07-14-2016 05:01 AM


هل سمعتم بمسرح العبث .. ومسرح اللا معقول .. هذا هو بالضبط مسرح أمونة كَبَسي.. فهو يقدم مسرحا بدون اخراج وبدون نصوص وبدون ترتيب وبدون ميعاد .. يقدم مسرحا يؤدي فيه دور البطل الوحيد .. مسرح يعتمد علي سرعة البديهة .. وخفة الحركة .. وانتظار التخويف والاثارة .. وفي احيان كثيرة يقدم عروضه تلك مجانا دون ان يطلب مقابلا .. يجمع الناس حوله رويدا رويدا ثم يصرخ فيهم بخلعة ومفاجاة ورعب : كاباسا كاباسا كاباسي ..
من هنا اعتقد جاء اسم كَبَسي .. فهذا ليس اسم والده .. بل جاء من تلك الصيحة الشهيرة ..
اذا أتت سيرة أمونة كَبَسي.. لابد من ذكر المنافس الفعلي له .. اقصد هنا (الشحاد) الاخر ( محمد كزرون فاضي) .. كزرون فاضي بعربي جوبا تعني الماعون الخالي .. فهو يحمل دائما حلة خالية يمدها عند (الشحدة) .. محمد كزرون فاضي غير ناضح عقليا .. ربما هو خريج مدرسة ( السلسيون) او (البنقو) .. لم يتمتع بالكاريزما والحضور الذين يتمتع بهما أمونة كَبَسي .. والعلاقة بينهما متوترة وساخنة .. او قل ان أمونة كَبَسي لم يحبه او يستسيغه ولم يبادله الود مطلقا .. وذلك ان محمد كزرون فاضي كثيرا ما يثير الشغب ويفض و (يبرجل) تجمعات أمونة كَبَسي اللاهية ..كان يحمل بوق يصفر به ويصيح : محمد كزرون فاضي ..
كما يجب ان نشير الي رجلا اخر يعد من قادة الترفيه في جوبا زمان .. الرجل الوقور الرزين بابا كيو .. فـ بابا كيو دائما ما يركب على دراجة .. وهو يأتي من جهة الشرق من جهة مدرسة النهر تقريبا .. ويتجه غربا ناحية اطلع برة او جبل كجور لا ادري ..
بابا كيو يماثل بابا نويل عند الخواجات .. فهذا ياتي من جهات البرق العبادي.. وذاك ياتي من جهات القطب الشمالي .. هذا يوزع الحلوي للاطفال وذاك يوزع الهدايا للاطفال ايضا .. ما يميز بابا كيو انه ياتي طوال السنة وليس ميعاده محصور في ايام عيد الميلاد .. كما ان بابا كيو بهي الطلعة وله رائحة عطرة وفواحة .. والحقيقة تقال ان بابا كيو في اعياد الكريسماس يلبس الملابس الزاهية البراقة .. وتتنوع هداياه من خبيز وبيت فورد وحلوى الماكنتوش الفاخرة .. اعتقد انه ايام الكريسماس يجوب مدينة جوبا طولا وعرضا حتى يفرغ ما يحتويه جرابه المربوط في العجلة ..
عادة يلوح بابا كيو بيده ويصيح على الصبية : باي باي كيو .. باي باي كيو ..
ثم ينادي على الصبية واحدا واحدا : مارتن باي باي كيو .. جوزيف باي باي .. حسن باي باي كيو .. ثم يوزع الحلوي ..
يجري الصبية نحوه وهو على الدراجة يقودها بحنكة ..
بابا كيو يتمتع بذاكرة حديدية فيمر على عدد من الاحياء فيردد اسماء الصبية واحد تلو الواحد .. لم اشاهدة ينزل من على الدراجة.. كل المخاطبات تتم وهو على الدراجة .. .. وكذلك كل الهدايا توزع وهو على الدراجة .. اعتقد ان بابا كيو موظف او نحو ذلك فهو شخصية مرموقة مجتمعيا ويحب الاطفال .. ذات مرة ذهبت انا محمد جعفر وشقيقه عبد الناصر الى مكتبة القيادة .. لشراء الالغاز رايت بابا كيو هناك في حي اطلع برة يلتف حوله الصبية .. وهو يوزع البسمات ويصيح باي باي كيو.. باي باي كيو .. ثم يذكر اسماءهم واحدا واحدا ..
احيانا يتشعلق احد الصبية في الدراجة ويعيق مسيره فيهدده بـ متايو .. متايو هذا كان مساعد دكتور .. يجري عمليات الطهور .. وطعن الحقن .. لذا اسمه يثير الخوف والفزع لدي الاطفال ..
كما يجب ان نتوقف قليلا امام سلطان اندريا نفسه .. فهو ضلع لا يمكن تجاوزه اذا تحدثا عن الترفيه في ذلك الوقت .. لم تكن محكمته لاقامة العدل ورد المظالم فقط .. بل كانت مثل مسرح نجيب الريحاني .. تجمع كل رواد المتعة .. طلبة وتجار ومعلمين وعطالة وقوات نظامية .. في الاجازة بعد الفطور اٌلازم محكمة السلطان باستمرار.. فهي تتسم بالطرافة والنكتة .. فالسلطان حاضر البديهة .. ولبيب .. وفكاهي .. وصاحب شخصية قوية لا يستطيع من يحضر الى المحكمة ان يحرك رجليه او يكح بصوت عالي .. فكل مقاعد المحكمة تمتليء عن بكرة ابيها .. واحيانا بعض الشماسة يحجزون المقاعد ثم يبيعونها لرواد المحكمة .. كما ان الشبابيك تاخذ حظها من الاكتظاظ بالمشاهدين .. فالذين لا يتمالكون انفسهم من الضحك دائما ما يرغبون ان يكونوا جوار الشباك .. واذا شعر احدهم بان نوبة من ضحك ستنتابه يذهب بعيدا عن المحكمة حتى يتم ضحكته ثم يعود .. فالويل لمن ضبط متلسبا بضحكة فالسلطان لا يرحم سيكون مضحوكا عليه بدلا من ان يكون ضاحكا ..
صحن المحكمة نفسه يعج بالحضور حيث يسمح السلطان للصغار بالجلوس على ارضية المحكمة .. انا لم اكن اعاني في ايجاد محل فوالدي عبدالله زيدان عضو محكمة .. كانت هناك مصطبة يجلس عليها القضاة .. مساحتها امتار مربعة احذ نصيبي بالجلوس عليها ..
ربما تستغربون ان قانون المرافعات المدنية والجنائية الذي درسته في كلية الحقوق كان يطبقه سلطان اندريا بحذافيره في المحكمة .. قانون المرافعات هو القانون الذي ينظم طرق التقاضي اثناء المحاكمة ..
كان سلطان اندريا يتوغل اكثر وهو يستجوب الشاكي او المتهم حتى يصل الي الحكم المناسب والنزيه .. والقضايا الاكثر اضحاكا هي قضايا الكسرو بيت او النصب والاحتيال ..
احيانا نجد ان سلطان اندريا يضحك من تلقاء نفسه فهذا معناه ان هناك فسحة ومجال للضحك .. يقهقه رواد المحكمة بصوت عالي فكل من لديه ضحكة مكتومة هذه فرصته عليه اغتنامها ..
كنت اتخيل ان السلطان يحكم من راسه (كيري) دون الاستناد الي قوانين مكتوبة .. سالت والدي قبل سنوات قليلة عما اذا كانت هناك قوانين مكتوبة في محكمة سلطان اندريا .. اجاب بالايجاب .. وان القوانين موجودة منذ العهد الاستعماري .. وان الانجليز استندوا الي اعراف وثقافة قبائل الجنوب .. وصاغوها بما يعرف بقوانين محاكم السلاطين ..
سبق وان سردت في سيرة سلطان اندريا عندما حكم علي والدي بالغرامة المضاعفة وكان لحظتها والدي عضو في محكمة السلطان نفسه .. وكان نظام الغرامة ان يدفع في الحال الا وهناك عقوبة بديلة هي الجلد او السجن ..
سال سلطان والدي : يابا عبد الله في لي اتا قروش ...
انتصب والدي واقفا واشار الي جيبه المنتفح بالنقود :ايوة سلطان اندريا في لي انا قروش ..
قهقه سلطان اندريا بصوت عالي خلاف العادة ..
المحكمة فضجت بالضحك والتصفيق .. اما انا بالرغم من صغر سني كنت سعيدا لان والدي نفد من الجلد ..
لم يهب أمونة كَبَسي احدا مثلما يهاب سلطان اندريا .. ولانني كثير التردد الي محكمة السلطان كما ذكرت لكم .. ولانني كنت اصطحب السني محمد خير (الضرير) باستمرار وهو القاضي المناوب لسطان اندريا.. لاحظت ان أمونة كَبَسي يقاطع شارع المحكمة نهائيا عندما يتولي سلطان اندريا ادارة المحكمة ..
قبل الدخول الى المحكمة يجلس اعضاء المحكمة في الخارج تحت شجرة نيم سامقة يشربون الشاي او القهوة .. فاذا لاح أمونة كَبَسي من بعيد فان نظرة غاضبة و(تحميرة) من السلطان كافية لابعاده بعيدا عن موقع الحدث ..
فالسلطان لا يحب الهرجلة اثناء العمل .. ويميل الى النظام والهدوء .. لكن رغم ذلك تجده اي أمونة كَبَسي.. يذهب الى بيت السلطان (ليشحد) الطعام .. فالسلطان في بيته معروف بانه جمل الشيل .. يغيث المنكوب .. وينصر المظلوم .. ويطعم الجائع .. في لحظتها يتجاوز السلطان عن الهرجلة التى يصدرها أمونة كَبَسي.. يكتفي بابتسامة بها صرامة واضحة .. بينما يواصل تحريك كرسيه الهزاز (المرجيحة)..
كنت ادرس الثانوي العالي في الدامر .. وعندما عدت في الاجازة الي جوبا اختفي أمونة كَبَسي.. سالت بعض الناس عنه فقالوا ان ذهب في رحلة طويلة ومجهولة .. ربما اشبة بتلك الرحلة العــظيمة التى قام بها بطرس الاكبر .. لا احد يعرف ان كان توفي او عبر نهر الكنغو كما يزعم الدجال ابوتاكا الكنغولي ..
ان الذي يجمع مابين أمونة كَبَسي واحدب نوتردام كثير .. اقله رنين الاجراس .. فهذا يضرب الارض بالكشكوش .. وذلك يقرع اجراس الكنيسة العتيقة .. هذا ينادي للمتعة .. وذاك ينادي للصلاة .. انصف فكتور هيجو الاحدب كوازيمودو .. واعطاه لقب (زعيم المهرجين) وجعله يتزوج ازميرالدا الفاتنة الحسناء .. وانصف الطيب صالح بطله (الزين) وجعله يتزوج (نعمة) اجمل بنت في القرية .. وجعل له رفيق متصوف ومتدين من اهل القرية اسمه الحنين .. ولكن الحقيقة تقال .. لم تنصف مدينة جوبا باعث ترفيهها ومهرجها الفكاهي المازح أمونة كَبَسي.. رغم انه منح كثير من السعادة لاهلها .. وجعلهم يحسون بالطعم الحقيقي للمتعة .. وحرك سكون المرح وركود السعادة..
اجمل ما في أمونة كَبَسي انه لم يتكلف او يتزيف او يتصنع .. بل فرض نفسه على مدينة جوبا باطيافها المختلفة .. وحظي بشهرة لم يحظ بها الا القادة والساسة الكبار .. فهو رجل طواه النسيان الان .. لكن تظل فضائية أمونة كَبَسي.. هي الاكثر مشاهدة وحضورا وتاثيرا وجذبا حينها ..
حاشية
لاكونقروت
ضربة على الراس بحواف اصابع اليد المضمومة ..
الشوكبادوك (Chockbadouck) ..
نوع من الاسلحة ابتدعه العقل الجنوبي الخلاق .. يصنع من القنا المجوف .. ويستعمل ثمار شجرة التيكي كزخيرة ..وهو سلاح اطفال لا يصيب الا العصافير ..
جون ماكير
جنوبي دينكاوي التقيته في مزارع اليونان حيث نشأت بيننا صداقة .. كان رجلا ساخرا وفكاهيا .. ذات مرة كنا امام مقابر يونانية بهية المنظر .. وراي الازهار الموضوعة على القبور والبناء الرخامي باشكال جميلة ومنسقة .. والاشجار الباسقة حولها .. قال لي : ان هذه المقابر تغري الانسان بالموت وتجعله لا يحس بطعم الحياة
شيخ مغاربة و الشيخ حسن سرور الدينكاوي ..
من اهم شيوخ جوبا المشهورين .. شيخ مغاربة كان قصير القامة ..فعندما يرتدتي الجبة يصبح اقرب الي شخصية السلطان بهلول .. اما الشيخ حسن سرور الدينكاوي .. خريج الازهر الشريف .. واعظ ورع كان بدين الحجم ..لم يمكث في جوبا كثيرا .. اعتقد كان مسئولا في الشئون الدينية والاوقاف ..
الرحلة العــظيمة
يعزي الروس تطور بلادهم الى الرحلة العظيمة التى قام بها بطرس الاكبر حيث استشف منها تطور دول اوربا الغربية .. ونقل بها روسيا المتخلفة الى روسيا المتطورة ..
ابوتاكا الكنغولي
مشعوذ ومحتال ونصاب ضربت شهرته الافاق .. احتال على عثمان احمد عثمان وعلي احمد زيدان ..

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1596

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1487911 [ام جمعة]
0.00/5 (0 صوت)

07-14-2016 05:21 AM
زي ماكنت حزينة على الموت الحاصل يومين ديل في جوبالكن اسع انافرحان شديد لانو في ناس عاشوا في جوبا في سعادة شكرا كاتب الموضوع شكرا ركوبه


النذير زيدان
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة