاجتماع ضابط رفيع في القوات المسلحة وعضو برلماني يمثل حزب الامة. وفي ذلك الاجتماع تقرر تشكيل قوات الدفاع الشعبي والموافقة على تسليح 15الف شخص من ابناء البقارة المسيرية مع اعتماد خطة اخرى تقتضي مضاعفة العدد في المستقبل. وفي نفس الشهر اتضح ان بعض الضباط السابقين في الجيش قد عينهم السيد الصادق المهدي لتدريب هذه المليشيات. وفي مايو 1989م، اثبتت وقائع الاحداث ان هذه المليشيات قد كانت موجودة فعلا في مناطق النزاع منذ امد بعيد.
كان الشيء المتبقي من حكومة الصادق العدل والانصاف ولكنها اتت بغير ذلك تماما خاصة في جبال النوبة. فقد تسبب حيازة السلاح بواسطة مجموعة مدعومة من حكومة الصادق المهدي في حوادث كثيرة حدثت. ففي مارس وابريل 1988م، في مدينتي المجلد ولقاوة، اعترض مسلحون عربة كانت تحمل مرتبات الوحدة العسكرية بلقاوة، والحادث الثاني وقع في نفس الطريق وتم نهب ما يقدر بالفي جنيه خاصة بركاب عربة قادمة من المجلد في طريقها الى لقاوة، والثالث الذي راح ضحيته احد رجال الشرطة وقع في طريق لقاوة كادقلي.
لقد كشفت هذه الحوادث ضعف حكومة الصادق المهدي في جبال النوبة/ جنوب كردفان. فقد تردت الحالة الامنية في المنطقة الجنوبية بصورة مؤسفة، حتى قال النائب يوسف مرفعين كوكو عن الحزب القومي السوداني، "ان 88 شخصا قتلوا وفقد 13 اخرين في منطقة ام دورين على ايدي المليشيات.". واضاف " ان 904 قطية احرقت تماما، وتم نهب 4680 بقرة و650 راسا من الضان".
كما كانت حكومة الصادق المهدي تمنع قيام الانشطة، ان كانت ثقافية او اجتماعية او غيرها كما حدث عندما منعت رابطة ابناء هيبان في الجامعات والمعاهد العليا من اقامة اسبوعا ثقافيا صيفيا وقام افراد القوات النظامية بتعطيل الاسبوع وتم اعتقال بعض الطلاب في صبيحة الثلاثاء 3 مايو 1988م لمدة يومين.
فقد دعى العميد فضل الله برمة ناصر لتسليح القبائل العربية في جبال النوبة وايده في ذلك بكري احمد عديل في لقاء جماهيري بمدينة الدلنج في يوليو 1988م. كما قامت حكومة الصادق المهدي باعتقال 37 عضوا من اعضاء الحزب القومي السوداني في جنوب كردفان من بينهم جميع اعضاء المكتب السياسي في كادقلي وكذلك النائب البرلماني هرون ادريس كافي. وعندما تسلم الصادق المهدي رئيس الوزراء ووزير الدفاع مذكرة الحزب القومي كما قال محمد حماد كوة، احد قيادي الحزب القومي السوداني، حولها الصادق المهدي الى وزير الداخلية، بالرغم من ان الجهة التي اعتقلتهم تابعة لوزارته، وزارة الدفاع، وقد كان عليه معالجة الامر ولكنه التف حوله ولم يفعل شيئا ليعقد الوضع لاحقا.
. وفي الفترة من يناير 1989م ويوليو 1989م، اعتقلت السلطات 100 شخصا من مناطق جبال النوبة ونقلوا الى الابيض وظلوا في السجن حتى يوليو 1993م بدون اية محاكمة او تقديمهم للقضاء للمحاكمة. وفي داخل سجن الابيض توفى منهم 9 اشخاص نسبة لسؤ المعاملة والتعذيب وهم: كرتبير باشا (مك قبيلة جلد)، مكينة خير، ابراهيم باشا، حمدين فضل، حسن الكيقا، محمد حماد وعمر اللبان.الملاحظ بان الصادق المهدي قد تولى كل من رئاسة الوزراء والدفاع وتبع جهاز الامن لرئاسة الجمهورية، اي ان كل الاجهزة الامنية قد كانت تحت اشرافه المباشر.
وفي فبراير 1989م، قدم الجيش مزكرة للصادق المهدي تشير للعديد من النقاط التي تمثل مهددات امنية وهي:
1- التناحر الحزبي وغياب التوجه القومي.
2- الانهيار الاقتصادي والتضخم والغلاء.
3- نمو المليشيات المسلحة والاختلال الامني.
4- افرازات الحرب في الجنوب.
5- تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد.
6- افرازات الصراع المسلح في دارفور.
كما تحدثت المزكرة في النقطة (12) فيها عن ضعف قدرتها بسبب الاستنزاف المستمر بسبب الحرب وتاثر الحصار الاقتصادي والعسكري المفروض اليوم.
وقد طالبت المؤسسة العسكرية باصلاحات سياسية من اجل احتواء قضايا الحرب سلميا واتخاذ موقف حاسم تجاه المليشيات المسلحة التي امست تسيء للجيش النظامي وتحط من قدراتهم المهنية. بهذا يكون الصادق المهدي قد اصطدم بمعارضة شديدة من بعض رجال الاحزاب وقادة الجيش فيما يتعلق بالدفاع الشعبي.
لم يكن السيد الصادق المهدي راضيا من النوبة الذين صوتوا لصالح الحزب القومي السوداني بقيادة الاب فلب عباس غبوش ولا بسياسات اتحاد عام جبال النوبة برئاسة البروفسير الامين حمودة دبيبب. فقد بدا كيدا واضحا على النوبة واصبح يقوم بحملات حقد ضدهم. ففي غارات قامت بها القوات المسلحة على قرى الليري وكالوقي والقردود، قتل ما يقارب 200 شخصا. كما هاجمت مليشيات البقارة شات الدمام وشات الصفية وشات التبلدي والازرق وتروجي وفاما ومساكين طوال ومساكين قصار في نوفمبر 1987م.
وفي يوليو 1987م فتحت القوات المسلحة النار على عمر سبت وهو طالب في المرحلة الثانوية بالخرطوم واردته قتيلا وذلك في مناطق المورو عندما كان في زيارة الى اهله مصادفا وصول كتيبة البركان التابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان بعد تصنيفه بدون التحقق من ذلك.
وفي يوليو 1987م، اعتقلت القوات المسلحة محمد توتو كوة سومي، شيخ قرية لقوري، وتم اقتياده الى معسكر الجيش بمدينة كادقلي، وبعد شهر تم استدراجه الى مكان بالقرب من قرية الكندومي واطلق عليه النار. وفي اغسطس 1987م، اعتقلت القوات المسلحة شريف الخضر وموسى كابي وهما شابين من قرية ابي هشيم ولكن جاءت مجموعة من الاستخبارات لاتخاذهما الى جهة مجهولة ليتم اعدامهما. وفي اكتوبر 1987م، اعتقلت القوات المسلحة احمد النور وقامت باعدامه. وفي نوفمبر 1987م، قتل 20 مواطنا على الاقل بواسطة القوات المسلحة السودانية بدون اتهامات توجه. وفي نوفمبر 1987م، اعتقلت القوات المسلحة 25 شخصا في قرية انقولو تم ترحيلهم الى ثكنات الجيش في تروجي، اطلق سراح 16 منهم واقتيد الباقين الى مدينة كادقلي حيث تم اعدامهم 15 ميلا شرق مدينة كادقلي (العفن).
كما كانت حكومة الصادق المهدي تستهدف الصفوة من ابناء النوبة بغض النظر من انهم معه او ضده، وما حالة الاعتقال العشوائي لسعد قرفة والذي كان من مؤيديه الا شاهدا على ذلك. كما وان هنالك احداث كثيرة جرت على النوبة جورا في فترة الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة نذكر منها حادثة منطقة شات الصفية حينما اشتبك البقارة والنوبة بسبب حقوق المرعى، وقتل في الحادث سبعة من النوبة. وقد ادعى البقارة بان النوبة قد سرقوا 400 راسا من الماشية منهم بينما يقول ويصر النوبة بان ابقار البقارة قد دمرت مزارعهم فقررت الحكومة بحكم موقعها كوسيط ان يدفع النوبة 460 راسا من الماشية وعلى البقارة ان يدفعوا 31 بقرة لكل مقتول من النوبة وكذلك دفع 250الف جنيها سودانيا كتعويض للمزارع التي تلفت، غير ان النوبة قد اصروا على كلمتهم بانهم لم يسرقوا بقر البقارة. وقد اعاد البقارة 217 راسا من اسوأ الابقار للنوبة ولم يدفعوا التعويض المالي وعادوا الى ديارهم غانمين.
وفي العام 1987م، وقف رجال الشرطة وقوف المتفرج حينما كان البقارة يقومون بحرق منازل النوبة وقتل 4 رجال وامراة في ذلك الحادث. فقد طلب النظام مؤتمرا للصلح هذه المرة بين البقارة والشات، ولكن الشات رفضوا ذلك وقد سافروا الى كل مدن السودان الاخرى طلبا للعدل الذي لم يجدوه في نهاية الامر من حكومة الصادق المهدي الديمقراطية، بل بدأ رجال امنه التربص بالشات، ولكن بعد ان فقدوا الامل في "الجهاد المدني" ضد حكومة الصادق المهدي، وهرب البعض منهم الى المملكة العربية السعودية، بينما يمم الاخر شطر الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان عسى ان تحدث الايام بعد ذلك امرا قد يكون مفعولا، وقد كان.
في فبراير 1988م، اتهم اتحاد عام جبال النوبة المليشيات بقتل 13 شخصا ورفض دفع التعويضات. وفي هجوم شنته المليشيات على قرية ام دورين قتل 88 شخصا واختفى 13 مواطنا من القرية. ففي العام 1988م، حدث المزيد من القتل. فعلى سبيل المثال، رجلين احتفظت بهما القوات المسلحة كاسرى بعد هجومها على قرية تميلة في جبال اطورو لتعود وتقتلهما بعد حين، كما كانت حكومة الصادق المهدي تمنع قيام الانشطة، ان كانت ثقافية او اجتماعية او غيرها كما حدث عندما منعت رابطة ابناء هيبان في الجامعات والمعاهد العليا من اقامة اسبوعا ثقافيا صيفيا وقام افراد القوات النظامية بتعطيل الاسبوع وتم اعتقال بعض الطلاب في صبيحة الثلاثاء 3 مايو 1988م لمدة يومين.
في مايو 1988م، اعتقلت السلطات 6 مسيحيين لانهم قاموا بتشييد كنيسة في قرية تلشي دونما الحصول على تصريح رسمي لذلك. ولكن اكبر مهزلة لديمقراطية الصادق قد كانت عند اعتقال 39 شخصا تحت دعوى انتمائهم لمجموعة "نحن كادقلي" في يوليو 1988م. وقد كان من بين المعتقلين النائب هرون ادريس. وقد توفى احد المعتقلين وهو رمضان عجبنا بعد ان تعرض للتنكيل والتعذيب بواسطة قوات الامن.
وفي اكتوبر 1988م، قامت قوة مشتركة من قوات الدفاع الشعبية والقوات المسلحة في مندي بالهجوم على قرية طميلة، وهي قرية تقع في جبال اطورو، بعد الحصول على معلومات كاذبة مفاداها ان هنالك تواجد للجيش الشعبي لتحرير السودان في القرية. وقد هرب السكان عندما قام الجنود يضرمون النار على المنازل. وقد تم القبض على 5 رجال وفتاتين في مقتبل العمر واخذوا جمعيا الى معسكر الجيش في مندي. وفي الطريق هرب احد المعتقلين وفي المعسكر اجبرت الفتاتان للعمل كخدم في البيوت، وقد هربت احداهن بعد عدة اسابيع. وبعد شهر ونصف اعدم رجلان رميا بالرصاص وهما: يعقوب بطرس وابراهيم كميلا، اما بقية المعتقلين فقد اطلق سراحهم.
وفي ديسمبر 1988م، اعتقلت القوات المسلحة 7 اشخاص في مناطق اطوروا وقرى كركر وكارندان والفرش في تيرا الاخضر واعدمتهم. وقد تحدثت التقارير ايضا عن اعدام شيخ هرم واصم في مناطق التيرا بواسطة القوات المسلحة السودانية في 23 مارس 1989م. وفي غمرةهذه الاحداث تم ارسال قوات الانيانيا(2) او ما يسمى بالقوات الصديقة الى منطقة كادقلي. فقد اشتهرت تلك القوات بالقسوة في ادارة المنطقة. ففي شهر ابريل 1989م اعتقل اكثر من 200 شخص من النوبة اغلبهم من اعضاء الحزب القومي السوداني، وقد اعدم البعض منهم خارج نطاق القضاء.
في 23 ابريل 1989م، دمرت القوات المسلحة والمليشيات التي كونتها حكومة الصادق المهدي وتعمل خارج القانون، قرى بالقرب من عبرى انتقاما لجنود قضوا نحبهم اثر تعرضهم لانفجار الغام ارضية. وفي تلك العملية قتل 17 مدنيا في قرية عيدان، منهم: توماس كومي، حسن زكريا، جيمس عيسى، حمدان جيمس ، عباس عيسى والاخوين بشير وادريس حمدان. فقد اطلق عليهم النار من الخلف عندما قاموا هاربين. فاما مصير بعض النساء والاطفال منهم: رقية فضل، مريم نقعة وصافية ادريس، بالاضافة الى امراة عجوز وستة اطفال تم اعتقالهم في بيت وتم حرقهم احياءا داخل ذلك البيت. وبعد هذا الحادث اصبح كل من الامين عبدالرحمن، ابراهيم سعيد موسى، الامين موسى الزبير، مريم كودي، باشا حماد، حسين الاحيمر، سعيد حماد، كوشو كومي، خميس حمدان، فاروق كوشو كومي، التيجاني اسماعيل، وشيخ اعمى يدعى يحي مليا من اعداد المفقودين في قرية عيدان، وربما كانوا من ضمن الاموات. وتبعت تلك الاحداث اعتقالات وتعذيب بصورة وحشية.
ففي ابريل 1989م، اعتقلت القوات المسلحة ثلاثة اشخاص هاربين من قرية عبري بعد ان اشعل الجنود والمليشيات التي كونها الصادق المهدي النار على منازل المواطنين بالقرب من مدينة دلامي. فقد كان الرعاة من البقارة يطلقون مواشيهم لتتغذى على محاصيل مزارع النوبة كما يفعل الجنجويد الان في دارفور. وفي بض الاحوال كان يتم تمزيق الجوالات المليئة بالحبوب لتتمكن الحيوانات من اكل الحبوب الزراعية. وفي كل الاحيان يتم تبليغ السلطات المحلية ولكن دون جدوى.
ففي يونيو 1989م قامت جماعة من قرية السرف بتسليم 100 راس من الماشية للبوليس ولكن اطلق سراحها نتيجة لتدخل سافر من قادة المليشيات. فبدلا من ان تقوم السلطة بوضع حد لاعمال المليشيات والعصابات المسلحة، اصبحت هذه المليشيات والعصابات المسلحة عاملا مساعدا في ذلك الخوف والذعر.
لقد كانت تلك هي حكومة الصادق المهدي الديمقراطية في الفترة 1986م 30 يونيو 1989م، وما قامت به من افعال في جبال النوبة ولا نعتقد بان ذلك اقل وطاة عما تقوم به حكومة البشير الان ان لم يكن اسوا منه. فان اعطينا عذرا لحكومة البشير لانها حكومة عسكرية دكتاتورية اغتصبت السلطة بليل، فهل يوجد عذرا واحدا يمكن ان نعزر به حكومة الصادق المهدي الديمقراطية؟؟؟؟ وما هز في النفس هي تلك الاحتفائية التي تمت في دار حزب الامة بمناسبة تابين مذبحة هيبان دون ان نرى اعتذارا من حزب الامة لما بدر منه في تلك الفترة من انتهاكات صريحة لحقوق الانسان في جبال النوبة في الديمقراطية الثالثة التي كان على راسها السيد الصادق المهدي.. وكان زاكرتنا قد اصبحت خربة وكان شيئا لم يحدث...
نفس الصادق المهدي في نفس موقع البشير الان كان يمارس نفس ما يمارسه البشير الان، وعندما يكون هو خارج السلطة يبكي ندما على افعال كان يفعلها عندما كان في السلطة يفعلها غيره الان... واكيد انه ان وجد نفس الفرصة مرة اخرى سيذهب كما كان يذهب.... هل نحن نفهم ذلك في الهامش السوداني ام هو استغفال منا؟؟
فالمهدي الان في مهمة هو قاب قوسين او ادنى منها في تحقيق هدفه الذي من اجله التحق بنداء السودان، والايام بيننا.....
والنضال مستمر والنصر اكيد،،،،،
طالب تية،
القاهرة، 25 يونيو 2016م.
المراجع الاساسية :
1- روبرت او. كولينز، تاريخ السودان الحديث، ترجمة: مصطفى مجدي الجمال، مراجعة: حلمي شعراوي، مكتبة الاسرة، 2015م.
2- الكتور / عمر مصطفي شركيان، السودان، انتفاض مواطني المناطق المقفولة، الجزء الاول، مطبعة الشارقة، الشارقة – ديسمبر 2010م:
3- . الدكتور عمر مصطفى شركيان، السودان، انتفاضة مواطني المناطق المقفولة، الجزء الثاني، مطبعة الشارقة، الشارقة – 2010م.
4- د/ عمر مصطفى شركيان، النوبة في السودان، نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة، دار الحكمة، لندن، 2006م.
5- محمد بدوي، مليشيات الجنجويد في دارفور، اوراق ، يناير 2016م.
6- عادل شالوكا، المناطق المهمشة في السودان، كفاح من اجل الارض والهوية، 2016م.
7- عبدالماجد عليش، يوميات الدولة الاسلامية في السودان، تقديم د. حيدر ابراهيم علي، دار الثقافة، الطبعة المصرية الاولى، 2012م.، الخرطوم – شارع الطيار جميل، 2012م.
8- لواء امن (م)/ دلدوم احمد العبيد، مراحل تطور قضية جبال النوبة (1984م – 2007م9، مطبعة شاهين
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1138

خدمات المحتوى


التعليقات
#1481785 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2016 06:20 PM
قضايا لا تسقط بالتقادم, فالي لاهاي.


طالب تية،
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة