07-20-2016 03:23 PM


هل يؤمن الأحزاب السياسية السودانية بالديمقراطية، أم أنّهم يكذِبُون ؟!
إذا وَصمْتَ أىٍّ من الأحزابِ السياسية السودانية بعدمِ الديمقراطية، ثارَ ذلك الحزبُ ثورة عظيمة وهدَّد ثُمَّ توعّد. ولكن القليل جداً من الأحزابِ السودانية يُؤمن بالديمقراطية ويُصمِّم برامجه ويُربِّى قيادتِه وكادِره وأتباعِه عليها، ومن ثم يُمارستها داخلياً فى اجهزتِه، وخارجياً مع الآخرين وفى مواجهتهم.. أو عند تقلُّدِه الحُكم فى أجهزةِ الدولة التشريعية والتنفيذية، وتوقِّر أحكام القضاء والإمتثال لأوامِره وإجتنابِ نواهِيه.
والديمقراطية ضدَّها الدكتاتورية (الشمولية) وكل النعوت التى تُطلق على حُكمِ الفرد، شخصاً كان أو حزباً سياسياً. ويترتب على الدكتاتوريةِ إنكار دور الآخرين، أشخاص أو أحزاب، والحَجرِ على حُرِّيتهم فى التعبيرِ عن أنفُسِهم و رُؤاهم وإنكار دورِهم ومواقفِهم فى الحياةِ العامّة. ويتدرّج التدخل للحدِّ من الحُرِّيّة الشخصية والعامَّة للآخرين من التقييدِ إلى الرقابةِ والمنع ثُمَّ المُصادرة والتجريم والعقاب الذى يصل إلى درجةِ التنْكِيل، والأمثلة الماثِلة بعددِ الحصَى.
معظم الناس والأحزاب السياسية يربُطونَ الدكتاتورية بالأنظمة العسكرية الشمولية التى تركب دآبّة الإنقلابات العسكرية إلى كُرسِىٍّ الحُكم، مِثال: (عبود، النميرى، عمر بشير)، ويُبرِّأُونَ أنفسهم من الدكتاتوريةِ ومسَاوئِها، ويرتبطُونَ بالديمقراطية والحُكم الرشيد إرتباط الحذاءِ بالقدم. ويتجمَّلون بها ويدّعُونَ الإيمان بها وهذا ليس صواباً على إطلاقِه. فأحزابنا السياسية السودانية معظمها لا تؤمن بالديمقراطيةِ فكراً ومنهجاً ومُمَارسةً، ولا يدفعُون مُستحقّاتها، ولا يؤمنون بحَقِّ الأحزاب والتنظيمات الأخرى فى نيلِ مزايَا الديمقراطية إذا إلتزموا بمُستحقّاتِها ووآجبَاتِها. ومن الأحزابِ السياسية السودانية من له فى عقِيدَتِه تعريفاً آخرَ للديمقراطيةِ مُخالِف للتعريفِ الذى تثاقف عليه الشعب السودانى ودفع ثمنه المُهج والأرواح، وفجَّرَ لأجلِ الديمقراطية الثورات، وما زَال.
وأسُوقُ، أدناه أدلّتِى على عدمِ أيمان غالبِ الأحزاب السياسية السودانية بالديمقراطية:
ويقتضى الأمر إيراد تعريف للديمقراطية ومتطلباتِها وعناصرِها، فضلاً عن التعريف التقليدى بأنَّه حُكم الشعب بالشعبِ للشعبِ. فمن متطلبات وركائز قيام نظام ديمقراطى الآتى:
شعب/ مُجتمع يقطُن فى رُقعةٍ جغرافيَّة مُحدَّدة (دولة/ قُطر). وله هُوِيَّة حقيقية تُعبِّر عنه بكُلِّ تنوُّعِه، ويتمتعُ بِالحُرِّيةٍ الكاملةِ لجميعِ أفرادِه على المستوى الخاص والعام. ثمَّ إقرار واتاحة وإحترام وتعزيز وحماية حقوق الإنسان. ثمَّ أنْ يتوآفرَ ذلك الشعب/ المجتمع على أحزابٍ وتنظيماتٍ سياسية تؤمِن إيماناً مُطلقَاً بالديمقراطية وما يقتضيه من تأمينِ حُكمِ القانون وسيادته على الجميع والتساوى أمامه. ويتطلب ذلك رفع الوعى وتعزيزه بمبدأِ فصل السلطات وخاصة ما تعنيه عبارة (إستقلال القضاء) و(المساواة أمام القانون) من معانى دقيقة ومُحدَّدة.. ثُمّ، من أهم مقومات الديمقراطية تحقيق مستوى مُناسب من التعليم لكلِّ الشعب فى الدولةِ بما يُمكِّنهُ من التعاطى مع الديمقراطية وتحقيق "المجتمع الديمقراطى". لأنَّه بدون التعليم الضرورى سيأتى من يفسِد الحياة الديموقراطية مُستغلّاً جهل الناس بأهَمَّ أدوَاتِ المُمارسةِ الديمقراطية.. والتعليمَ مُهم وحتمِى لخلقِ الوعى الضرورِى لإختيارِ الحزبِ السياسى الذى يُناسبُ الفردَ والمجموعة، وبذلك ينحسِر الإستغلال والغِش والشراء فى عمليةِ الإنتماء السياسى للحزب أو التنظيم، وأثناء الممارسة السياسية والعمليات الانتخابية بمراحِلها المُتعددة والمُربِكَة.
هذا، وفى السودان أكبر الأحزاب السياسية (الأمَّة والإتحادى) قائمانِ على قاعدةِ الطوائفِ الدينية، وقوام عضويتِهما من طائِفتى الأنصار والختمِيَّة. وبالتالى يختلّ شرط الديمقراطية الأول وهو حُرِيَّة الإختيار فى الإنتماءِ إلى التنظيم السياسى، والقاعدةِ الذهبية فى السودان هى:(كل أنصارى حزب أمّة، وكل ختمى إتحادى!!).. ووَلاء الأنصارى الأول بالطبعِ لإمامِ الأنصار ويقومُ على الطاعة المُطلقة. كما أنَّ وَلاء الختمى الأول لزعيم الطائفة (الخَتِم الكبير)، وبعد هذا الوَلاء الدينى المُهيمِن يصبح من غيرِ المُتخيَّل ان يكون للأنصارى أو الختمى رأياً أو موقِفاً مُخالِفاً أو مُعارِضاً أو مُتقاطِعاً مع موقف (الإمام) أو موقف (الختم الكبير).
وكان الزعيم إسماعيل الأزهرى رافِع علم إستقلال السودان ورئس الحزب الإتحادى (الديموقراطى) لا يؤمن بالديمقراطية ولا يقبل بأىِّ رأى يُخالِف رأيه. وقد أشتهر بطرد المخالفين له فى الرأى من أعضاء حزبه بإستخدام عبارته الشهِيرة المسجلة بإسمه وهى:(إلى من يُهِمَّهُ الأمر، سلام.) ويعنِى عملِياً نهاية الحياة السياسية للشخص المُرسل إليه!.. واليوم الحسن الميرغنى نجل زعيم الختمية والحزب الإتحادى ومساعد رئيس الجمهورية لا يحتمل الخلاف فى الرأى داخل الحزب وقد قام مؤخراً بفصل كهول الحزب من القيادات التأريخية الذين خدموا الحزب بعُمره لأنَّهم خالفوه فى الرأى ليس إلا. ونخلُص من هذا إلى أنَّ الحزبان الكبيران فى السودان لا يؤمنانِ بالديمقراطية فى معناها الشامل، وأنَّهما مُكوَّنان من اتباع ومُريدِين خاضِعين ومستسلِمين للزعماء الدينين/ السياسيين معاً، (السيد، الإمام، الزعيم).. ويأتمِرُون بأوامرهِم التى يعتقِدُونَ أنّها مُستمدَّة من عقيدةِ الطائفة والمُستمدَّة بدورِها من اللهِ الوآحِد الأحد!. وينتهى الأمر إلى أنَّ أعضاء الحزب هم جنود مُجنَّدُون لخدمةِ زعيم الطائفة وذُريّتِه الذين يدّعونَ تلقِى شرعيَّتِهم من الرَّبِّ فى ملكوتِه الأعلى!. وهكذا يختل شرط تكوين الحزب السياسى من كونِه جسم ينشأ ويتأسَّس طوعاً لخدمة أهداف ومصالح فكرية وتنظيمية وسياسية لأعضائه إلى رابطة دينية/ عقائدية مكبَّلة بـالمحاذير والمحظُورات (Taboo's)، وتخضع للزعيم الكَاهِن الحاكم بأمرِ الله، ويأتمِرُونَ بأوامرِهِ، ويخلفه بطبيعةِ الحال ذُرِيّته، ويستمِر العرض.
وفى حزبِ الأمَّة الذى قامَ أساساً على فكرةِ المهدى المُنتظر والإصلاح الذى يقوده الإمام الفقيه صاحب البيعة. وتقع مخالفته معصية للهِ ورسولهِ تُوجِبُ العذاب الهُون وخُسرَان الدارين الدنيا والآخرة. والديمقراطية لدى الحزب الطائفى لا تعدُو كونها تمثيلية زِائفة قوامُها خوض الانتخابات فى مناطقِ نفوذِ الحزب والإتيان بالنوّابِ إلى لبرلمانِ، ثُمَّ رفع التمام لإمام الطائفة/ رئيس الحزب للتحكم فى إرادةِ نوابِه وفى مصيرِ والبلادِ والعِباد.. وعادة، سُرعان ما يمَلَّ الزعماءُ الطائفيُّون العملية الديمقراطة الزائفة، ويتوُقُونَ إلى التحرُرِ من تبعاتها والعودة إلى مناخاتِ تمجيد الزعيم/ الإمام وإظهارِ الولاءِ المُطلقِ له من الأتباعِ.. وقد سمِعَ الناسُ عبارات من شاكِلةِ (الديمقراطية لو شالْهَا كلِب ما بنقُول ليهُو جَرْ)..
وفى آخرِ انتخابات حُرّة ديموقُراطية فى السودان 1986م وفورِ انعقاد جلسة الجمعية التأسيسية وانتخاب السيد/ الصادق المهدى رئيساً للوزراء، طالب الصادق المهدِى نواب حزبه بما إجتهد فى تسميتِهِ (التفويض التشريعى) ويعنى أن يفوِّضَهُ نواب حزبه ليقوم مُنفرِدَاً بإصدارِ التشريعات المعروضة على البرلمان بموجبِ أوامر مؤقتة (Provisional Orders) وذلك يعنى عمليِّاً تجميد نشاط وإرادة نوابِ حزبه، وأن يعمل هو نيابه عنهم بموجب (التفويض التشريعى) الذى منحَهُ له نُوّاب حزبهِ فى بدايةِ دورة الجهاز التشريعى.. ولستُ مُطّلِعَاً على الوضعِ داخلِ الحزب الاتحادى، ولكنه لا يخرج من سيطرةِ وتحَكُّم زعيم الطائفة الختمِية وذرِّيته، والمُسبِّحينَ بحَمدِه.
والعقائد هى العقائد، سواءً أكان مصدرها الدين أو جهد البشر، لذلك ما قِيل فى افتقار الحزبين الطائفيِّين الاتحادى والأمَّة لعناصرِ الديموقراطية وممارستها والحُكمِ بموجِبِها يُقال فى أحزابِ البعث والشيوعى والناصرى والأخوان المسلمين وحزب الله وأنصار السُنّة.. إلخ، لأنَّها أحزاب قائمة على عقائدٍ بتعريفاتٍ مُحدَّدة وانماطٍ معرُوّفة لإدارة الحُكم وممارسة السُلطة تِتَّسِم كُلّها بمُعَاداةِ الآخر المُختلف وإنكارِه، بل تكفيره وقتله. ومحور عملها السياسى هو مُحاربه الآخر (مجاهدته) والعمل للقضاءِ عليه لنيل رضوان الله ودُخولِ الجنَّة، كما فى فكرِ الأخوان المسلمين (كيزان السودان) ونموذج حروبهم الجهادية فى جنوبِ السودان حتى فصلوه تقف شاهدة على كُفرِهم بالتعدد الدينى والحزبى ناهيك عن الديمقراطية.
وأخطر ما فى فِكرِ الأخوان المسلمين أنه لا يؤمن بالدولة "القُطرِية" بحدود جغرافية محددة. وهُمْ يُقَسِّمُونَ الدُنيا إلى دارِ إسلامٍ ودارِ حرب، فأينما وُجِدَ (الكيزان) فهو دار إسلام (دولته). والدول غير الإسلامية أو المُسلِمة التى لا يسيطر عليها الكيزان هى فى فِكرِهم وعقيدتِهم دِيار حرب (كُفر). ومقتضَى ذلك أنّه طالما يوجد فى السودان جنوبيين (غير مسلمين) وشيوعيِّين وبعث وناصريين وغيرهم، فالسودان فى نظرِهم دار حرب ويجب إقامة شِرعَة الجهاد فيه لتطويع أولئك "الكُفّار" وإدخالهم فى دينِ الله أفواجا، أو أنْ يدفَعُوا الجِزِيَّة عن يَدٍ وهُمْ صاغِرُون.. فى فكرِ"الكيزان" ومنهجهم لا توجد هُوِيَّة ولا دولة مواطنة، ولا مواطنة متساوية لجميعِ السُكَّان، وحريات عامة وخاصة وحُكم قانون وشفافية ومحاسبة وإستقلال قضاء. هذه القيم لا تعنِيهم، فالأمر عندهم مُستمد من الله وإليه (هى لله)، والمشروعية عندهم مصدرُها "أمير المؤمنين"، ويقومُ الحُكمُ حسب فهمهم على"التمكِين" الذى يقصدون به إطلاق يد الأتباع على شئون الدولة يرتعُونَ فيها كما شاءُوا بلا رقيبٍ أو حسيب. لذلك يمارسون سُلطة مُطلَقَة يشُوبها الفساد فى البرِّ والبحر، وهو ما طفقَ يمارسونه فى السودان منذ 30 يونيو 1989م بعد أن مَكَّنُوا أنفسهم من السلطة والثروة وجهاز الدولة.
وعليه، تكون شكاوَى (أميرهم) الشيخ حسن التُرابى التى تُبثَّ الآن على قناةِ الجزيرة بأنَّ أتباعه فسدُوا ورتعُوا مردُودة عليه وعليهم بما قاله سيدنا على كرّم الله وجهه فى عهد خلافة سيدنا عمر بن الخطاب لمَّا ادَّى جيش المسلمين غنائم سمينة غنموها من إحدى الغزوات، فأدٌّوا الأمانة كما يجب فمدحَ صنِيعهم ذاك خليفة رسول الله (ص) قائلاً ما معناه: (إن قومَاً ادُّوا هذى لأُمنَاء.) فتحدث سيدنا على كرّم الله وجهه مخاطباً الخليفة عمر بن الخطاب، قال: (أمِنت فأمنت الرعِيَّة وإذا رَتعْتَ رتَعَت!.) هذه هى القاعدة الذهبية للفَسادِ والإفْسَاد، إذا صَلحَ الرَاعِى صَلحَتِ الرَعِيِّة، وإذا رتَعَ الرَاعى رتَعت!.. فعن إى تربية وصلاح يُحدِّث الشيخ الترابى الناس فى تسجيلاته المُؤجَّلة البث حتى وفَاتِه؟!.. القاعدة الذهبية فى هذا الشأن تقول أنَّ فسادَ الأتباع من فسادِ المَتْبُوع وصلاحِهم من صلاحِه، رُفِعت الأقلام وجفّتِ الصُحف.
وينهض سؤال إفتراضى مُهِم للمقارنة، هو: ماذا كان سيحدُث للسودان لو أن الذين نفّذُوا انقلاب 30 يونيو 1989م كانوا بعثاً أو شيوعيون أو ناصريين؟ هل سيكون هناك اختلاف فى مُمارسةِ الحُكم والفكر والفهم والسياسات والبرامج التى يحكمون بها السودان وشعبه؟.. رُبَّما كان الإختلاف فى المِقدار وأمًّا النوع فوآحِد. لن تختلف طريقة الحُكم وعقيدته وفِكره ومنهجِ الهيمنة والسيطرة على مفاصلِ الدولة، ومصادرة الحريات والحقوق والبطش بالخصومِ السياسيين.
والشيوعيون يُعَرِّفُونَ الديمقراطية على أنَّها (دكتاتورية البروليتاريا) بمعنى أنَّ الديمقراطيةَ عندهم هى الدكتاتورية التى يُمارِسُها العمال والكادِحُون من عضويةِ الحزب الشيوعى السودانى ضد غيرهم ويسمُّونَهم "الرجعية/ الرأسمالية"!، ولك أن تتخيَّلَ ما سيفعلونَهُ بالشعب السودانى!.. لكن، رُبَّما كانوا أرحم من الكيزان، وهُمَا وَجْهان لعُملةٍ وآحِدة. وتاريخ البشرية الحديث شهِدَ أسوأ انواع القمع والتنكيل من الأنظمةِ الشيوعية ليس بالخصوم السياسيين فقط ولكن حتى بـ (الرفاق)، وليس ببعيد نماذجِ حُكمهم تحت ستالين وخرتشوف وبريزنيف والمِطرَقة والسِندَان. وأعجُوبةَ إنقلابِ برلمانهم "الكِرملين"إلى طبقة إجتماعية Class بازخة الترف ومُنفصِلة تماماً عن طبقة الكادحين البروليتاريا التى تُطبَّق عليها وَحدَها قاعِدة الإنتاج والإستهلاك المعروفة عندهم بـ (من كُلٍّ حسب طاقته، ولكُلٍّ حسب حَاجَتِه!) وهى مخالفة تماماً للفطرة السلِيمة للبشر.
ولكنَّ معرفتى وزمالتى للشيوعيين والكيزان السودانيين معاً، فأنَّ الشيوعيونَ يختلفون عن الكيزان فى أنَّهم بشر أسْوِيَاء وعاديُون، خرجوا من صُلب و رَحِم هذا الشعب الطيب، لا يكرهون ولا يحقِدُون ولا يحسِدُون ولا يخاصِمُون بلا سبب. ولا يُؤمنون بالقاعدة التى يطبّقُها الكيزان وهى: (إذا لم تكُن معى فأنت ضِدِّى، وتستحِقَّ التدمير والسحق والنسف).
وتجربة مايو فى بواكِيرِها قامت على برنامج الحزب الشيوعى السودانى فلا أحسب أنّها كانت بالسُوءِ والدمارِ الذى احدثه تجربة حُكم الكيزان (الإنقاذ) الذى حرقَ البلد بالجاز كما قال الشاعر الكبير/ هاشم صديق. ولكِنَّ تجربة الحزب الشيوعى القصيرة فى الحكمِ لم تكُنْ كافية للحُكمِ على كيفية تحقُقِ "الشيوعِيَّة" على أرضِ السودان خاصة وأن الشيوعية هى خاتمة مطاف الفكر الماركسى اللينينى القائم على أنَّ الشيوعية Communism ستتحقَّق عندما يتم القضاء تماماً على الرأسمالية وإفناءِها!.. وهو الأمر الذى لم يتحقق لهم، والحرب الباردة التى تلت الحرب العالمية الثانية انتهت إلى إضعافِ المنظومة الشِيوعِية وترويضِ الماردِ السوفييتى فى مَعقلِه وفكِّ (شفرَتِه) وتفكيكِ اتحاده إربَاً إرباً. وبمفهومِ المُخالفة فإنَّ نتيجة الصراع بين الرأسمالية التى قادتها أمريكا، والشيوعية (الإشتراكية) بقيادة روسيا انتهت إلى هزيمةِ الشيوعية وتفكُكِ الإتحاد السوفييتى.
وقد حاولت روسيا أعادة بناء نفسها عبر (البيروسترويكا) وتعنى"إعادة البناء" وهى برنامج للإصلاحات الإقتصادية أطلقه رئيس الإتحاد السوفييتى ميخائيل غورباتشوف، وصاحَبَ البيروسترويكا سياسة (غلاسنوست) التى تعنى "الشفافية". وأدّت السياستان معاً إلى انهيارِ الاتحاد السوفييتى وتفكُكِه سنة 1991م.
ولكن من عَجبٍ أنَّ الناسَ لم يشهَدُوا الحزب الشيوعى السودانى يُدخِل إى تعديلات ضرورية على فكرِهِ وهياكلِهِ وبرامجِهِ لمُواكَبةِ ما جرى فى دولة المنبع الاتحاد السوفييتى. (بإستثناء العمل الذى قامت به حركة (حق) التى نقدت نفسها وادخلت تعديلات مهمة لمواكبة الإصلاحات التى جرت هناك فى منبع ومصدر الشيوعية). وما زال الناس ينتظرون التعديلات التى ينبغى إدخالها على فكر ورُؤَى وبرامج الحزب الشيوعى السودانى لجعلِهِ مُواكِباً ومُلائماً ومُقنِعَاً لإنسان العصر الراهِن الذى سَحرَه الغرب بالديموقراطية والحُريِّة وحقوق الإنسان والسوق الحُرّ، والحداثة والوفرة والرُفاهية.
أمَّا عقيدة البعث العربى الإشتراكى فهى لا تختلف عن الكيزان، وتقوم على إخضاع وتطويع وإدماج غيره فيه، ومن نكثَ أو أبى فمصيره الهلاك المحتُوم. وتجربة صدام حسين فى العراق وحافظ الأسد وإبنه بشّار فى سوريا نموذجين لمن يعْتَبِر.. ولا أعتقد أنَّ هناكَ تنظيم عقائدى شمولى وقمعى لا يتورع فى الفتكِ والتنكِيل بالخصوم السياسيين مثل عقيدة وفكر البعث، وتجاربه فى الحُكمِ ما زالت تمشى مع الناس فى الطُرقات، وطبَّقت أخبار قسْوَتها الآفاق. وهذا حُكم البعث فى سوريا وبعد نصفِ عقدٍ من الحربِ الضرُوس على شعبِهِ لا يتردد فى إلقاءِ براميل الموت على رؤوسِهم داخل بيوتِهم بلا هوَادَة.
هذا، والغريب فى الأمرِ أنَّ روسيا منبع الشيوعِية تدعَم البعث فى حربِهِ ضد شعبه فى سوريا.. وأمريكا والدول الرأسمالية لا يهِمُها الأمر كثيراً لأنَّها لا تَحفل بالعقائديِّين، شيوعيِيّن أو شِيعة، بعث أو كيزان، وتُعبِّد الطريق لهم جميعاً إلى الجحِيم.
وما يدعو إلى الحِيرة هو الوُدّ الذى يجمع بين أصحابِ العقائدِ السياسية على إختلافِ منابعها وإقتِتَالها فيما بينها. كأنَّ أصحاب الأحزاب العقائدية هؤلاء مِلّة وآحِدة، فى معنى، أنَّ (الشيوعى) إذا ترك الشيوعية ينقلب فى لحظاتِ صفاءِه و(توْبَتِه) إلى أخٍ مُسلم (كوز) والعكس صحيح. ورغم أن الصراع بين الكيزان والشيوعية فى السودان هو ما أفسد العمل السياسى وأدخل آفة العنف فى الممارسة السياسية، وكرّست ظاهرة الإنقلابات العسكرية. وأن الصراع بينهما أظهرَ الكيزان وحَصَّنَهم وقوَّاهُم تنظيمياً لتعاطُفِ الشعب السودانى"المُتديِّن" معهم لمَّا صوَّرُا له أنَّ هذا الصراع فى حقيقتِه بين الله وماركس رأس الشيوعية والكُفر والألحاد، وأنَّ -الكيزان- هم حزبُ الله، والشيوعية حزب الشيطان، وكل هذه التُرهَات التى انطَلت على شعبِ السودان.
ثُمَّ، أنظر إلى خارطَةِ الأحلاف السياسية اليوم على مستوى مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وعلى مستوى الأعضاء دائمى العضوية فى المجلس، ستجد أنَّ روسيا عرَّاب الشيوعية ومنبعها وشقيقتها الصين هُمَا الدولتان اللّتان تُناصِرَان حكومة السودان(الإسلامية) والعدو اللدُود للحزب الشيوعى السودانى. وروسيا والصين الشيوعيَّتان ظلّتا تحمِيان حكومة الأخوان المسلمين فى السودان للإفلاتِ من العِقاب وهى التى كانت عدُوَّة الشيوعية الأول منذ التكوين. وقاد الكيزان حملة حلّ الحزب الشيوعى السودانى وطرد نوابه من البرلمان فى ديسمبر 1965م. هل ذهبت كل تلك الخصومة ادراج الرياح؟ وحلّ محله هذا الزواج "الكاثوليكى" الراهِن بين الكيزان والشيوعية؟، أم أنّ العقائدَ فِعلاً مِلّة وآحِدة؟.
ومن غير دولتى الصين وروسيا ظلَّتَا تحمِيان حكومة الكيزان فى الخرطوم من قراراتِ الشرعية الدولية بمجلس الأمن؟ وتقاوِمَان تنفيذ أوامر القبض الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس السودان وأركان حربه الذين إرتكبوا جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العِرقى ضد المدنيين العُزل فى إقليم دارفور. وعرقلتا إحالة الوضع فى جبال النوبة والنيل الأزرق إلى المحكمة الجنائية الدولية ؟ هُمَا روسيا والصين الشيوعِيَّتان.
لذلك، نقولُ أنَّ رُوسيا والصين ليستَا شيوعِيَّتان فحسب بل "كوزَتان" أكثر من كيزان السودان أنفُسِهم. والعقائدية مِلَّة وآحِدة ضد الحُرِيَّة والحق والعدل. ولو كانت الشيوعية شرٌّ وكُفرٌ وإلحَاد، "فالكيزانية" أشدَّ منها شرَّاً وكُفرَاً وإلحَاداً وفسادَاً فى الأرض. ودعم الشعب السودانى للكيزان فى حربِهم الوهمِى ضد الشيوعية كان خِطئاً كبيراً، وحَرْثَاً فى البحرِ، وهبَاءً منثُورَاً.
ومن غير روسيا تبيع حكومة السودان طائرات (الأنتنوف والسوخوى) آلة الموت والدمار والإبادة والتطهير العرقى لأهل الهامش السودانى فى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؟ ومن غير الصين الشيوعية تتحالف استراتيجياً مع حكومة الخرطوم وتوَفِّر لها السلاح والعتاد الحربى، وتستخرج وتُسوِّق لها البترول لتوفير المال الذى أبقاها على قيدِ الحياة لما قارب الثلاثة عقود من الزمان قضَّتها فى الإجرامِ وتقطيع أوصالِ السودان؟.. لذلك أعتقد أنَّ الفكر العقائدى والتنظيمات القائمة عليه مِلَّة وآحِدة سواءً كان مصدره دين سماوى مُفترَى عليه (كيزان)، أو فِكر بشرى فاشِى وفاسِد وباطِش بالخُصومِ السياسيين (شيوعى، بعث، ناصرى، داعش، أنصار سُنّة وغيره).
أمّا الحركات المسلحة السودانية، قديمها وحديثها، فهى لا تصلح بوضعِها وقيادتها الراهنة لممارسة الديمقراطية أو التحوّل إلى احزاب سياسية قابلة للحياة. لأنَّها تخلّت عن "مشروعِ التحرير العريض" الذى قام على فكر وبرامج لتحقيقِ دولة الحُريِّة والمواطنة المتساوية والهوية الحقيقة الشاملة والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية والعيش الكريم وعلاقات دولية تقوم على الأخوة المشتركة والإحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وعلى عدم الزجِّ بالأديان فى شئون إدارة الدولة حماية للأديانِ من التشويه والإستغلال. ثم أنّ الحركات المسلحة فشلت فى الحفاظ على قومِيَّتها بسبب ضعف وضحالة منهج قيادتها وقصور فهمها وقلة خبرتها وإصرار قادتها على الديمومة فى كرسى الرئاسة فتحولت إلى مُلكٍ عضُوض. وسرّحَت الحركات كادرها المؤهل والمدرَّب، فإنتكست طوعاً وإختياراً إلى دركِ العُصبة والفخذِ والقبيلة والعِرق، فتقوْقَعت إلى دركِ المنطقة، ثمَّ هُبُوطَاً إلى أبناءِ القرية الوآحِدة وبعض النهَّازِين العاطلين عن المواهِب والعطاء الذين يركبون هذه الحركات إلى رِحابِ وظائفٍ يرجُونَها فى الخرطوم.. وهكذا ضوَت الحركات المُسلّحة كما تَضْوِى الإبل، والنظام يَبْتَزَّها ويستخدمها أسوأ إستخدام، كوَآقِى، لتحقيق أحْقَرِ الأهداف. فتحوَّلت الحركات المسلحة السودانية عملياً إلى خرَاباتٍ ينعَقُ فيها البُوم. ولمَّا فطن لذلك دهاقنة السياسة السودانية من أهلِ المركز جاءُوا كدآبَّةِ الأرض تأكل منسأتِها ويُدجِّنُون ويُروِّضون قادتها الذين فقدوا بوصلة القيادة، وبقيّة القِصَّة جارى عرض حلقاتِها. ويُضاف إلى ذلك، أنَّ زعماء أحزاب المركز يعتقِدُون انَّ الحركات المسلحة التى قامت فى هوامش السودان هى خصماً على قواعدهم السياسية والإجتماعية وهو إعتقاد صحيح لو أن قادة حركات الهامش يفهمون ماهى لعبة السياسة وإدارتها، ولكن الآن وقد وقعوا أسرى لدى زعماء أحزابِ المركز يُفادُونَهم ويُقلِّمُون أضافِرهم ثم يدمِجُونَهم فى ذًيولِ هياكلِ أحزابِهم.
وقد سبقهم إلى ذلك المجموعات التى انسلخَت من الحزبين الكبيرين (الأمة والإتحادى) ومن الحركات المسلحة واندمجت فى النظام الحاكم ولم يُسمعُ لها من يومِها رِكْزَا. لأنّ النظامَ العقائدى الحكام كما قلنا مِرارَاً، شمولى وقمعى باطِش لا يؤمن بالآخر، ولا يقبل منهُم غير الخُضوع والإندماج والطاعة، وتجِدْهُم يتنافَسُون فى تقديمِ فروضِ الوَلاء للنظام ليبقوا على قيدِ الحياة!.
ويقع على عاتقِ اهلِ هوامشِ السودان وآجب أنْ يُواصِلُوا ثورتهم ونضالهم ليس ضد مؤسسة الجلابة ودولة المركز فحسب ولكن ضد قادة أحزاب وحركات الهامش المسلّحة الذين فشلوا فى حملِ أمانة القيادة وحنثوا بيمينها وأطفأوا جذوة النضال، وضيّعوا دماء الشهداء وخصوصيات أقاليمِهم.. وبدلاً من ردِّ الأمانة إلى اهلِها، آثروا أنْ يتسَللُوا بالأمانة لِوَاذَا إلى المركز تحت وصاية وكفالة كهنة أحزاب المركز الذين ذهب أجدادهم لمبايعة ملك بريطانيا جورج الخامس فى قصره فى 29 يوليو 1919م وهم ما زالوا على بيعَتِهم تلك، وعالقة فى رقابِهم أباً عن جِد إلى قيامِ الساعة. هل تذكرُونَ نصّ البيعة التى أدّاها زعماء الطائفتين، الختمية والأنصار، خوفاً وطمعاً، لملك بريطانيا جورج الخامس؟ قال السيد الإمام/ عبد الرحمن المهدى: (يا جلالةَ المَلِك، أنتهِزُ هذه السانِحة الكريمة لأضعَ فى يَدىِّ جلالتِكُم هذا السَيْف التاريخى"سيفُ النصر" الذى كانَ عِندَ وآلدِى، كعربونٍ حقيقى للوَلاءِ والخُضُوع لمَقامِ عرشِكُم السَامِى. وأعدّ نقل هذا السيف لجلالتِكُم دليلاً قاطِعاً ومُطلقَا لرَغْبتِى فى أنْ تعتبِرُونِى أنا وأتباعِى فى السودان خُدَّامَاً مُطِيِعين لكم. لقد أظهَرْتُ، ولسنواتٍ بعد إعادة إحتلالِ السودان، لرِجالِكم العاملين فى السودان وبطُرِقٍ مُختلفة خدماتى وكامِل وَلَائِى. وهنالك الكثير من أفرادِ شعبى الذين ينتظِرُونَ عودَتِى عقِبَ مُقابلتِى لجلالَتِكُم ظافِراً بكريمِ عَطْفِكم، ويتمّنُونَ أنْ يكونُوا من ضمنِ رَعايَاكُم المُخْلِصِين. وأنا الآنَ أعرِضُ على جلالَتِكم خدَمَاتِى المُخلِصَةُ والمُتواضِعَة.)
وهل تذكرُونَ كيف قام الملك جورج الخامس بالرَدِّ عليه؟ قال: (أقبلُ منكَ هذا السيف، وأقدِّرُ لكم رُوحَ الإخلاص والوَلاء لنا، والتى دفعتكُم لتقديم هذه الهَدِيَّة. وسأعُيدُ هذا السيف لك ولِوَرَثتِكَ لتحتفِظُوا به، وتستخدموه نيابة عنِّى فى حمايةِ عرشِى وإمبراطوريَّتِى، وكدليلٍ على قبولِى بخُضوعِكُم وإخلاصِكُم و وَلَائِكُم، أنتُم وأتبَاعِكم، لنا.)! هههههه.
وكان أوَّل بيان بالعمل لتنفيذ بيعةِ الولاء لملك بريطانيا العظمى من زعماء طائفتى الأنصار والختمية هى خيانتِهم وإفشالِهم لثورةِ اللواء الأبيض 1924م بقيادة البطل/ على عبد اللطيف رمز التحرير الوطنى الذى خذلوه وأجهضوا أول ثورات الخلاص الوطنى.. واليوم ورثة أصحاب "البيعة" يلتفُّون على قادةِ حركات الهامش المُسلَّحة وقد تمكّنُوا منهم تماماً وبصددِ بلعِهم وهضمِهم لإجهاضِ ثورة التحرر الوطنى الثانية بعد ثورة اللواء الأبيض 1924م.
نخلص إلى أنَّ معظم الأحزاب السياسية السودانية العقائدية والطائفية، والحركات المسلحة بوضعها الراهن، كلُّها لا تؤمن بالديمقراطية وإذا تبوَّأت سُدَّة الحُكم ستَنقلِبُ إلى أنظمة حُكم شمولية باطشة تضيق بالرأى الآخر وتقمَعُه، وهى فاسدة فى إدارة شئونِ الدولة، ولا تُؤتمَن على وُحدَةِ الوطن وسلامةِ المواطِن، وفاسِدة تَرتعُ فى المالِ العام.
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1016

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1491893 [زول ساي الأصلي]
0.00/5 (0 صوت)

07-22-2016 11:06 PM
أي ديموقراطية فيها أحزاب طائفية أو عقائدية ديموقراطية غير راشدة وشعب البلد غير راشد وأفراده لا يعون حقوقهم الفردية في تمثيل أنفسهم وغير مؤهلين لحكم الديمقراطية الحقة التي نراها في الغرب وأمريكا


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة