المقالات
منوعات
إيفيتا : السيرة الحقيقية (5)
إيفيتا : السيرة الحقيقية (5)
07-04-2016 11:47 PM

image


الفصل الخامس
زوجــة الرئيس

عاد بيرون إلى (كالي بوساداس) متأخرا تلك الليلة لتناول العشاء مع (إيفيتا). بعد ذلك قادا السيارة إلى منزل (رامون سوبيزا) في سان نيكولاس ، المكان الذي كانا يخططان للإختباء فيه قبل تغيير رأيهما والذهاب إلى (تيقري) . بعد أربعة ايام وفي إحتفالات في غاية الخصوصية وبحضور (ميركانتي) و (خوان) شقيق إيفيتا كشهود تم الزواج وبعد خمس اسابيع من ذلك الغي الزواج بحسب الطفوس الكنسية في احدى الكنائس بسبب تهديد ضد حياة بيرون لكن مع ذلك فقد اقيم احتفال ديني في كنيسة (سان بوناكيانو) في لا بلاتا. حضرت دونا خوانا الاحتفال الديني وكان هناك القليل من أصدقاء بيرون الذين إفترضوا تحاشي الإعلان عن ذلك ، غير أنهم إندهشوا حينما وجدوا جمهورا محتشدا من المؤيدين خارج الكنيسة ، مما أجبرهم على الخروج من الأبواب الجانبية.

حمل عقد الزواج شهودا على عجل وهو أمر مفهوم مع التسليم بالظروف المحيطة. إن إيفا وخوان لم يكونا من مواطني (خونين) ولم يكن بيرون عازبا ولم يخضع الإثنان معا إلى كشف طبي في خونين في اليوم السابق فـ (سان نيكولاس) تبعد مئتي ميل من خونين وهناك أكثر من تحريف خطير في الحقائق ، خاصة في الإفاد الواردة في المستند من أن إيفيتا ولدت في 7 مايو 1922 باسم ايفا دوارتي. إن الإسم هو المهم لإيفا وليس عمرها فهي تدعي أن عمرها ثلاثا وعشرين عاما بدلا من عمرها الحقيقي وهو ست وعشرين عاما بحيث يمكن أن تدعي إسم دوراتي وهو الأسم الذي عرفه بها بيرون. كان السجل الأصلي لا يزال موجودا عام 1944 وحينما فحص سياسي راديكالي محلي يدعى (دانيال ديلاقستو) سجل المواليد في لوس تولدوس لاحظ بإهتمام أن أبناء دوارتي جرى تسميتهم تحت إسم (ايبارقورين) وبدافع الإستطلاع أخذ نسخة من قيد إيفا ماريا. في عام 1945 جاءت إليسا شقيقة إيفا إلى مكتب المسجل لطلب شهادة ميلاد لها ولايفا ماريا. جال الكاتب بنظره في السجل باحثا عن اسم دوارتي ، غير أنه لم يعثر على قيود تحت إسمه. عندها طلبت منه إليسا أن يفعل معروفا بالعثور عليها لا سيما أن ايفا دوارتي سوف تتزوج قريبا بيرون الذي يمكن أن يصبح رئيسا ، لكن الكاتب تريث وأستشار شقيقه وهو محام يعمل في بوينس ايرس الذي لجأ بدوره إلى المدير العام للسجل الذي طلب من إليسا وإيفا أن يتقدما بطلب في هذا الخصوص للنظر فيه.

في الشهور التالية عمد شخص إلى تمزيق شهادة إيفيتا الحقيقية من سجل لوس تولدوس وفي المقابل تم فحص السجلات في خونين للبحث عن طفل ولد في نفس التاريخ الذي ولدت فيه إيفيتا ومات ، بحيث يمكن استبدال بياناته بأن يحل اسم ايفا وتاريخ ميلادها المزيف. لقد إقتضى ذلك إزالة اربع صفحات تعود إلى العام 1922 ، تفكيك السجل ، تزوير الاختام والتوقيعات ، إعادة ترتيب الدفتر وإهلاك دفتر طبق الأصل كان محفوظا في (لا بلاتا). كانت الثغرة الوحيدة في هذه السلسلة من التدابير هو الفشل في العثور على شهادة زواج قابلة للتصديق بين والدة إيفيتا وخوانا دوارتي. إنه من غير المعروف من أعاد كتاب تاريخ عائلة دوارتي ، لكن ليس كاتب لوس تولدوس. بعد سنوات من ذلك وفي اثناء جدل حام عن العمر الحقيقي لايفيتا دار في نادي لوس تولدوس الإجتماعي ، أفاد أحدهم بأنه فحص دفاتره وأكتشف أن هناك تزويرا حدث وأنه أخبر السلطات بذلك. وقتها لم تكن إيفيتا على قيد الحياة ولكن كان بيرون في السلطة وجرى إزاحة الكاتب من وظيفته فورا. حيث أن التزوير كان واضحا بشكل جلي وحدث قبل زواج إيفيتا فمن الواضح أن ايفيتا لم تكن تأمل فقط بل تتوقع أن تتزوج بيرون. إن أحداث 17 أكتوبر جعلت من الضروري عليهما أن يتزوجا ، حيث من غير العرف أن يتقدم أرجنتيني للترشيح للرئاسة بينما هو يعيش مع إمرأة ليست زوجته.بالنسب لكثير من لأرجنتينيين فإنهم كانوا يعرفون كل شيء عن إيفيتا وبسبب أنها تمثلهم فقد صدقوا هذه النسخة الخارقة من الأحداث مثلما بدأ إن ايفيتا نفسها صدقتها.

لقد كان زواجها مثل قصة خيالية أو ذروة فيلم سينمائي. لقد وجدت إيفيتا نفسها الان زوجة لمرشح رئاسي وهي بالطبع ممتنة لبيرون وهو إمتنان يمتد إلى البدون قمصان . لذا فإن معظم باقي حياتها سوف يكون مكرسا لرد هذا الدين. دخل بيرون الحملة الرئاسية من دون حزب ، من دون تنظيم إنتخابي وبقليل من التمويل للحملات ، لكن خلال أسابيع قليلة وجد نفسه رئيسا لتحالف. لقد وجد دعما من حزب العمل الذي أسسه قاد النقابات من اتحاد العمال العام وأؤلئك الراديكاليين والمحافظين الذين إنحازوا إلى جانبه مبكرا ذلك العام. أما المعارضة فقد تكونت من اؤلئك الذين رعوا وشاركوا في (مسيرة الدستور والحرية) – ديموقراطيين تقدميين ، راديكاليين ، إشتراكيين وشيوعيين – وبالمقارنة فهو تنظيم فعال وجيد التمويل. لقد تبنت المعرضة شعار (نحو الحرية ، ضد النازية) . إتهم مرشحو المعارضة بيرون بأنه ديماغوجي ، نازي ولص ، تصرف في أموال جمعت لإعادة بناء سان خوان. أما خطاب بيرون فقد كان معتدل الطابع فهو يرغب في زيادة دعم الطبقة الوسطى ، مبديا رأيه في الرأسمالية والديمقراطية. بعد الأجتماعات والاحاديث في بوينس ايرس ، إرتحل المرشحون إلى الداخل في قطارات جرى إعدادها بشكل خاص. كانت الأجواء عنيفة فقد تعرض (قطار النصر) التابع للمعارض إلى العديد من العقبات ، تهديدات بالقنابل وهجمات من قبل مؤيدي بيرون والقذف بالحجارة عند عودته إلى العاصمة تصحبه الشرطة. بعد ذلك جاء قطار بيرون محاطا بخطة أمنية صارمة ، غير أن بيرون ومجموعته كانوا يجبرون على مغادر القطار قبل الوصول إلى أي محطة.

تزامنت الرحلة الأولى مع الإعلان العام على صفحات الصحيفة البيرونية (لا ايبوكو) عن زواج إيفيتا وبيرون. إنضمت إيفيتا إلى القطار في (سانتياجو ديل إستيرو) وقضت السنة الجديدة مع بيرون ولاحقا رافقته في رحلات القطار إلى كل من (خونين) ، (قرطبه) ، (روزاريو) و (ميندوزا) ، إنها كل الأماكن التي مرت بها في جولاتها حينما كانت ممثلة. كان بيرون ومجموعته يرتدون القمصان ذات الاكمام القصيرة إشارة إلى عضوية المجموعة الجديدة والبروليتاريا الواعية للساسة الأرجنتينيين . خلال الحملات الإنتخابي لم توجه إيفيتا أي خطاب بل ظلت واقفة بجانب بيرون وهو يلقي خطبه التي كانت تتناول تفكيك سلطة الاقلية من خلال إصلاحات الأراضي. لم يسبق من قبل أن وقفت زوجة مرشح للرئاسة في حملاته الإنتخابية وقد كانت إيفيتا رائعة لهذا السبب ولكونها معروفة لجماهير الأقاليم كممثلة اذاعية. إن بشرتها الشاحبة ، شعرها الأشقر وقصة زواجها الخيالية جعلت منها شخصية آسرة. بعد جولات الحملات الإنتخابية إنتقل بيرون وإيفيتا إلى الشقة (ب) في طابقهما في (كالا بوساداس) ، تاركين شقة ايفيتا (ب) خالية لتسخدم كغرفة للمؤتمرات ومقر إنتخابي. بما أن كتابة الانتخابات كانت تأخذ وقتا كثيرا من بيرون فإن إيفيتا كانت تتعهد بالتفاصيل الصغيرة لعمل الحملات وهو أمر لم يجد إعتراضا من بيرون. كانت ايفيتا تحضر الاجتماعات برفقة بيرون ، عدا مرة واحدة من دون بيرون وذلك لتنظيم عمل المجموعات النسائية لدعم الحركة البيرونية. بنهاية الحملات الإنتخابية أصبح وجودها ميزة مألوفة للأحداث السياسية بحيث رغبت لجنة نساء بيونس ايرس في تسمية مركزهم باسم (مركز ايفا ماريا دوارتي دي بيرون).

لقد نبعت قضايا الحملات وذروة عنفها من الاحداث السياسية التي وقعت الشهر الماضي وما انبثق في القضايا الرئيسية في السياسة الأرجنتينية في العام الماضي ألا وهي قضية الحرب. قبل تسعة ايام من الإنتخابات بدأت الصحف المعارض لبيرون في طبع مقتطفات نشرت في واشنطون بعنوان (الدستور والجمهوريين الأمريكيين بخصوص الوضع الأرجنتيني) أو ما عرف بشكل أكثر بـ (الكتاب الأزرق). لقد كان تأليف الكتاب بتوجيه من السفير السابق / سبرويلي باردين الذي يعمل الآن وزير الخارجية المساعد لشئون امريكا اللاتينية وبينما قدم الكتاب كتذكرة للدول الأمريكية الأخرى بالنازية الأرجنتينية الموالية خلال الحرب العالمي الثانية ، فإن تأثير الكتاب كان قليلا في إضعاف الثقة ببيرون في الأيام الحاسمة من الانتخابات التي أوشكت على الإنتهاء. في 12 فبراير 1946 وفي خطاب مذاع قال بيرون (في بلادنا فإننا لا نناقش مسألة الحرية والإستبداد ، الديمقراطية أو السلطوية ، إننا نشهد في قلب هذه الدراما مباراة بطولة بين العدل الإجتماعي والظلم الإجتماعي) مختتما خطابه بالهجوم على باردين لأنه القائد الحقيقي للمعارضة.

إن الإنتخابات التي جرت في 24 فبراير 1946 كانت أول إنتخابات صريحة بشكل حقيقي منذ عام 1928 وهي نظيفة وفقا لأي معيار ، بعيدة عن الطابع الذي ميّز الإنتخابات في الثلاثينات وحينما ظهرت النتائج الأولية كان هناك إتفاق شبه إجماعي من إجراءات التصويت كانت سليمة. كانت المعارضة متأكدة من النصر وحينما بدأ أن النصر أقل توقعا بدأت المزاعم تظهر عن وجود تزوير. حاز بيرون على 52% من الأصوات ونال مرشحوه جمعيا الفوز عدا واحدا وأصبح لديه في مجلس الشيوح ثمان وعشرين مقعدا من أصل ثلاثين وشكل نوابه أغلبية الثلثين في غرفة النواب. لقد عهدت البلاد الآن مستقبلها بشكل حاسم إلى بيرون. في الشهور الواقعة بين الإنتخابات وتسلمه السلطة ، صاغ بيرون برنامجا وشكل مجلسا للوزراء مثّل كل المجموعات التي دعمته ، لكنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على اللصيقين به وأؤلئك الذين ساعدوه في 17 أكتوبر ، أما خصوم بيرون فقد تلقوا دعمهم من أصحاب المصالح التجارية التقليدية ، سوسيداد رويال والنقابة الصناعية. في المقابل جاءت أصوات الدعم لبيرون من رجال الأعمال المستقلين الذين لهم أسبابهم الخاصة لدعمه. أحد هؤلاء هو (البيرتو دوديرو) وأحد أثرياء أمريكا اللاتينية الذين منحهم بيرون أول خطوط طيران خاصة خارج بوينس ايرس ، فيما كان لزوجته وهي من شيكاغو صداقة لبعض الوقت مع إيفيتا. أما التعيين الأكثر إندهاشا لبيرون فهو إختياره لـ (خوان) شقيق إيفيتا ليكون السكرتير الرئاسي الخاص وقد كان وفيا لبيرون وأخته حتى أكتوبر ، لكن لم تكن له خبرة في السياسة فقد عمل بائعا للمنتجات المنزلية في العقد الماضي وسرت الأقاويل بأنه أدار سوقا سوداء في السلع المستوردة عام 1945 وهو لم يتزوج ، له عدد من الخليلات ويتردد على الأندية الليلية ، لكنه حالما إستلم منصبه فإن أهمية منصبه زاد من نفوذ إيفيتا وبالتالي من تأثيراتها على القرارات.

إن الأرجنتين التي إختارت بيرون لم تكن أغنى بلد في أمريكا اللاتينية فحسب ، بل كانت كذلك واحدة من أكثر البلدان ثراء في العالم. لقد جعلت منها الحرب بلدا دائنا فقد كانت بريطانيا وحدها مدينة للأرجنتين بإثنين بليون دولار. إن الحالة المزرية للإقتصاديات الأوربية أعطت الأرجنتين سوقا مؤكدا لصادراتها ، بينما كان من الصعب إستيراد الكثير من أوروبا. بعد التغاضي عن ثلاثينات القرن الماضي كان مال يصرفه العامة ، غير أن البلاد غمرتها مرة أخرى تدفقات اللاجئين ، لكنهم كانوا هذه المرة من العلماء ، العمال المهرة ، المفكرين وبدأ أن كثيرا من مشاكل البلاد المتكررة في طريقها إلى التلاشي ولفترة من الوقت شعر المناوئين لبيرون من أن إنتخابه يمكن أن يبدد الأزمات السياسية الطويلة للبلاد وأن يقدم للبلاد نظاما ديموقراطيا. لقد ألقي باللوم على بيرون لإخفاقه في الإستفادة من هذا المناخ السياسي والإقتصادي المشجع ، غير أن ذلك يبدو رأيا قاسيا. بالرغم من ذلك فإن هناك بعض القرارات المثيرة للإستفهام بحيث لم تكن في جوهر التغيير المتعلق بالتركيبة السياسية. لقد كان للقوى التي أيدت إنتخابه من الجيش والنقابات عموما مصالح قليلة من الناحية التاريخية ، غير أن بيرون كان لديه قليل من الخيار للإعتماد على دعمهم من خلال تطبيق إصلاحات مقبولة بشكل مشترك. في عام 1946 كان ذلك لا يزال ممكنا. كان هناك دعم هائل لعدد من الإصلاحات وكذلك تمويل وافر لتطبيقها. لقد بدأت المصاعب تواجه بيرون فقط بعدما أنجز الإصلاحات الأساسية ولم يعد هناك مال.

في 27 نوفمبر 1946 حضر بيرون للقاء مؤيديه في (كولون أوبرا هاوس) الذي إمتلأ بالجماهير وبمسئولي النقابات التجارية مرتدين الأقمصة ذات الأكمام القصيرة والذين جاءوا لدعم برنامج بيرون تحت شعار (الأرجنتين الجديدة) الذي مدته خمس سنوات. ما أبتدعه بيرون لم يكن جديدا في السياق الأوروبي أو الأمريكي الشمالي ، لكن على الأساس الأرجنتيني كان مدهشا تماما. بعيدا عن الإجراءات مثل تأميم السكة حديد والمرافق التي يمتلكها البريطانيون فإن بيرون وعد بتأسيس عدد من الصناعات الوطنية الأخرى وبرنامج عاجل للتصنيع. كانت النقابات قد شهدت مزيدا من التوحد وهو ما قدمه بيرون سلفا ، برنامج كامل من التشريع يتعلق بإجراءات التحكيم وما هو أكثر أهمية سلسلة من خطط المعاش الشاملة تصل إلى إنشاء وضع رعاية في الأرجنتين. إن التغيير في مكانة العمال كان إستثنائيا ، إذ لم يسبق لحكومة أن أقرت في تشريعاتها أو إحتفالاتها بوجود الطبقة العاملة الأرجنتينية ، لكن الرئيس الذي كان جنديا يسمي نفسه الأن عاملا. بدأ بيرون يخبر الصحفيين الزائرين بأنه يعمل بجد بأكثر من أي رئيس سابق فمعظم هؤلاء الرؤوساء كان يأتي للمكتب ليعمل فقط أربعة ساعات في اليوم ، ربما كانت هذه الإقادة صحيحة. إيفيتا من جانبها بدأت كذلك في العمل فقد بدأت بزيارة المصانع أولا مع بيرون ثم لوحدها كذلك ، لكن بعد أربعة أشهر من تسلم بيرون السلطة بدأت تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع في الطابق الرابع من أمانة العمل في مكتب هيأه لها صديقها (أوسكار نيكوليني) الذي يشغل الآن منصب وزير الإتصالات.


في البداية كان الناس يأتون إلى إيفيتا بسبب روابطهم مع النقابات ولطلب عون فردي أو مساعدة مادية. كان عليها أن تستمع إليهم ثم تصدر رأيها . لقد أحبت إيفيتا تقديم هذا النوع من العون وتحققت من أنها كزوجة للرئيس يمكنها أن تقدم طلبا يتعلق بالموارد الضئيلة للمشاكل التي تود حلها. لقد أصبحت إيفيتا مدركة للقضايا التي تتعلق بالنقابات . في البداية كان يساعدها أؤلئك الذين يعملون مع بيرون وخاصة (إيزابيل إيرنست) والتي كانت تعمل كسكرتيرة لـ (دومينغو ميركانتي) منذ عام 1943 ولها إتصالات ممتازة مع قادة النقابات. كانت تقف خلف إيفيتا تسجل الملاحظات وتقدم الإقتراحات ، لكن في النهاية أصبحت إيفيتا مستاءة من شكل الوصاية الذي تمارسه فكانت توبخها في العلن لعدم تنفيذها أوامرها. في هذه الإجتماعات ووفقا لزعيم نقابي في صناعة اللحوم فإن إيفيتا كانت متيقظة لشكل الحديث : ((كان لديّ شعور بأنها لا تزال خجولة من التحدث في العلن . لقد كانت تقول نفس الشيء بطريقتين أو ثلاثة طرق مختلفة ، مستخدمة تعابير مختلفة وكانت تسأل هل فهمتم ما أحاول أن أقوله ؟ .. لقد ذهبنا إليها في مشكلة صعبة تتعلق بنزاعنا مع الشيوعيين في الصناعة وطلبت منّا أن نحبرها بكل ما حدث إلى درجة تكرار الشيء عدة مرات وأخيرا فهمت الأمر وأعطتنا حلا لم يفكر فيه أيّ احد منّا)). كان بعض عمل إيفيتا رسميا تماما : إستقبال وفود أعضاء النقابات عند مجيئهم إلى الوزارة أو الذهاب إلى المصانع لتوجيه أحاديث ، لكنها بدأت تتعامل بشكل متزايد مع نوع القضايا التي يتناولها بيرون حينما كان في الوزارة. في الكثير من الصناعات لم تكن هناك نقابات وكانت الإضرابات تستخدم كسلاح للإعتراف بالمطالب وكان يطلب من إيفيتا الدعم في تنظيم النقابات. كانت هناك نقابات ترفضها الجكومة على أساس أنها عدائية (شيوعيون وغيرهم) فساعدت إيفيتا الأعضاء الذين يرغبون إنشاء نقابات جديدة.

في أوائل عام 1947 أصبحت إيفيتا مالكة لصحيفة (ديموقراسيا) وهي صحيفة متواضعة وغير مهمة. كانت الصحيفة ينقصها دعم صحف بيونس أيرس الأخرى التي كان ناصبت بيرون العداء أثناء الإنتخابات. بما أن إيفيتا لم تكن تملك مالا لشراء الصحيفة ، إلا أنه جرى تشجيع البنك المركزي المؤمم على منحها تمويلا. لم تلعب إيفيتا دورا كبيرا في إدارة (ديموقراسيا) فقد جرى تعيين هيئة تحريرية جديدة وتم تحديد السياسة العامة للصحيفة وأصبحت تقدم نفسها في شكل تابلويد مع الصور الفوتوغرافية وتقارير عن إحتفالات النظام البيروني وحينما كانت إيفيتا توجه حديثا لربات البيوت عن كيفية التعامل مع التضخم ، كانت أحاديثها تجد مكانا لها في الصحيفة ، كذلك كانت تعاد نشر خطب بيرون بصفة دائمة ، غير أن واحدة من تدخلات إيفيتا التي جرى التعبير عنها وأصبحت بعد ذلك سياسة تحريرية ثابتة هو ما يتعلق بتصوير وزير الخارجية (أتيليو براموقليا) ذلك الرجل الذي رفض لها يوما تأمين أمر قضائي للإفراج عن بيرون من محبسه. لم يكن إسم (أتيليو) يذكر في الصحيفة ابدا وإذا كان لا بد من الإشارة إليه كان يذكر منصبه فقط ، أما صوره الفوتوغرافية فكان يجري التلاعب بها فهي إما أن تزال تماما إن كان في الطرف ، أو بمسح وجهه إن كان في الوسط فيظهر أحيانا بلا رأس وأحيانا كشبح. لم تكن صورته تظهر كاملة أبدا.

كانت لإيفيتا صور كثيرة تظهر في الصحيفة ووفقا لرئيس التحرير (فالنتين ثيبولت) فإنها لم تعط تعليمات في هذا الخصوص لكن هيئة التحرير إفترضت أن ذلك ما تريده ، ثم كان أن قفز توزيع الصحيفة من 6.000 إلى 20.000 ثم إلى 40.000 نسخة وبدأ جليا أن نشر صور إيفيتا كان فألا حسنا على الصحيفة. في البرلمان كانت هناك إنتقادات من المعارضة لإيفيتا مثلما حدث في يونيو 1946 وذلك حينما تقدم النائب الراديكالي (إيرنستو سامارتينو) بمشروع قانون مفادة أن لا يشارك زوجات الموظفين المدنيين ، السياسيين أو العسكريين إمتيازات أزواجهم أو يمثلونهم في المهام العامة. إنه إجراء يمكن تفسيره بأنه ينطبق على إيفيتا. في ذلك الشهر أطلقت (النيوزويك) عليها إسم الرئيسة وأنها أصبحت (المرأة الأكثر أهمية) خلف العرش في أمريكا اللاتينية. في ديسمبر 1946 وإستجابة لهذه الإنتقادات أصدرت الحكومة تعريفاتها الوحيدة لما يجب أن تفعله إيفيتا. لم يكن لإيفيتا سكرتيرون بل معاون واحد وبدون أن يكون لها دور في الحكومة أصبحت (مساهم فاعل) في سياساتها الإجتماعية ، تخدم كسفير للحكومة لدى الشعب – البدون قمصان ، غير أن هذا الإعلان الرسمي لدورها غير الرسمي لم يرض غير أؤلئك الذين إستفادوا منه. في المقابل لم يفسر بيرون أو إيفيتا بشكل كاف كيف وصلت إلى شغل تلك المكانة لقد كان قرار بيرون المبكر بأن تعمل معه مدهشا بما يكفي ، لكنه أقل أهمية من القرار الذي إتخذه الآن والذي يقتضي في الواقع إعطائها مسئولية كبيرة وهي في السادسة والعشرين من عمرها. إنها تمثل رابطته الوحيدة مع البدون قمصان. لقد وصفها بإنها إمرأة عاطفية بشكل حقيقي ، تقودها إرادة وولاء يماثل ذلك الذي للمسيحيين الأوائل ، غير أن ذلك لا يبدو تفسيرا حقيقيا عن سبب ذهابه معه إلى الوزارة.

إن أسباب بيرون الحقيقية للسماح لزوجته بهذا النوع من الحرية كانت سياسية أكثر من كونها شخصية وهي نابعة من ضعف موقفه. لقد برز بيرون بسبب ما أنجزه إنابة عن العمال ، لكنه كان بعيدا عن السيطرة على الحركة العمالية. لقد إستمرت الإضرابات حتى عام 1946 وبعد تقلده الحكم حل حزب العمل وبالتالي قلل من القوة السياسية لإتحاد العمال العام لقد كان حريصا على أن لا يعين منافسين محتملين لمناصب هامة تكون فيها الإتصالات مع النقابات ضرورية لقد كان خياره الوحيد لوزارة العمل هو (خوزيه ماريا فريدي) وهو صانع نظارات سابق. بالتالي إستطاعت إيفيتا أن تعمل بدون عائق وبطريقتها الخاصة ومن دون أن تشكل تهديدا لبيرون كونها زوجته وظله مثلما كان يسميها. لقد كان تأثيرها مستقلا عن الرتبة الوزارية أو الإدارية وكانت تعتمد على ما يرغب بيرون في فعله وفي ترغب هي في فعله وما يبدو مفيدا لها . كان هناك ظمأ كبير للطقوس والرموز في الأرجنتين الجديدة – الأيام العظيمة ، الشعارات ، القمصان ذات الأكمام القصيرة ودور الأوبرا التي تحولت إلى مسارح للشعب. لقد إستمتع بيرون بالحياة الرمزية كـ (كولونيل العاملين) والآن جاء دور زوجته.

كانت الإنتقادات تصب من كل الإتجاهات ففي 14 أغسطس 1946 أشار تقرير للسفير الأمريكي إلى أنه من المؤكد أن إيفيتا قد ألحقت ضررا ببيرون لدى الرأي العام ، ليس بين معارضيه فحسب ، بل كذلك بين أصدقائه المقربين ومؤيديه. يقول السفير أن وصول إيفيتا إلى وزارة العمل قد أثار الإستياء بشكل واسع وأنها ترى الآن تشرف على عدد من التعيينات لأشخاص كانوا من المعارضين لبيرون قبل الإنتخابات. إنه يعتقد أنه بدون إيفيتا فإن بيرون كان سيكون أقل قسوة. أيّا كان ماقيل عما فعلته إيفيتا فإنه يفسر بواسطة أعدائها بأنها محاولة لتقليد المتفوقين عليها إجتماعيا أو محاولة للإنتقام من أؤلئك الذيم لم تنجح في مضاهاتهم. بالتالي جرى تقليص وجودها في دائرة من الجرح والإنتقام وتحول الحسد إلى حقد . لقد كان هذا التفسير سهل الفهم. في عام 1947 بدت إيفيتا لأول وهلة شحص مدرك لمضامين ومتطلبات السلطة ، لكنها في الواقع لم تكن في ذلك الوقت تملك تصورا لما تفعله مع الأشياء ، غير أنها ما لبثت أن إكتسبت هذا التصور. لقد جاءها ذلك بعد سلسلة من النشاط المذهل للرموز بعد زيارتها الفخيمة لأوروبا.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2302

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد علي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة