07-20-2016 12:25 AM



نسمات باردة بدأت تداعب جسد الحزب الشيوعي، أصبح الحديث ممكناً وبصوت مرتفع، ربما أخيراً اهتدى الكثيرون إلى حقيقة أن الصراع الفكري الحُر خير وأبقى، فصار كل بما لديهم فرحين، يعرضون بضاعتهم في هواء الأسافير الطلق وفي الصحف السيارة والملتقيات وما يذكر فيه اسم الحزب، وما يكتبون، كان الحديث محرماً خارج القنوات الحزبية، ولا شيء يمر إلا عبر المواعين الحزبية، لكن فيما يبدو أن المواعين قد ضاقت تماماً وصارت كأنها قد صممت لخدمة تيار معين، وبعد أن كان الرفاق يؤدون صلاتهم سراً، الآن انتقل الكثير منهم إلى صلاة العلن باحثين عن مخرج وعن إجابة عن سؤال "ما العمل"؟.
كلمة
وصلنا محطتنا الأخيرة، ونستطيع القول إن الحزب ومع بدء هذه السلسلة، لم يعد كما قبل الحلقات، هو عمل هدف واستطاع أن يحرك السكون، ليسهم في واقع جديد من شأنه أن يسير بالحزب نحو التغيير، والمتوقع أن تستمر المنعطفات التي ستهز كثيرا من القناعات والمسلمات داخل الحزب، وسيصدم كثيرون بقيادات وضعوا فيها كل ثقتهم، سيصدمون لأنهم وضعوا ثقتهم في أشخاص وليس في الفكرة، كل هذه متغيرات ستنشأ لكن سيبقى الحزب، وهو لن يبقى كما كان بل سيسترد عافية مفقودة، ومن هنا نقول للمشفقين مهنيا إذ ندخل في هذه المجاهيل، شكرا لكم.
تحقيق: علاء الدين محمود
خلال الحلقات الماضية حاولنا جهد المستطاع أن نرصد المجموعات التي شكلت تيارات رئيسية داخل الحزب الشيوعي، وأسهمت في حركة الصراع الفكري من خلال مجموعتين شكلتا تيارين متناقضين رئيسيين هما تيار متمسك محافظ يستخدم أدوات قديمة، ويجتر مقولات قديمة ونسخة مبتذلة من الماركسية، ولكونه تيار محافظ فهو بالضرورة تيار يميني، له كتابات متوفرة لكنها لا تؤسس لموقف جديد، ولا موقف يتماهى مع المتغيرات بل يعبر عن حالة جامدة.
وهنالك تيار يقول بالتجديد عبر القطع مع الماركسية، وهو تيار يميني اخر يدعو إلى حزب واسع كبير، تسقط فيه الحمولة الايديولوجية الثقيلة من على ظهر الحزب، ويؤمن بتعدد المدارس الفكرية للحزب، وهو تيار ظل موجود في تاريخ الحزب الشيوعي برز عبر محطات ومنعطفات هامة في ذلك التاريخ، منذ انقسام عوض عبد الرازق وحتى مرورا بأفكار فاروق محمد إبراهيم، وانقساميو 1970، حتى خروج الخاتم عدلان من الحزب، وهو تيار يحمل الان لواءه الشفيع خضر، وهؤلاء يحملون فكرا معينا من شأن الصراع الفكري أن يبت فيه. .
أما التيار الأخطر فهو التيار الذي تشكل عبر تراكم طويل على ظهر الحزب تيار برز من مجموعات المخابرات الدولية والأجهزة الأمنية المحلية، وهو التيار الذي مازالت حرائقه مشتعلة، مستفيدا من انغلاق الحزب، وغياب الديموقراطية الداخلية، فتمدد في الحزب وصارت له شوكة كبيرة، فعمل على مصادرة الديمقراطية الحزبية، والصراع الفكري وتحويل طبيعة الصراع الفكري ويعلي من شأن التأمين حتى يغطي على حرائقه، ويثير الصراعات حتى يصنع ستارا يمارس خلفه جرائمه. هذا التيار يسعى جهد ايمانه وأفعاله إلى تصفية الحزب الشيوعي.
ومن بين جماهير الحزب في داخله، والشيوعيين خارجه، تبرز مجموعات مغيب صوتها وهي التي تعبر عن أمكانية الفكر الماركسي، هم ماركسيون موجودون كجزر متفرقة، وربما سكت صوت ذلك التيار في لحظة من اللحظات خاصة عند لحظة سقوط المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وهي المرحلة التي علا فيها صوت الذين يطالبون بالقطع مع الماركسية، والمعلنين سقوط المشروع الماركسي للتغيير الاجتماعي، لكن حركة التاريخ اعادت الاعتبار والمشروعية مرة أخرى لأمكانية هذا المشروع، وليس ـ كما قال الخاتم عدلان ـ أن حركة التاريخ سارت ضد نبؤات ماركس، بل أن حركة التاريخ أعادت الاعتبار لمقولات ماركس ومفاهيمه الأساسية، لذلك كان من المهم التصدي لهذه المسألة المتعلقة بأمكانية الطرح الماركسي عبر عقل ناقد، وليس ذلك العقل الذي يجتر المقولات الماركسية ويقف عند باب قداستها مأخوذا بها، بل عقل يجري حوارا عميقا مع المفاهيم والمقولات الماركسية، وليس فقط اعلان الحزب كحزب ماركسي لينيني، هذه مسألة لا تعفي عن السؤال، بل والاسئلة التي ستنفتح كالسيل المنحدر حول كيف يمكن أن يتحقق حزبا ماركسيا، وأية ماركسية تلك التي يعلن الحزب أنها ستشكل مرجعيته ومنطلقه الفكري في التصدي لقضايا البلاد والعباد، فكان المطلوب عقل يزيل التفسيرات المتراكمة من على ظهر الفكرة الماركسية، ثم ينفذ إليها مباشرة دون الحاجة لوسيط، وليس المطلوب هو استدعاء مكتبة "دار التقدم موسكو" فهذه العملية أشبه باسطورة "سرير بروكست" وهذه واحدة من فوائد كتب دار التقدم التي توفر مثل هذه الأمثلة للناس،إن ميزة الإقتراب من ماركس نصوصا ومفاهيما هي الرؤية بوضوح للأشياء وبالتالي إمكانية النقد الحقيقي جهة الوقوف بالأخذ بها وتطويرها أو القطع معها، وفي ذات الوقت يبدو مضللا جدا الاستسلام لتلك التفاسير للمفاهيم الماركسية بعيدا عن العودة التي تحدثنا عنها تلك، وبعد تلك الهمروجة انهمك كتاب من ذات المركز يدافعون عن الفكر الماركسي، وصارت الكتابات الماركسية تجد إقبالا كبيرا خاصة فيما عرف بالأزمة المالية في العام 2008م وينطلق معظم المناهضين للعولمة الرأسمالية المتوحشة وحركاتهم المتعددة من اطروحات ماركس، ليثبت الفيلسوف الكبير أنه مازال يشكل تحديا للعصر، ومازالت اطروحاته ماثلة في وجه ما يخفيه النظام الرأسمالي وما يكمن وراء طبيعته المتوحشة تلك، وتظل الحاجة لماركس ماثلة طالما أن هنالك استغلالا، وطالما أن الناس من جمهور العاملين يبيعون قوة عملهم، وطالما أن هنالك حاجة لعلاقات اجتماعية جديدة، وطالما أن هنالك فائضا للقيمة، ومعظم هؤلاء المفكرين الذين رأوا بصلاحية الفكر الماركسي اقتربوا من ذلك الفكر وتلك الاطروحات فإلى جانب وصولهم إلى أن الفكر الماركسي مازال يكتسب أهميته وشرعيته، فهم كذلك وجدوا نواقصا في تلك الاطروحات والتباس حد الغموض في بعض من مفاهيمه، غير أن الحاجة إلى ماركس مازالت ماثلة، ولقد شددنا فيما سبق على أهمية الاقتراب من اطروحات ماركس جهة نقدها والتعرف عليها مباشرة دون تفسيرات نالت منها، وهي التفسيرات التي اضرت بها وقدمتها كنظرية مكتملة، فأعلان أن الحزب حزبا ماركسيا لا يغني عن التصدي لاستكمال ما بنى ماركس حجر الزواية فيه، ولقد تحدثنا عن مطلوبات ذلك، وقبل أيام اطلعت على جزئين من مقال يتالف من ثلاثة أجزاء للأستاذ يوسف حسين بعنوان "الماركسية وتاكتيكات الصراع السياسي الجماهيري" ينضم فيها ـ أي في تلك المقالات ـ يوسف حسين إلى المحاولات العملية والعلمية التي وضعت يدها على أس البلاء في الحزب الشيوعي وأس فساد الحياة الحزبية فيه، ففيه يتحدث يوسف حسين عن غياب الديمقراطية الحزبية، وأثرها السالب على الحزب وعلى الصراع الفكري داخله، وهي العملية التي تناولناها طوال الحلقات، عندما قلنا أن الحياة الحزبية تأثرت كثيرا بمرحلة "الحفاظ على جسد الحزب" والتي بدأت في أعقاب أكبر الضربات التي تعرض لها الحزب في عام 1971 عندما أعدمت قياداته الفكرية والعسكرية ودخل الحزب في مرحلة حرجة وحالة صماء تحول فيها إلى سكنة عسكرية تعلي من شأن التأمين، وتحت ستار هذه العملية تكاثر عملاء الأجهزة الأمنية داخل الحزب، لذلك مهمة الحفاظ على جسد الحزب، ورغم أهميتها كان لها ضررها الكبير بالحزب، وهذا أمر رهين بكيفية إدارة تلك المرحلة، الشاهد أن مقالات يوسف حسين تتوفر فيها عملية إزاحة التفسيرات التي تحدثنا عنها عن ظهر المفاهيم الماركسية في تناوله للظواهر داخل الحزب الشيوعي، فعملية غياب الديمقراطية الحزبية كان لها ضررها الكبير، وهي العملية التي جمدت الصراع الفكري داخل الحزب، أو فشلت معها مسألة كيفية إدارة هذا الصراع، فكان أن أتخذ الصراع طابع مختلف عن الصراع الفكري، وكان لهذا الغياب أو الضعف نتائجه المباشرة في عمل الحزب، مثل بروز الشلليات، وتبرز الشللية كتعبير طبيعي لغياب الديمقراطية الحزبية، كمتنفس بعيدا عن الأعين الرقابية الحزبية وأدواتها مثل الرصد، وهذا من شأنه أن يغير في طبيعة الصراع الفكري، ويحوله إلى مجرد احتجاج سالب فيغيب النقد الحقيقي، ويتم تشجيع هذا الغياب من قبل قيادات ترى في النقد حالة عدائية، وبالفعل هنالك من يقول داخل قيادة الحزب: "الذين ينتقدون الحزب كثيراً هم أعداء الحزب". بالتالي فإن ذلك يفسد الحياة الحزبية، بالتالي يتم استبدال الصراع الفكري والاقتناع بالسلطه التنظيميه، ويتحول الحزب بأكمله إلى حالة أشبه بالعسكرة تسود فيها قوانين الطواريء الحزبي، وبالتالي هذا يتناقض مع الماركسية التي تعلي من شأن النقد والتي تبرز قيمتها الأن كفلسفة نقدية، بل العكس من ذلك تسود أجواء مخيفة، ترى في النقد رجس من عمل أعداء الحزب ومن يمارسه هو عدو للحزب، وهذا يشكل قمعا على اعضاء الحزب ومنعا لها في ممارسة حقها الديمقراطي وحقها في النقد، وضيق الديمقراطيه الحزبيه يقيد نشاط العضوية الجماهيري، فالحزب صار يعلي من نظرية أمن الحزب وعلى الرغم من ذلك فان هذا الاهتمام الكبير بقضية التأمين لم تمنع الاختراقات الحزبية وهي العملية المستمرة الان بشهادة قيادات الحزب التي تعلن في كل مرة أن الحزب مخترق، إن استعادة الديمقراطية الحزبية يشكل المبدأ الأساسي والأول في عودة الحياة الحزبية وفي سيادة صراع الافكار كعملية مهمة، وفي إدارة هذا الصراع على نحو ديمقراطي، وهو المبدأ الأول كذلك في التصدي للاثار السالبة لمرحلة "الحفاظ على جسد الحزب" ومرحلة تغلغل عملاء الجهاز داخل جسد الحزب، وما نتج عن هذه العملية من تكريس لقيم وممارسات أفسدت الحياة الحزبية مثل فبركة الوقائع وفبركة البلاغات، ومانتج عن كل ذلك السوء من نزيف كبير للحزب جعل الكثيرون يخرجون منه أو يخرجون "بالضم" منه
فالمعركة الاساسية أمام جماهير الحزب هي استعادة الديمقراطية الحزبية، والتصدي للمخترقين الذين يختفون خلف الاداعاءات البراقة، وفي هذا نتفق مع يوسف حسين في أن الماركسية تتأكد وتتضاعف بتوفر الدموقراطية ومبادئ الصراع الفكري داخله، وبمراعاة الأسس الديموقراطية في تعامله مع حركة الجماهير، ولعل خروج الكثير من عضوية الحزب الهميمة شاهرة أقلامها إنما يدل على تفاعل تلك العضوية بقضية حزبها، فالعلانية هي عدوء العملاء ومن يريدون إستمرار الحياة السرية للحزب، بدأ النقد الان داخل وخارج الحزب عاليا، وسلاح لابد منه، تمرد ضد سيادة الظلمة والغرف المغلقة، وهذا التمرد على الفساد قد بدأ يأتي أكله في تفاعل جماهير الحزب مع قضاياه، إن جماهير الحزب قادرة على خوض غمار هذه المهمة، من أجل استعادة الحزب السليب.

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1197

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1490909 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

07-20-2016 12:35 PM
اود اقترح نهجا إضافيا-إضافيا, لنقد الحزب. وهو طرح موقفه من التعليم, من الصحة ,من قضية الهامش.الخ,,,الخ.لكنكشف عجز الحزب او نجاحه في قضايا البلاد.
وليت اللجنة المركزية تقدم وتتلقى النقد هداما كان او بناء.
هذا تعامل سيء من جانبي مع مقالك أستاذ علاء محمود. من حق المقال ان اتتبعه فقرة اثر فقرة. فعوا لك وللقراء النقاد المتابعين.


علاء الدين محمود
علاء الدين محمود

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة