في



المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سدود أثيوبيا وملف نزاعات مياه النيل 2 – 3
سدود أثيوبيا وملف نزاعات مياه النيل 2 – 3
04-05-2011 07:45 AM

سدود أثيوبيا وملف نزاعات مياه النيل 2 – 3 ...
بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
ناقشنا في المقال السابق الوضع المائي في أثيوبيا وأوضحنا أنه رغم أن أثيوبيا تُعتبر من الدول الغنية مائياً إلاّ أن مواردها المائية تواجه مجموعةً من التحديات الصعبة أبرزها التغييرات المناخيّة والتباين الزماني والمكاني للأمطار والتي تسببّت وتتسبّب في الجفاف والفيضانات، والزيادة الكبيرة للسكان خلال الخمسين عاماً الماضية والتي أوصلت سكان أثيوبيا إلى 88 مليون هذا العام. ومن ضمن التحديات أيضاً أن الإثني عشر نهراً التي تبدأ في أراضيها تعبر حدودها إلى دولٍ أخرى وتصبح أنهاراً دولية تتشارك وتتنافس في استعمالاتها هذه الدول.وأوضحنا أيضاً أنه يمكن تقسيم الإثنى عشر نهر إلى أربعة منظومات نهرية هي:
(1) نهر أواش
(2) منظومة أنهر وابى شبيلى وجوبا وغينالى
(3) نهر أومو،
و(4) منظومة النيل.

كما ذكرنا في ذلك المقال فإنّ انشغال أثيوبيا بحروبها الخارجية والداخلية وظروفها الاقتصادية السيئة وقلّة التمويل الخارجي بسبب هذه الظروف حدّت من آمالها في تنمية طاقتها الكهربائية خلال القرن الماضي واكتفت أثيوبيا ببناء عددٍ قليل من السدود الصغيرة خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي معظمها على نهر أواش. واشتملت تلك السدود على سد كوكا (أو ما يَعرف بـ كوكادام) على نهر أواش لتوليد 40 ميقاواط، وعلى سدّى أواش الثانى وأواش الثالث (وكلُ منهما يُولّد 32 ميقاواط) ، وكذلك سد أبا صمويل لتوليد 20 ميقاواط من الكهرباء. ولكنّ هذه السدود سرعان ما غمرها الطمي وأثّر تدريجياً على أدائها وتوقّف سد أبا صمويل عن العمل كلياً بعد أن غمره الطمي وأوقف توربينات توليد الكهرباء فيه (وكان هذا السد قد بُنىَ عام 1932 وأُعيد تأهيله في الستينات وتوقف العمل فيه عام 1970).
شرعت السلطات الإثيوبية في بناء سدٍ صغير على نهر فِينشا أحد روافد النيل الأزرق في سبعينات القرن الماضي وأُكملت المرحلة الأولى منه لتوليد 80 ميقاواط عام 1973، وفي بناء مشروعٍ آخر صغير على بحيرة تانا يُسمّى تِس أبّاى لتوليد 12 ميقاواط (كما سنناقش فيما بعد). بالإضافة إلى هذه المشاريع فقد قامت أثيوبيا ببناء مشروع \"ميلكا واكانا\" على نهر وابى شيبلى لتوليد 150 ميقاواط. هذا بالإضافة إلى مشاريع صغيرة أخرى مثل \"سور\" على نهر بارو (سوباط).
غير أن الطاقة الكهربائية الكليّة لهذه المشاريع كلها لم تتعدى 400 ميقاواط، بينما لم تزد المساحة المروية من هذه المشاريع عن 70,000 هكتار.

ولكن هذا الوضع بدأ في التغيير مع بداية هذا القرن. فقد توقفت الحروب مع جيران أثيوبيا وانتهت إلى حدٍّ كبير حروبها الداخلية، وشرعت أثيوبيا إثر هذا الاستقرار في مشاريع تنموية ضخمة، تساعدها في ذلك علاقاتها الجديدة والجيّدة مع الدول الغربية وارتفاع أسعار البُّنْ الأثيوبي عالمياً والنمو المتزايد للاقتصاد الأثيوبي وكذلك الدراسات التي أشارت إلى وجود كمياتٍ ضخمة من الغاز الطبيعي في إقليم الأوغادن في أثيوبيا، إضافةً إلى ظهور جمهورية الصين الشعبية كمستثمرٍ وممولٍ وبانٍ للسدود ومتلهفٍ للموارد الطبيعية خصوصاً في أفريقيا.
أكملت أثيوبيا خططاً مفصّلة لبناء اقتصادها شملت دراساتٍ تفصيلية للاستفادة القصوى من مواردها المائية. من ضمن هذه الدراسات تلك التي أصدرها البنك الدولي بالتعاون مع الحكومة الأثيوبية عام 2006 بعنوان \"أثيوبيا: إدارة الموارد المائية من أجل الزيادة القصوى للنمو القابل للاستمرارية.\"

2
كان واضحاُ منذ البداية أن برنامج أثيوبيا التنموي الطموح، مثله مثل أي برنامجٍ تنموي كبير، سوف يعتمد نجاحه على توليد أكبر قدرٍ من الطاقة الكهربائية المتاحة لأثيوبيا والتي تتجاوز 45,000 ميقاواط. وقد كانت كل الطاقة الكهربائية المُولّدة من السدود في أثيوبيا في بداية هذا القرن لا تتعدى 500 ميقاواط عندما كان سكان أثيوبيا حوالي 60 مليون نسمة.ويتركز جُلُّ الطاقة المتاحة لأثيوبيا في منظومة أنهر النيل ونهر أومو بسبب الانحدار الحاد في مجرى أنهار هاتين المنظومتين. وقد ركّزت أثيوبيا في البداية على نهر أومو لأنه كان واضحاُ لها أن المشاكل السياسية والقانونية، وبالتالي التمويلية، في نهر أومو ستكون أقلّ من تلك التي ستواجهها في منظومة النيل، إذ أنّ نهر أومو يجرى كلّه داخل الأراضي الأثيوبية رغم أنه يصبّ في بحيرة تُرْكانا التي يقع معظمها في كينيا.
مشاريع السدود على نهر أومو وروافده:
المشروع الأول:
بدأت أثيوبيا في بناء أول سدٍ لها على نهر غيلغيل غيبي، أحد روافد نهر أومو،عام 1986. وسُمّى المشروع مشروع غيلغيل غيبي للطاقة الأول. توقف العمل بالمشروع عام 1990 خلال النزاعات الداخلية بأثيوبيا وتواصل العمل بالمشروع عام 2000 واكتمل عام 2004. ويتكون المشروع من سدٍّ ارتفاعه 40 متراً، ويُولّد المشروع طاقة كهربائية محدودة لا تتجاوز ال 185 ميقاواط. ويتم إعادة المياه التى تُولّد الطاقة الى مجراها الطبيعى في النهر دون تخزين لها.
المشروع الثانى:
بعد اكتمال مشروع غيلغيل غيبي للطاقة الأول بدأ العمل في المشروع الثاني. ويتكون هذا المشروع من نفقٍ مائي طوله حوالي 26 كيلومتر لتحويل مياه المشروع الأول إلى نهر أومو وتوليد طاقة كهربائية من خلال هذا التحويل تبلغ ذروتها حوالي 420 ميقاواط. وقد اكتمل المشروع وبدأ في توليد الطاقة الكهربائية في نهاية عام 2009 ليرتفع إنتاج أثيوبيا للطاقة الكهربائية في عام 2010 إلى أكثر من 1,000 ميقاواط. وبلغت تكلفة المشروع حوالي مليار ونصف مليار دولار. وقد قامت شركة سالينى الإيطالية للمقاولات ببناء المشروعين، كما قامت الحكومة الإيطالية بتمويل جزءٍ من تكلفة المشروع الثاني.
المشروع الثالث:
لم يُثِر أي من المشروعين احتجاجاتٍ أو نقداً على نطاقٍ واسع لأن تأثيراتهما البيئية والاجتماعية كانت محدودة. غير أن هذا الوضع تغير إثر الإعلان عن مشروع غيلغيل غيبي للطاقة الثالث وبدء العمل فيه في عام 2006. فهذا مشروعٌ ضخم يتم بناؤه حالياً على نهر أومو نفسه بتكلفةٍ تتجاوز مليارين من الدولارات. ويتكون المشروع من سدٍّ ارتفاعه 243 متراً ويُتوقع أن تحجز بحيرة السد حوالي 12 مليار متر مكعب من المياه حول جزءٍ كبير من أراضى قبيلة التُركانا، ويُتوقع أن يولِّد المشروع عند اكتماله حوالي 1,870 ميقاواط ليزيد الطاقة الكهربائية في أثيوبيا إلى أكثر من 250 بالمائة. وتقوم شركة سالينى الإيطالية للمقاولات مع عدّة شركاتٍ صينية ببناء السدّ الذي تُموّل الجزء الأكبر منه جمهورية الصين الشعبية. وقد قامت وتتواصل الاحتجاجات محلياً وعالمياً ضد المشروع بحجة أن المشروع سيُغْرِق أراضى واسعة ويضطر أكثر من50,000 من قبائل التُركانا (والتي تعتبر من الشعوب الأصليّة) للرحيل من المنطقة، إضافةً إلى تأثيراته السلبيّة على البيئة في المنطقة، وأيضاً على بحيرة تُركانا بسبب الهبوط الكبير المتوقع في البحيرة نتيجةً لحجز كميات كبيرة من ماء نهر أومو وراء السدّ. وقد أدت هذه الاتهامات إلى إحجام بعض المانحين من المشاركة في تمويل المشروع. رغم التأثيرات المتوقعة على بحيرة تُركانا لم تحتج كينيا على المشروع بل باركته لأن ثلث الكهرباء التي يُتوقع أن يُولّدها المشروع سوف يتم تصديرها وبيعها لكينيا التي تعانى نقصاً حاداً في الكهرباء. وقد كان من المُخطط له اكتمال المرحلة الأولى للمشروع وبدء توليد الكهرباء في نهاية عام 2011 واكتمال المشروع كليةً في نهاية عام 2012، غير أن المشروع تعرّض لمشاكل فنيّة كبيرة وتقول المؤسسة الأثيوبية للطاقة الكهربائية أن مشاكل المشروع الفنية حُلّت وأن العمل في المشروع سيكتمل في يوليو 2013.
هذا وقد بدأت أثيوبيا قبل فترةٍ في إجراء الدراسات حول مشروع غيلغيل غيبي للطاقة الرابع لتوليد طاقة كهربائية قدرها 1,500 ميقاواط، والمشروع الخامس بطاقة قدرها 600 ميقاواط، وكلاهما على نهر أومو. وهذا بالطبع برنامجٌ طموح ولكنّ برنامج أثيوبيا لتوليد الطاقة الكهربائية من منظومة النيل، كما سنناقش أدناه، ليس أقل حجماً أو طموحاً من مشاريع نهر أومو.
3
مشاريع السدود على منظومة النيل:
كما ذكرنا في الحلقة الماضية فإن منظومة النيل في أثيوبيا تشمل نهر عطبرة والذي يُعرف في أثيوبيا بنهر تَكَزّى، والنيل الأزرق الذي يُسمّى داخل أثيوبيا بنهر أبّاي، بالإضافة إلى نهري أوكوبو وبارو واللذين يكونان بعد لقائهما في جنوب السودان نهر السوباط.
ونناقش باختصار السدود التي بنتها أثيوبيا في منظومة النيل.
أولاً: مشروع تِسْ أبّاى الأول:
بدأت أثيوبيا في استغلال طاقتها الكهربائية في منظومة النيل في ستينيات القرن الماضي. ومن أوائل المشاريع التي بُنيت على النيل الأزرق عند مخرجه من بحيرة تانا هو مشروع تِسْ أبّاى عام 1964 لتوليد 12 ميقاواط من الطاقة الكهربائية، وتتولّد الطاقة الكهربائية من اندفاع المياه عبر الشلالات عند مخرج النيل من بحيرة تانا.
ثانياً: سدّ فينشا:
قامت أثيوبيا ببناء أول سدٍّ لها على منظومة النيل على نهر فينشا، أحد روافد نهر أبّاى (النيل الأزرق)، وهو سدٌّ صغير لا يتجاوز ارتفاعه العشرين متراً لتوليد الطاقة الكهربائية. بدأ بناء المشروع عام 1968 واكتمل عام 1973 بتكلفةٍ قدرها 34 مليون دولار. كانت الطاقة التي يولّدها السد حوالى 84 ميقاواط، ارتفعت بعد تأهيل المشروع عام 1999 الى 100 ميقاواط. كذلك ساعد التأهيل على ري حوالي 8,000 هكتار.
ثالثاً: : مشروع تِسْ أبّاى الثانى:
هذا المشروع هو امتداد لمشروع تِس أباى الأول ويقع على نهر أبّاى (النيل الأزرق)على بعد 32 كيلومتر من مخرج النهر من بحيرة تانا. وقد بدأ العمل فيه عام 2001 واكتمل عام 2005 ويُولّد 75 ميقاواط من الكهرباء.
رابعاً: سدّ تكزّى:
يقع هذا السد على نهر تَكّزى (نهر عطبرة). وقد بدأ التخطيط لبناء هذا السد في عام 2002 عند اكتمال دراسة الجدوى ذلك العام. وهذا أول سدٍ كبير تقوم الحكومة الأثيوبية ببنائه على منظومة النيل، إذ يبلغ ارتفاعه حوالي 188 متر وتحجز البحيرة التي يخلقها السد حوالي أربعة مليار متر مكعب من مياه النهر. وقد قامت الحكومة الصينية بتمويل الجزء الأكبر من تكلفة المشروع البالغة حوالي 360 مليون دولار، وقامت إحدى الشركات الصينية بالبناء واكتمل العمل بالمشروع عام 2010 ويُولّد المشروع حوالي 300 ميقاواط من الطاقة الكهربائية.
خامساً: سدّ تانا بيليس:
يقوم هذا المشروع بتحويل مياه من بحيرة تانا لنهر بيليس (أحد روافد النيل الأزرق) وبناء محطة لتوليد الطاقة عند مكان التقاء نقطة التحويل بالنهر. بدأ العمل بالمشروع في عام 2004 واكتمل في عام 2010. وقد قامت شركة سالينى الإيطالية للمقاولات ببناء المشروع بتكلفةٍ قدرها 125 مليون دولار. ويقوم المشروع بتوليد حوالي 460 ميقاواط من الطاقة الكهربائية.
هذه هي السدود والمشاريع التي أكتمل بناؤها حتى الآن وبدأت في توليد الطاقة الكهربائية وزادت إنتاج أثيوبيا إلى أكثر من 2,000 ميقاواط في فترةٍ وجيزة. هذا غير المشاريع التي اكتملت دراستها وبدأ تنفيذها ولكنّ بناءها لم يكتمل بعد.
وسوف نناقش في المقال القادم والأخير سدّ الألفية العظيم وكذلك السدود الأخرى على منظومة النيل التي تحت الدراسة، وما تنوى أن تفعله أثيوبيا بالطاقة الضخمة التي سيتم توليدها إذا نجحت في تنفيذ هذه السدود، والتداعيات المحتملة لهذه السدود.

Salmanmasalman@gmail.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1309

خدمات المحتوى


د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة