07-16-2016 09:18 PM


المقالة مهداة لروح محمد إبراهيم نقد, وكتابه علاقات الأرض في السودان, هوامش على وثائق تمليك الأرض.
ذلك الكتاب الملهم، فالمقالة عن ديمقراطية الأرض.




ديمقراطية بديلة
توافقية/حوار

هو اقتراح بديمقراطية بديلة، مساهمة يضعفها نقص استنادها على دراسات كافية عن واقع شعوب السودان.
أرى أن أهل العلم يشترطون الدراسة الشاملة لواقع البلاد من كل الوجوه، ليكون أي تحليل وأي مقترح مقبولا علميا.
إذن هي شرط للتفكر حول أية قضية من قضايا البلاد.
أطلعني بروفسور في أحد الجامعات انه امضي شهرا كاملا يبحث عن دراسات حول حياة ومسارات الرحل ولم يعثر ولم يجد دليلا. بالرغم من ان مصلحة المساحة كانت توفر هذه الخرائط في زمن مضي.
ووفرة الدراسات حول شعوب البلاد وواقعها، من جهة أخري، هي في نظري الجمارك التي تمرر وتختبر عبرها كل أطروحة ترفد بها تجربة العالم من حولنا.
ولكن قيمتها في الأصل هي أن تمكن من صدور النظريات والرؤى من الداخل، ومن أتون الألم.
إن الأفكار التي سادت، وكانت ثمرة لتأمل أفراد وجماعات لأزمان، آن الأوان لترقي لتكون أطروحات، أي الانتقال من التأمل الي النظرية العلمية. ولابد آن هذه الحروب الدامية تدفع دفعا للبحث عن مخرج. ولا مخرج إلا العلم. والحروب ذاتها ترفد بلغة تفيد المتأمل. وهذا المقال هو كذلك تأمل دون أن أنكر فضل القليل من المعارف التي اضطلعت عليها، ومنها أفدت.

الانقطاع بين الحضر والريف
نبدأ مما تيسر فنستشف، بشكل عام، أن بالبلاد ثقافتين أحدهما حضرية حداثية نوعا ما، والأخرى ريفية منغلقة لحد ما.
-الثقافة الحضرية تتجلي في تبني نخبها لمشروعات الحداثة واستحواذها علي السلطة السياسية.
- والثقافة الأخرى هي ثقافات الشعوب الريفية الطبيعية التي تملك الحيوان والأرض.
العلاقة بين النخبة الحداثية والريف هي علاقة انقطاع.
والانقطاع إما أن يعالج بالاقتحام والتعدي العنيف، فرضا للتماثل. وفي الجذر مخطط السيطرة على الأرض.
وإما بالحوار.
جرت إبادات كاملة لشعوب طمع الأغراب في أرضهم، أبيدوا كشعوب أمريكا واستراليا، وسودان التعايشي.
وحروب السودان التي انتهت بانفصال الجنوب، ولم تهدأ حتى اليوم هي تمثيل داخلي لمبدأ كسر الانقطاع بالعنف.
الحوار بين النخب وشعوب الريف هو الديمقراطية نفسها. او هكذا هو المقترح، أن يكون الحوار هو في آن واحد التعبير النظري عن الديمقراطية، وأيضا هو شكل ممارستها العملية، وموضوعه الأرض.
يتجلى الانقطاع بين الطرفين في فهمهما للأرض نفسها.:
ذلك ان قسما من الحداثيين العولميين، في التو، سيعرضون الأرض سلعة في سوق يتمدد حتى أقاصي الباسيفيك.
في حين ان المحليين ينغلقون بها حرزا أبديا مجدولة بلا فكاك مع أساطيرهم وفهمهم للعالم.
هذه الشقة، وربما في تصوير اتساعها مبالغة، هي ما يجسر بالحوار. فالحداثي يملك السلطة ورأس المال وخطة المشروع، والمحليون يملكون الحيوان والأرض.
هذه الحوارات المباشرة تهدف للالتزام المشهود بإقامة مشروع ما، مقبولا من أصحاب الأرض.
اذن هي ديمقراطية مباشرة, ربما تشابه ما تمارسه سويسرا ويكون الخلاف في الأدوات, وسويسرا تعد في ذات الآن نموذجا للديمقراطية التوافقية . وقد ذكر د. غازي صلاح الدين انه اضطلع على تجربة سويسرا, في تعقيب له علي ورقة د. احمد الطيب زين العابدين. و د.غازي لم يكتب عن سويسرا.
ورقة د. الطيب تنظر في نفس موضوع الديمقراطية البديلة. وعنوانها الديمقراطية التوافقية.:
http://dspace.uofk.edu:8080/jspui/bi.../1/paper12.pdf.
واري ان نقتبس منها طويلا حول ما يبرز مميزات الديمقراطية التوافقية.:
(وتستند الديمقراطية التوافقية على أربع ركائز رئيسة هي: تحالف حكومي عريض تمثَّل فيه كل المجموعات السياسية ذات الوزن المقدر في البرلمان؛ تمثيل نسبي واسع يستوعب مختلف المجموعات السياسية والاجتماعية عند توزيع مقاعد البرلمان ومناصب الخدمة المدنية؛ الاستقلال المناطقي عبر نظام فيدرالي أو نحوه؛ حق النقض للأقليات في القرارات الإدارية والسياسية الكبيرة التي تهمها. وهذا يعني أن الديمقراطية التنافسية التي تؤدي إلى أغلبية حزب واحد أو اثنين يتولى/ يتوليان السلطة لتنفيذ برنامجه/برنامجهما الانتخابي غير وارد في الديمقراطية التوافقية، لأن ذلك مما يكِّرس حكم الأغلبية وينفي وجود الأقليات الأخرى ولو كانت ذات حجم مقدر في الكثافة السكانية أو التوزيع الجغرافي. ويزداد الخطر على النظام الديمقراطي
في أعقاب النزاعات المسلحة الأهلية التي يتطلَّب تجاوزها بناء مؤسسات سياسية توافقية تحول دون العودة للحرب. ويقول لايبهارت إن النتيجة الأساسية التي خرج بها من تحليل المؤسسات السياسية في 118 بلداً بين عامي 1985 و 2002 أن نظام التمثيل النسبي والاستقلال المناطقي
( Regional Autonomy)
كان لهما الأثر الأكبر في استدامة السلام في أعقاب النزاعات المسلحة بتلك البلدان. والديمقراطية التوافقية معمول بها في عدد من البلاد بدرجات متفاوتة وأحيانا في بعض أجزاء البلاد مثل: كندا، وهولندا، وسويسرا، والسويد، ولبنان، وإسرائيل، والنمسا، وبلجيكا. ولعل سويسرا هي البلد الأكثر تطبيقاً للديمقراطية التوافقية لدرجة يكاد يختفي فيها وجود الحكومة المركزية)
ومكون التوافقية في العنوان لمقالي(توافقية/حوار) يرجع لعنوان ومحتوي ورقة الدكتور الطيب وان كان سيمسها تعديل.
أفادتني ورقة الدكتور الطيب من عدة وجوه. أولها، تيقنت أن أوان النظر في وستمنستر قد أزف ما لم يكن قد تأخر.
غير اني انتقد ورقته من جانب إشراكها المحليين والحضريين في ديمقراطية الصناديق. اذ انه يتعارض مع مبدأ القطيعة بين الطرفين,
ومفهوم القطيعة في نظري مفهوم مهم جدا وفعال في استجلاء أزمة أي بلد اقتطع منه الاستعمار شريحة وترك اغلبية غالبة تعيش ثقافتها ومعارفها المحلية شبه معزولة. الحوار المباشر، والقصد منه بلا وجل حماية الأرض, يبعد مهزلة كمهزلة تصويت الرحل ومهزلة صناديق
افغانستان الانتخابية التي تحملها البغال.
وحول مشاركة الرحل في 2015 اتي في:
http://www.sudaress.com/sudansafari/29929
(عقدت المفوضية القومية للإنتخابات السودانية لقاءً تفاكرياً وتشاورياً، حول تعزيز مشاركة الرحل في الانتخابات بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي ومنظمة الهجرة الدولية، وبحضور عدد من رجالات الإدارات الأهلية وعدد من الخبراء.)
.وايضا:
(وقالت ممثل منظمة الهجرة الدولية في السودان ليتيشيا ، إن المشروع يعتبر دعماً للعملية الديمقراطية في السودان من خلال بناء قدرات المفوضية ودعما للمشاركة السياسية لكافة قطاعات المجتمع ، وقالت أنه يتم تمويله من الاتحاد الاوروبي وتنفذه منظمة الهجرة الدولية).
يبين المقبوسان حرص الاتحاد الأوربي ومنظمة الهجرة على الزج زجا بالرحل في أمر لا صلة لهم به. بل ولهم بديل عنه ايما بديل. كمثل هذا نتذكر منظر البغال في افغانستان التي تحمل صناديق الاقتراع, نفس المنظمات او أشباهها تستهزئ بالمعارف المحلية ولا تقر لهم باية هوية خاصة. هوية خاصة تنطرح لمن اتي يخاطب بالتي هي أحسن.
يقال هم أميون. ولكن في جدال الارض يرفع هذا التقابل (امي/ متعلم) نهائيا ويظهر الوعي بالحقوق. وغالبا هذا الوعي بالحقوق هو ما يدفع المنظمة والاتحاد الأوربي للالتفاف على الرحل وتمرير مشاركتهم، بالفهلوة, في ديمقراطية الصناديق.
خلافا لذلك اعتقد ان التوافقية التي اقترحتها ورقة د. الطيب تعالج جدا العلاقة بين الأحزاب الحداثية. على ان تستكمل بحوار من يفوزون بها مع شعوب المحليين.
بل بدا لي الامر مواتيا الا ينفرد حزب واحد بلقاء المحليين والحوار معهم. وهذا من مزايا التوافقية أنها لا تسمح بالانفراد كما نفهم من دكتور احمد الطيب.

الديمقراطية التوافقية في امريكا, لم؟:
نأخذ ببعض الأسباب التي جعلت من الديمقراطية التوافقية خيارا لأمريكا دون ديمقراطية الأغلبية.
احد الأسباب , ما لم يكن هو السبب الوحيد, يوضحه موقف ماديسون المبكر فهو الرئيس الرابع, فقد كان قلقا من تعدي دكتاتورية الأغلبية علي القلة من الأثرياء , في موقع:
http://www.experienceproject.com/sto...liable/2955703
(ماديسون كان قلقا, تدعم قلقه شواهد من التاريخ إن الأغلبية ستستخدم العملية الديمقراطية لتنتزع أملاك الاثرياء.)
ومن موقع
https://abetterworldisprobable.wordp...-the-majority/
هنا يوصف ماديسون بانه ابو الدستور ويحكي عن نفس المبدأ- حماية الأقلية الثرية من ديكتاتورية الأغلبية.
(جيمس ماديسون, المؤلف الرائد في صياغة الدستور, احيانا يطلق عليه علماء الدستور ابو الدستور)
قال:(جيمس ماديسون: يجب علي السلطة ان تحمي أقلية الأثرياء ضد الاغلبية)
ومن موقع
http://www.proconservative.net/CUNAP...rtThreeC.shtml
ناخذ:
(الديمقراطية التوافقية في أمريكا:
لقد صممت الديمقراطية التوافقية لسلطات أمريكا بعناية لتؤخر الاغلبية من اتخاذ القرار والفعل, ولتمنع الاغلبية من المصوتين ونوابهم من سرعة وسهولة البت في القضايا. )
واعتقد الربط أضحي سهلا بأن خيار الديمقراطية التوافقية في أمريكا آتي بهدف حماية الأقلية الثرية. على الأقل كواحد من الأهداف.
وعليه كي تأخذ العدالة الحقة مجراها الحق فلنجعل من الديمقراطية المقترحة حارسا لأرض المحليين وهم أغلبية غالبة.

الخلاصة:
اقتراح الديمقراطية البديلة(توافقية/حوار).:
.الاقتراح هو ان: تنتخب انتخابا حرا سلطة وهيئات وفق الديمقراطية التوافقية التي اقترحتها ورقة دكتور احمد الطيب، ثم تستكمل بحوارات مباشرة مع بقية المكونات القبلية.
العمليتان المتكاملتان معا هما نهج الديمقراطية المقترحة بديلا لديمقراطية الاغلبية وستمنستر.

نعود للبدء: ان الخيار الديمقراطي يجب ان يستخلص عبر دراسة لواقع البلد وشعوبه, وحروبه, وليس من قائمة نظم الديمقراطية في العالم.

[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 765

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1489748 [البخاري]
0.00/5 (0 صوت)

07-18-2016 11:21 AM
للمزيد عن الديمقراطية التوافقية، هناك كتاب آرند ليبهارت: Consociation Democracy


#1489164 [الغاضبة]
0.00/5 (0 صوت)

07-17-2016 10:13 AM
شكرا على المقال الأنيق أستاذ الفاضل...

عندما نترك الاحتراب والاقتتال وتتخلى النخب السياسية وقادة الحركات المسلحة عن أطماعهم الشخصية السلطوية والمادية، وويتذكرون ويفكرون ولو لبرهة في المعذبين في الأرض والمشردين والذين أضاعوا سنوات عمرهم في مسعكرات النزوج والمخيمات ، وعلى اصوات المدافع والبندقية واحساس الخوف والرعب الدائم، عندها فقط يمكننا بناء دولة الديمقراطية والقانون ومؤسسات تعمل على رفاهية الانسان لا تدميره ..


#1489006 [hassan]
0.00/5 (0 صوت)

07-16-2016 09:56 PM
تنظير راقي يا عم الفاضل أقترح أن توسعه وتعمقه
حسن/ الغبش


الفاضل البشير
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة