المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. حيدر إبراهيم علي
انفصال الجنوب ... بين النزوة والحتمية التاريخية
انفصال الجنوب ... بين النزوة والحتمية التاريخية
05-24-2010 02:58 PM

رأي !

انفصال الجنوب ... بين النزوة والحتمية التاريخية

د. حيدر إبراهيم علي

يعيش العالم الحديث عصر الكتل الكبرى ولم يعد هناك وجود للكيانات الصغرى خاصة المفتعلة والناتجة عن الصراعات الداخلية، والتي كان يمكن حلها بقدر من العقلانية والرغبة في بناء وطن يسع الجميع تحت شروط جديدة تتوافق مع تطور العالم المعاصر.فطبيعة المرحلة الراهنة من التاريخ،تفرض قيام كتل اقتصادية ضخمة تسمح بالانتاج الكبير.كما تسمح بتطبيق الشعار البورجوازي الكلاسيكي:-دعه يعمل،دعه يمر.ولكن هذه المرة تحت ظروف العولمة التي تسقط كل أشكال الحدود المادية والثقافية. فالعالم،حقيقة،يتحول الى قرية في الواقع،وليس مجازا أو افتراضا.وفي مثل هذا التطور الذي يعيشه العالم،تصبح الدعوة الى انشاء دول جديدة،خاصة اذا كانت ضعيفة الامكانات البشرية والمادية،أقرب الى نزوات الغضب والتصويت العقابي الذي يحدث في الانتخابات ،بقصد معاقبة حزب بعينه باختيار حزب آخر حتى وان كان غير مرغوب فيه.
ظل الماضي أو التاريخ عبئا ثقيلا يحكم علاقات الشمال والجنوب،وعجزنا -شماليون وجنوبيون- عن تحويل هذه التركة الثقيلة الى دروس وعبر نسترشد بها في صناعة مستقبل أفضل لنا جميعا.رغم ما نلنا كنخب من تعليم ومعرفة وتجارب وانفتاح علي العالم وتطوراته.توقفت النخبتان عند أسوأ ما في التاريخ السوداني:-العجز عن التفاعل والاندماج أو التعايش ثقافيا في دولة قائمة علي حق المواطنة.اذ لايمكن اعفاء أي طرف من وجود نخب فاسدة وأنانية تعمل لمصالحها الخاصة فقط.فالنخبة الشمالية،همّشت الجنوب لكي تحتفظ بنصيب أكبر من السلطة،وحتى الحروب كان لها بارونات وأثرياء استفادوا من استمرارها.وفي المقابل تكونت بورجوازية جنوبية سواء بسبب الحكم الذاتي زمن «النميري»أو بسبب النضال والكفاح المسلح في فترات لاحقة.
ومن ناحية أخري،لايمكن أن تحكم العقد النفسية والمواقف الذاتية الضيقة مصائر شعوب ،وتهدر بالتالي الامكانات الهائلة التي تجعل هذه الشعوب أكثر سعادة وتقدما.فالجنوبيون لم يخلّفوا أي العمل علي أن يتخلفوا،بسبب أصولهم أو دينهم أو ثقافاتهم؛ولكن لان النظم السياسية المتتالية عجزت عن اجتراح طرق جديدة للتنمية المنتجة، والمستقلة،والعادلة.فالقضية ليست عرقية أو عنصرية ولكنها عجز في الخيال السياسي ،وعدم القدرة علي الانجاز الذي لازم النظم الحاكمة؛ والتي شارك فيها - جميعا - كثير من الجنوبيين أيضا.وليس من باب السجال القول بأن أكثر المجموعات عروبة في السودان أي قبيلة الرشايدة هي بالتأكيد أكثر تخلفا اقتصاديا من الدينكا أو حتي التبوسا في الجنوب.فقد فشلنا كلنا في بناء الدولة الوطنية الحديثة،وحتى لم نذهب في طريق بنائها.وذلك،لأننا انشغلنا بتبادل التهم واللوم.وقد كسر«جون قرنق»هذه الحلقة المفرغة حين رفع شعار:-السودان الجديد.ولكن لازم سوء الحظ السودانيين،فقد دفن الشعار معه ولا نسمعه الا في مناسبات متباعدة وبخجل.والأهم أنه لا يقال من القلب،لأنه لا يوجد من يعمل علي تحقيقه علي الأرض.
في حالة غلبة السبب الثقافي و العنصري في الدعوة للانفصال،فقد كانت بعض الدول -وهي عظمي - قائمة علي الفصل العنصري أو التمييز.وكان يمارس قانونيا ومجتمعيا،وليس خلسة كما هو الحال في السودان.واقصد بذلك جنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية،ولكنها تجاوزت ذلك الوضع،بسبب وجود ارادة وطنية تتمسك بالدولة الموحدة ، وتدرك قيمة الوحدة.
نحن الآن في سباق مع الزمن،ولكننا نتعامل وكأن الانفصال قد أصبح أمرا واقعا.وهذه أيضا من مظاهر الكسل العقلي وسوء التقدير السياسي.لا أدري كيف توصلنا الى هذه النتيجة الحتمية؟هل أجريت استطلاعات رأي لاستشراف مستقبل الجنوب؟وبالمناسبة، الانتخابات- مع كل عيوبها لم تقدم أي مؤشر يؤكد هذا الرأي الذي يمكن أن يكون قد روّج له دعاة الانفصال الشماليين وصحيفة»الانتباهة» واستطاعوا بيع الفكرة لنا جميعا.والغريب في الأمر أنه لم يعد يرتفع أي صوت يقول بأن نتيجة الاستفتاء ستكون الوحدة،ثم يقدم الحجج لمثل هذا الرأي.بل العكس،نلاحظ أن أكثر الوحدويين تفاؤلا صار يقنع بالمطالبة بأن يكون الانفصال سلميا،وقد يتحذلق البعض ويتحدث عن الانفصال السلس!وفي بلدان أخري،عندما تصل الأمور الى هذا الحد من الخطورة والمخاطرة،يعلن المثقفون حالة الطوارئ سباقا للزمن.وهذه الفترة تمثل اختبارا حقيقيا لمنظمات المجتمع المدني السوداني،ومدي جديتها وكيف تضع أولوياتها.فقد رأينا همة ونشاط بعضها في مراقبة الانتخابات ،ولكنها الآن غائبة وصامتة تماما.وأتمنى أن يكون هذا بمثابة نداء لليقظة وادراك حجم الكارثة.وقد علمت بمساعي بعض الشخصيات لتكوين هيئة قومية حقيقية،خلافا لتلك التي كونها المؤتمر الوطني من بقايا الحملة القومية لمساندة البشير.وهذه مبادرات جيدة وليست متأخرة بأي حال من الأحوال،وذلك حسب جدية المشاركين والأسس التي سوف ينطلقون منها.وهذا يعني وجود مجموعة منتقاة من الوحدويين الشماليين والجنوبيين.وأن يبتعدوا عن الشعارات المبتذلة مثل الوحدة الجاذبة وما شابهها من اكليشهات خاوية المعني.فقد ظل الكثيرون يجترون الحديث عن الوحدة الجاذبة دون أن نلمس أي تجسيد لها في شكل تنمية أو تطوير للجنوب علي أرض الواقع.بل وأضيف الى ذلك السماح رسميا للأصوات الشمالية بالدعوة للانفصال،والعمل علي فتح جروح العنصرية والبغضاء.
نعيش في هذه الأيام، مرحلة حاسمة ومصيرية - فعلا وليس مجرد كلام ،لذلك،فلابد من عقل جديد ونظرة جديدة تضع مصلحة شعوب الجنوب وشعوب الشمال؛فوق كل عقد التاريخ والمصالح الضيقة للنخب.ولأنه في حالة الانفصال لن يفقد الشمال الجنوب،ولكن سيفقد الجنوب نفسه.لا أقصد هنا أن الجنوبيين غير قادرين علي حكم الجنوب،كما يردد البعض ظانين أنه بمثل هذا القول يبرر عدم الانفصال. ولكن أقول قولي هذا ،لأنه قد آن الأوان للتعامل مع المستقبل ووقف الانكفاء علي الماضي والامعان في التلاوم وتبادل الاتهامات.نحن سويا يمكن أن نبني وطنا موحدا صاعدا يحقق طموحات الجميع،وطنا قويا واعدا.وفي حالات الانفصال سوف تتجاور الأصفار:دولة الجنوب الفاشلة الى جوار دولة الشمال الفاشلة،وسوف نضيف الى الدول الفاشلة دولتين جديدتين.
ان الوقت يمضي سريعا،ولا مجال لأي مماطلات ومناورات وجدل عقيم.ولنبدأ بالحوار الصريح ،العميق ثم بخطة عمل قابلة للتنفيذ وتشرك جميع الفعاليات :السياسية والابداعية والمجتمع المدني ...الخ. والتفكير الجديد- كما أسلفت- يعني التخلي عن الوثوقيات التي صارت تحتل العقل السياسي السوداني ،والتي تري أن الانفصال آت لا ريب فيه.وهي لا تدعو لرد القضاء ولكن للطفه:الانفصال السلس!علينا أن نجلس معا ونسأل:ما هو الدليل القاطع الملموس علي حتمية الانفصال؟وهل السياسة مغلقة بهذه الصورة ولا تعرف البدائل والاحتمالات؟ولماذا لا تفتح القيادات السياسية والنخب في الشمال والجنوب الباب أمام بدائل مثل الكونفدرالية؟

الصحافة

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1021

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#71 [nadir]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2010 10:48 PM
ياريت الكلام ده يعمل بيهو المسمى نفسه(دكتور) الطيب مصطفى وزمرته الهزيلة انا عايز اعرف مقياس الدكتور ده عند الناس كيف والامى كيف؟


د. حيدر إبراهيم علي
د. حيدر إبراهيم علي

مساحة اعلانية
تقييم
2.57/10 (71 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة