11-07-2015 12:34 PM


أمريكا أفريقيا المصغرة:
ملاحظات مونزنقر حول السودان في عام 1871م
Munzinger’s Observations on the Sudan, 1861: “The Little America of Africa”
فريدريك جي كوكس Fredrick J. Cox
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لمقال صغير نشر بمجلة "السودان في مذكرات ومدونات Sudan Notes and Records " في عددها رقم 33 الصادر في عام 1953م، عن الملاحظات التي سجلها الرحالة فيرنر مونزنقر حاكم شرق السودان وأرتيريا في عهد الحكم المصري - التركي للسودان. ومونزينقر هذا – بحسب ما هو مبذول في موسوعة الويكيبيديا - هو رجل سويسري عاش بين عامي 1832و 1875م، ودرس التاريخ والعلوم الطبيعية والدراسات الشرقية في ألمانيا وفرنسا ومصر، وقيل إنه كان يتحدث 25 لغة مختلفة. وعمل في خدمة الخديوي في مصر والسودان وأرتريا، وتزوج امرأة من البايلن Bilen بمدينة كرن، وتبنى ولدها كايفل (صار لاحقا كايفل بك).

المترجم
**** ****

شغل الرحالة والمغامر السويسري فيرنر مونزنقر باشا منصب حاكم شرق السودان وأرتريا إبان عهد الخديوي إسماعيل. وكان الرجل من أشد المؤيدين والحاضين لذلك الخديوي على التوسع في أفريقيا في سبعينيات القرن التاسع عشر. وصرم مونزنقر من عمره عشرين عاما في منطقة ساحل البحر الأحمر، عمل في غضونها في خدمة الحكومات الفرنسية والبريطانية والمصرية في وظائف دبلوماسية أو تجارية، مما يجعله مدركا لحد بعيد للثروة الهائلة والأهمية الاستراتيجية العظيمة لمنطقة شرق أفريقيا (خاصة أرتريا وأرض الصومال والحبشة) لمصر.
ولما كان لمونزنقر خيال خصب نشط، فقد قام بين عامي 1855 و1875م بكتابة عدة مذكرات تتناول الضرورة القصوى والملحة لفرض السيطرة المصرية على تلك المناطق التي ينبع منها النيلان الأزرق والأبيض. وكان تأثير تلك المذكرات على الخديوي عظيما، لا سيما وأنه كان حاكما طموحا يسعى جاهدا لإنشاء إمبراطورية مصرية تقوم على أساس وحدة وادي النيل.
وكانت أهم المذكرات التاريخية التي سطرها مونزنقر هي تلك التي عنونها: "ملاحظات حول الوضع الاقتصادي في السودان Observations sur la Situation Economique du Soudan " في عام 1871م. ولا ريب أن تلك المذكرة كانت بين ما حفز الخديوي على مواصلة جهوده الرامية لتهدئة الأوضاع في السودان والسيطرة عليه عقب فشل حملة السير بيكر (المقصود هو البريطاني صمويل بيكر، الضابط الرحالة والصياد المستكشف، 1821- 1893م، والذي حكم الإستوائية، التي كانت تشكل جنوب السودان وشمال يوغندا. المترجم). وأعطت تلك المذكرة للخديوي المسوغات الاقتصادية الداعية للسيطرة على السودان وموارده.
وكافأ الخديوي إسماعيل مونزنقر على خدماته لمصر في منطقة البحر الأحمر بأن عينه في منصب الحاكم المصري لمصوع. وجهد مونزنقر على إثر ذلك في نشاطه السياسي، فظل يدبج للخديوي التقارير بانتظام وتفصيل شديد عن الامكانيات الواسعة والواعدة لشرق أفريقيا وعن ضرورة التوسع في تلك المناطق.
وكانت أول إنجازات مونزنقر الوظيفية هي تكليفه لعالم النبات الألماني دكتور ج.م. هيلبراندت بالسفر والترحال في شرق أفريقيا تحت مسمى "مراسل مصري"، وكلفه بتقديم تقارير منتظمة ومفصلة له عن أريتريا وأرض الصومال وزنزبار. وكان تقرير هيلبراندت له من عدن بتاريخ 9/3/1873م غنيا بالمعلومات المفصلة. وقام مونزنقر على الفور بنقل محتوى ذلك التقرير، والذي جاء فيه أن " الإنجليز والأمريكيين والفرنسيين والبرتغاليين والنمساويين يتسابقون علنا للظفر بالجائزة الكبرى، والتي هي جنوب شرق أفريقيا (هكذا). وكان الفرنسيون يرمقون الميناء الجيبوتي أوبوك Obock بعين الحسد والغيرة، واتخذوا من محاربة "تجارة الرقيق" التي اتهموا بها الشيخ أبو بكر حاكم زيلع ذريعة أخلاقية لمهاجمته.
وقام ذلك "المراسل" الألماني بحض مصر على القيام بتشديد قبضتها على أرض الصومال والاستيلاء على ميناء بربرة وتحصينها، بسبب ما وصفه بالفوضى العارمة التي تجتاح المنطقة. وأعجب الخديوي إسماعيل بذلك الاقتراح وعين مونزنقر مبعوثا خاصا له في تلك المنطقة. واستخدم مونزنقر غالب المعلومات التي جلبها له هيلبراندت أساسا لتوصياته للخديوي إسماعيل، خاصة ضم بربرة وأوسا Awsa/ Assaw/ Aussa (وتسمى أيضا اوسان أو عفر) تحت السيادة المصرية.
وكان لنفس تلك التوصيات فيما بعد تأثير كبير على الخديوي جعله يأمر رؤوف باشا بالسيطرة على هرر، ويطلب من متشل أن يستطلع الأحوال في زيلع وتاجورا، ويرسل ماككيلوب ولونق في حملة استكشافية إلى نهر جوبا. وهدفت كل تلك التحركات العسكرية لإعطاء مصر السيطرة الكاملة على مثلث أرض الصومال، والذي عرفه موزينقر في أحد تقاريره المعنونة تقرير بربرة Rapport sur Berbera كالتالي:
"تكون أرض الصومال مثلثا ضخما يواجه المحيط الهندي وخليج عدن من جانبين. وهنالك خط وهمي من جوبا إلى تاجورا يكون الضلع الثالث. وشكلت التحركات الأخيرة للخديوي جزءا من خطته الكلية لتطويق الحبشة، وبالتالي تأكيد وتأمين سيطرة مصر على ذلك المثلث الصومالي، وساحل شرق أفريقيا بأكمله وعلى أهم منبع للنيل".
وقضى موزينقر الأعوام الثلاثة التالية يعمل في تنفيذ خطط الخديوي بشرق أفريقيا باعتباره إداريا وضابطا بالجيش. وأمر الخديوي إسماعيل في عام 1872م موزينقر بالبدء في عملية تطويق الحبشة عبر بلاد بوقوس Bogos والذين يقطنون منطقة كرن في أريتريا بعد أن كان قد أقنعه موزينقر من قبل بأن الوقت قد حان لاحتلال ذلك الجزء الذي كان الخديوي يرغب في جعله امتدادا داخليا hinterland واستراتيجيا لمينائه البحري في مصوع.
وكانت بوقوس منطقة يقطنها حوالي 10000 فرد، وتقع بين مصر والحبشة، وتتنازع الدولتان السيادة عليها. وتحرك موزينقر في يونيو من مصوع بقوة قوامها 1200 جندي مصري نحو كرن واحتلها دون أن يجد مقاومة تذكر. وعندما احتج الملك يوحنا لدى الخديوي إسماعيل على ذلك الاحتلال، رد الأخير بأن أرض بوقوس أرض مصرية منذ عهد محمد علي باشا، وإنها تتبع لمصر بحكم حق الاحتلال. ولم يحر الملك يوحنا غير تسجيل موقفه الإحتجاجي (للتاريخ) إذ أنه كان موقنا بأنه غير قادر على فعل شئ دون عون من القوى الأوربية. وتجاهل الخديوي إسماعيل إحتجاجات الأحباش ومضى قدما في عملية ضم أراضي بوقوس التي احتلها. وقام الجنرال الأمريكي شارلس بومبري استون (رئيس هيئة أركان جيش الخديوي إسماعيل) بتقسيم إقليم بوقوس إلى أربعة أقاليم إدارية هي سواكن وكرن ورحيطة وكسلا، بالإضافة إلى مصوع (أي على أراضى أريتريا الحالية بأكملها)، وعين الخديوي موزينقر حاكما عاما عليها جميعا والقيام بدور الحاكم المدني والعسكري.
وكان ضم أراضي بوقوس للسيادة المصرية هي أولى خطوات الخديوي للسيطرة على كافة أراضي شرق أفريقيا الواقعة حول منبع النيل الأزرق. ولكن بدا في عام 1872م أن الخديوي لم يكن راغبا في هزيمة الحبشة، وإنما كان يرغب فقط في تأمين سيطرة مصر على أفرع الأنهار المكونة للنيل. وأدرك ذلك ريتشارد بيرديسلي، القنصل الأمريكي في القاهرة، فكتب لوزير الخارجية الأمريكية في 12/12/ 1872م التالي: " ... يبدو أن إحتلال الحكومة المصرية لمصوع كان الغرض منه هو تأمين إكمال عملية إنشاء خط السكة حديد المصرية، وليس احتلال الحبشة، وهي خطوة ابتدائية نحو إخضاع كل المناطق التي ينبع منها النيل الأزرق للسلطة المصرية...".
وعقب إحتلال أرض بوقوس أرسل الجنرال الأمريكي استون لموزينقر مذكرة سرية في 30/11/1872م ينصحه فيها بالقيام باحتلال منطقة أوسا (عفر) حتى يتم ضمان السيطرة على كل المناطق من أرض قلاس Gallas حتى البحر الأحمر. وبالفعل تم إحتلال منطقة عفر في عام 1875م. وبذا حقق موزينقر أهدافه، وأفلح في منع الفرنسيين من تحقيق مطامعهم في منطقة أبوك بجيبوتي، وحقق للخديوي ما يرغب فيه من سيطرة تامة على ساحل أرتيريا المطل على البحر الأحمر، حتى خليج عدن. وبنهاية عام 1875م تحقق حلم الخديوي إسماعيل في إنشاء إمبراطورية بشرق أفريقيا. وكان ذلك من أسباب إنزعاج القوى الأوربية الاستعمارية منه. غير أن النزعة المهيمنة على عقل وعاطفة الخديوي ظلت هي السيطرة على منابع النيلين الأزرق والأبيض وفروعهما. وكان إحتلال قواته لكرن وهرر وزيلع وبربرة وأرض العفر مجرد خطوات متتابعة في رحلته لخلق إمبراطورية في وسط أفريقيا تكون الخرطوم مركزها.
وكانت إنجازات موزينقر العسكرية في شرق أفريقيا، بالإضافة لقدراته المذهلة على تدبيج مذكرات شديدة الإقناع بمثابة مقدمة لحملات الخديوي إسماعيل العسكرية في السودان. فبعد تعيين الخديوي له حاكما مصريا عاما على شرق السودان بأكمله، حارب موزينقر من أجل مصر، وفقد حياته في حملة الحبشة الكارثية التي قادها في عام 1875 – 1876م.
ولم يكن هنالك من أحد يدرك أهمية السودان الإستراتيجية (لمصر) مثل موزينقر حاكم مصوع. فقد سطر للخديوي، وفي وقت مبكر (عام 1871م)، أربع مذكرات، بالإضافة لمذكرته الجامعة حول الوضع الإقتصادي في السودان، والتي بعث بها في 31/7/1871م، وقد حوت الكثير من الحجج والمعلومات حول تاريخ وجغرافية واقتصاد السودان، وتضمنت بعض الآراء الشخصية أيضا المتعلقة بضرورة فرض السيطرة المصرية على السودان.
وهذا مختصر ملاحظات موزينقر التي أرسلها للخديوي في 31/7/1871م:
ملاحظات عامة
أود أن أقدم لكم بعض الملاحظات العامة عن الوضع الإقتصادي فى السودان، وهي حصيلة ترحالي في طول تلك البلاد وعرضها. ولا ريب أنكم سترون أن ملاحظاتي هذه تتطابق مع آراء كثير من الذين كتبوا عن السودان من قبل.
لابد أن كل من قرأ كتاب بيركهارت عن رحلته في وادي النيل (والذي صدر بلندن في 1819م) سيسعد بأن السودان قد غدا من أعمال (dependency) مصر، وسيشعر بالأسف لأن دارفور لم تنل بعد ذلك الحظ (قام الأمريكي استون والإيطالي جيسي، بأوامر من غردون باشا، بضم كردفان ودارفور لمصر بين عامي 1874م و1876م). وكان عبور النيل بعد أسوان والدخول في السودان مغامرة عظيمة، إذ كانت البلاد معزولة عن العالم تماما، مثلما هي وداي الآن. ويسود السودان في أيامنا هذه السلام والأمان من مصر حتى نهر السوباط، ومن كردفان حتى البحر الأحمر.
وانتعشت الزراعة والتجارة ... غير أن كل هذا ليس كافيا! فبكل ما لدى للسودان من امكانات هائلة وموارد ضخمة يعجب المرء من أنه لا يقوم بتصدير أو استيراد كل ما يمكنه تصديره واستيراده بالفعل. وسأحاول هنا عرض فكرة مبسطة عن الامكانيات الاقتصادية التي يتمتع بها السودان، وحول الأسباب التي تعيقه من تحقيق التنمية والتطور بصورة طبيعية.
ولتفسير ما أقول، أذكر هنا أنه لا توجد في السودان أي صحراء ميتة. فالأمطار تهطل على كافة أجزائه بمعدلات كافية، خاصة في شهور الصيف، رغم عدم توفر معلومات إحصائية كافية بين أيدينا الآن عن معدل نزول تلك الأمطار. وهنالك أيضا الأنهار والأراضي القابلة للاستصلاح. وفيه سكان كثر يفوق عددهم 5 ملايين فرد، يتمتعون بنشاط كبير (ذكر المؤلف في هامش مقاله أن سكان مصر في عام 1870م يقارب عددهم سكان السودان في ذلك العام). ويتعين أن يغدو السودان مزرعة كبيرة للقطن، ويجب أن يكون مدخلنا لأفريقيا الداخلية! ويمكن له أن يكون "أمريكا أفريقيا".
ويمكن القول بأن السودان بأكمله (أي كل المناطق التي تقع جنوب كورسكو) هو منطقة قابلة للزراعة والاستيطان. فتربته غنية بالطمي، ولا بد أنها كانت في القرون الماضية مستنقعات كبيرة. وبالسودان مساحات كبيرة من السهول والبراري والغابات، وبه أعداد ضخمة من الماشية، يملكها رعاة رحل يمثلون نحو 75% من سكان البلاد.
ولا تعرف على وجه الدقة أعداد السكان في كل منطقة من مناطق البلاد، غير أنه يقدر بأن أقليم التاكا هو أقل الأقاليم سكانا، فعدد سكانه لا يتجاوز مليونا من الأفراد. وسكان البلاد خليط من العرب والزنوج. وتوالت الهجرات العربية للسودان منذ قديم الزمان، وسكنت القبائل المهاجرة في الوديان، وكونت قبائل مثل الشكرية والجعليين وغيرهما. وهنالك في وداي ودارفور سكان أفارقة يتميزون بالنشاط والحيوية وحب العمل. وفي الشرق يوجد الهدندوة والبشاريين وبني عامر، وهم يتحدثون لغتهم القوقازية الأصلية.
والسودانيون، على وجه العموم، قوم يتميزون بالبساطة وصحة البدن واللطافة والدماثة والكرم. وفقد من تحدر منهم من أصول عربية الشراسة والعنف التي تميز الأعراب. والسودانيون قوم يسهل حكمهم، إذ أنهم ظلوا يمارسون، ومنذ سنوات طويلة، أنواعا من الحكم الذاتي. ويجدر بنا أن نشجع ذلك المنحى في الحكم. ويجب أن أشير إلى أن أعداد سكان البلاد ظلت في إزدياد مضطرد، خاصة مع إختفاء الأوبئة الفتاكة وانتهاء الحرب واستقرار السلام. ومن المأمول أن تتواصل هذه الزيادة في أعداد السكان مع تحسن البيئة الصحية في المدن. أما الأرياف، فالصحة العامة فيها أفضل مما هو الحال في المدن. وأفضل الأماكن بالبلاد من ناحية الصحة العامة هي بركة ومناطق الهدندوة والقضارف وغالب أجزاء كردفان ومروي وسنار، وسائر مناطق نهر النيل حتى دنقلا. ومياه الشرب في غالب البلاد مياه صحية.
ويتميز السودان بوجود أنهار كثيرة صالحة للملاحة تشكل شبكة تغطي سائر أنحاء البلاد عدا كردفان التي تخلو من الأنهار. وبعض هذه الأنهار موسمية لا تفيض بالمياه إلا في ثلاثة أو أربعة شهور بالعام تهطل فيها الأمطار، ومن أمثلتها نهر اتبرا والدندر ورشاد (الرهد). وتتدفق مياه هذه الأنهار عبر سهول منبسطة وشواطيء منخفضة، وتحمل معها كمية ضخمة من المياه والطمي، والذي يمكن أن يستغل بسهولة في الزراعة أفضل استغلال. وبنظرة سريعة على خريطة السودان يمكن تبين أن لكل منطقة في السودان مصدر مياهها الخاصة. فالتاكا لها القاش وبركة، والخرطوم وبربر يغذيهما النيل بالمياه، بينما تنال سنار حظها من المياه من النيل الأزرق ورشاد (الرهد) والدندر. غير أن التربة في كردفان وحدها من النوع الخفيف الذي لا يسمح بتكوين أنهار.
وإذا أردنا إعطاء فكرة عن المقاطعات / الأقاليم (cantons) التي يتكون منها السودان فيجب أن نتخلى عن التقسيمات الرسمية التي توافق أغراض الحكومة، ولكنها لا تصلح لأغراض هذا التقرير. فأقاليم السودان المختلفة تتميز بأماكن وأنواع متباينة من المناخات، وعليه يمكن تقسيم السودان بحسب المناخ للأقاليم التالية:
1. أراضي النيل الأزرق ، وتشمل سنار والأراضي من الخرطوم حتى دنقلا .
2. مناطق دلتا الجزيرة ومروي (بين النيلين الأزرق والأبيض، وبين نهر النيل ونهر اتبرا)
3. كردفان، وهي قطر قائم بذاته، تفصله من النيل أراض صحراوية نوعا ما. وبجنوب كردفان توجد أراض خصبة في جبال النوبة وتقلي.
4. الأراضي النيلية بين النيل والدندر ورشاد والقاش (التاكا) ، وهي أخصب الأراضي في البلاد.
5. القضارف، وهي "واحة" تزرع فيها مختلف أنواع الحبوب التي يعتمد عليها سكان البلاد، وبها أيضا غابات لأشجار الصمغ العربي.
6. الأقليم الذي يجرى به القاش . ويشمل مناطق اتبرا وجبال البحر الأحمر
(توسع كاتب المذكرة في ذكر تفاصيل مزايا كل من الأقاليم المذكورة).
أما المنتجات الزراعية التي تزرع بالسودان فتشمل الذرة والدخن والسمسم. ويثمر أقل مجهود في الزراعة عن محصول وفير يفيض عن الحاجة. وتزرع غالب محاصيل البلاد في شهور الصيف المطيرة. وتروى المحاصيل في بعض المناطق على النيل ونهر اتبرا بالسواقي.
ويمكن زراعة القطن في أي مكان بالسودان، غير أن أفضل أماكن لزراعته هي الأماكن التي يمكن غمرها بالمياه (inundation). ويستهلك السودانيون اليوم جل ما ينتجونه من قطن محليا، ولا يكادون يصدرون منه شيئا. وفي غضون سنوات الحرب (الأهلية) في أمريكا، أرسلت منطقة القضارف كميات كبيرة من القطن وبذوره لمصر. وأعتقد جازما، دون تعمد للمبالغة في القول، بأن السودان ومصر بإمكانهما معا أن ينتجا القطن بكميات لا تقل عن تلك التي تنتجها أمريكا اليوم. فأقليم التاكا بمفرده يمكنه انتاج نحو ثلاثة ملايين قنطار من القطن ، بينما يمكن لساحل البحر الأحمر أن يزرع بسهولة 200 ألف من الفدادين قطنا. وتظل شجرة القطن في السودان (كما هو الحال في مصر) منتجة لخمسة أعوام متصلة، وهذا مما يوفر الجهد والتكلفة.
ويتمتع السودان بثروة حيوانية عظيمة تشمل الأبقار والغنم والمعز، وكلها حسنة الفصائل ورخيصة الثمن، فسعر البقرة أو الثور لا يزيد عن جنيهين. أما الإبل في السودان فهي من أفضل الأنواع للركوب أو حمل الأثقال. وليس لدي إحصائية دقيقة بأعداد الماشية بالسودان، ولكنها تعد بالملايين بلا ريب. وهنالك مجال للاستفادة من جلود هذه الحيوانات لو توفرت وسائل النقل المناسبة من مناطق السودان المترامية الأطراف.
أما منتج السودان الطبيعي الأول فهو الصمغ العربي، وشجرته تنمو بكثرة في مناطق كردفان والقضارف ، وهنالك أيضا ريش النعام والعاج والأخشاب والذهب.
وتطرق موزينقر في مذكرته أيضا لوسائل المواصلات والإتصال في السودان، وكان أهم ما توصل إليه هو أن بإمكان السودان أن يطعم ثلاثة أمثال عدد سكانه في تلك السنوات. وأنه يمكن أن يكون الممر الطبيعي للتجارة مع وسط أفريقيا، وهو بهذا يمكن أن يكون "أمريكا مصغرة" إن أصلحت طرق المواصلات والإتصالات فيه ، ونشطت عمليات التصدير والإستيراد.
وبالنظر إلى صعوبة الملاحة النهرية بين شندي ووادي حلفا ( لوجود الشلالات) ، يجب التفكير في ربط السودان بالعالم الخارجي عن طريق شرق البلاد وغربها. ومثلما ساهم اختراع المطابع في نشر الحضارة وتبادل الأفكار، يمكن لوسائل الإتصال والمواصلات أن تفعل ذات الشيء في عالم التجارة والمال والأعمال . فتلك الوسائل هي شرايين الأمم ، وإن لم تنشط وتفعل ، فقل على البلاد السلام . وإن تطورت وسائل النقل والإتصال والمواصلات في السودان، فسيغدو "مصر ثانية second Egypt". والطريق الأوحد لفعل ذلك هو إنشاء خطوط للسكة حديد وتحسين الملاحة عبر الأنهار. وسيخرج مزيج من تلك الطرق البرية والنهرية البلاد من ظلام العزلة إلى العالم الخارجي ، وسيضع ثروات السودان على أبواب مصر. وليس هنالك من عوائق تذكر أمام تنفيذ ذلك المشروع المقترح إلا النقص (المفترض) في الفحم الحجري بالبلاد . ولا أظن أن شح الفحم سيشكل عائقا كبيرا أمام التوسع في المواصلات بالنظر إلى وجود غابات كثيفة بالبلاد ستوفر مصدرا جيدا للطاقة. غير أنه يجب الحذر من قطع الإشجار دون تمييز أو وعي، بل يجب أن يتم ذلك العمل بضوابط اقتصادية صارمة، وبصورة يمكن معها استغلال الأراضي التي يتم فيها قطع الأشجار في زراعة القطن.
إن تقريب كافة أرجاء السودان من مصر سيكون مفيدا جدا للحكومة المصرية . فقد حكم العسكريون السودان في الماضي، أما الآن فسيكون هم حاكم السودان هو تنمية البلاد وتطوير الزراعة والإدارة والتعليم بها . وعندما ينمو السودان ويتطور فإن رجال المال والأعمال (المصريين) سوف يتدفقون عليه دون خوف أو وجل، حيث ينتظرهم ثراء عظيم، وسيكونون في حماية الحكومة ، وبذا يغدو السودان أحد أقاليم مصر (الطبيعية)، وليس محطة بائسة منكودة وعديمة النفع كما هي الحال الآن.
أما بالنسبة للسودان فالفوائد المنتتظرة من كل ما ذكرنا ستكون عظيمة ، فسوف يتم تقصير المسافات بشهور عديدة. وستنمو الخدمات بالبلاد ، حيث سيكون مركز التمية والتقدم هو الخرطوم وليس القاهرة. وستعم الحضارة سائر أنحاء وسط إفريقيا (المظلمة حاليا)، وسيكون السودان مصدر إشعاع تلك الحضارة.
سيقرب خط السكة حديد السودان للعالم المتمدن كثيرا.
أتمنى ألا يتردد صاحب المعالي (الخديوي) في إضافة كل الإصلاحات التي يرغب في إضافتها حين تشرع مصر فى حملتها السلمية لضم السودان.
ف. مونزنقر
حاكم مصوع
31/7/ 1871م
__ ____ ___ _____
لا ريب أن ما ذكره مونزنقر عن ثروة السودان الاقتصادية ، وعن الضرورة الاستراتيجية لسيطرة مصر عليه كان هو السبب في حث الخديوي على التفكير الجاد في ضم السودان، لا سيما بعد فشل حملة السير صمويل بيكر. وساهمت مذكرة مونزنقر بصورة غير مباشرة في سعى الخديوي لتعيين العقيد غردون حاكما للمديريات الاستوائية . وأوضحت تلك المذكرة للخديوي إسماعيل مدى الفائدة التي يمكن أن يجنيها من ضم السودان لمصر، ووفرت لمصر مسوغا (raison d'etre) للدعوة للوحدة السياسية والاقتصادية لوادي النيل.
وساهمت المذكرة تلك في جعل الخديوي إسماعيل يتخذ إجراءات قاسية من أجل فرض الهدوء والسلم في السودان في غضون الربع الثالث من القرن التاسع عشر الذي شهد في نهاية المطاف عزله من منصبه. وقدمت مذكرة مونزنقر أدلة مقنعة على أن السودان يحمل المفتاح الذي به ينفتح ما استغلق من بوابات وسط أفريقيا، وأن بإمكانه أن يغدو أمريكا أفريقيا. وفي هذه المذكرة كثير مما حدث بعد كتابتها بسنوات طويلة في القرن العشرين.
وقد يرى بعض القراء أن بعض آراء مونزنقر السالفة الذكر لا تخلو من شئ من السذاجة والافتقار إلى العلمية، كحديثه عن خصوبة كل أرض السودان ، فهذا مما لم يثبت علميا. غير أن دعوته لتعمير السودان وتحسين الخدمات والإدارة والتعليم فيه وجدت بعض الاهتمام من الحكومات المصرية في العقود التي تلت عهد ذلك الخديوي.






تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2427

خدمات المحتوى


التعليقات
#1366785 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2015 06:46 PM
هذه السلسلة من المقالات او الترجمات النختارة تحوي معلومات ممتعة و مهمة


#1366214 [الوجيع]
5.00/5 (1 صوت)

11-07-2015 04:18 PM
شكرا سيدى الكريم الاستاذ الهاشمى وزادك الله علما : نعم السودان بامكانياته وموقعه الجغرافى المميز القريب من اسواق الاستهلاك لمنتجاته وموارده الهائلة كان مرشحا لان يكون اميركا افريقيا والعالم العربى لو كان قد حافظ على دولته الاصلية القديمة ولكن ضم الجنوب والذى كان يتبع ليوغندا والحاق دارفور اقعدا به قعدة الكسيح واصرار الساسة من بعد بالحفاظ على الحدود التى رسمها لنا المستعمر الحق بالبلاد اذى كثيرا وادخلنا فى جحر ضب وكما تقول الحكمة الشعبية( الطمع ودر ما جمع )والان حتى الرجوع للحدود القديمة والحفاظ عليهااصبح من الصعوبة بمكان الا ان يقدر الله ذلك ولكنه ليس مستحيلا اذا توفرت النوايا الحسنة والارادة السياسية ولابد ان شعبنا سيصحو يوما ما ويلقى بالشعارات الهلامية والاحلام الرومانسية جانبا ويستعيد صوابه ويعود الى مثلثه القديم ويبنى امريكا المصغرة جغرافيا والكبيرة اقتصاديا باذن المولى الواحد القهار من اجل مستقبل اجيالنا الذين نتمنى لهم العيش فى اجواء امنة ومستقرة وعيش رغيد ام نحن فقد مضت اعمارنا فى انتظار احلام لم ولن تتحقق ابدا .


بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة