فتحة راس
06-25-2010 07:06 PM

فتحة راس

عبد الحفيظ مريود

* كنت أقول لصديقي ناصر السيد النور ، المغترب مترجما بالمملكة العربية السعودية كلما هاتفني ، حاضا له على العودة ، مقطع لمحمود درويش يقول \"القمح مر في حقول الآخرين .. والماء مالح..\" وذلك ليقيني الثابت الذي أحمد الله عليه بأن الذي تجده في بلادك مهما صغر أو حمض لهو أكبر و أحلى مما تراه وتجده في بلاد الآخرين ، ويبدو أن الذي يدفع الناس الى هجران بلادهم أمر من البلاد فيتجرعون مرارات لا نعلم عنها شيئا عافانا الله وشفاهم.

* والمرارة التي أشعرني بمكابدتها الزميل / الجار الطاهر ساتي أمس ، وهو يكتب عن \"سحل\" الشرطة اللبنانية لإخوان سودانيين أقاموا حفلا خيريا لصالح طفل سوداني مريض بالسرطان جزء من مرارات \"القمح في حقول الآخرين\".

* الطاهر ساتي مفجوع بسبب ما عانى منه أبناء جلدته ، سحلا على ساحل المتوسط ، وشتما بـ \"العبيد\" ولم أفهم هل الذي فجع ساتي هو السحل أم الوصف \"الطبيعي\" .. فالأسود عند العرب من قديم الزمان أيام الجاهلية هو \"العبد\" ضربة لازب.. لا مجال أصلا لتجاهله أو تحسينه وقد كان عنترة بن شداد الذي يرجح أنه نصف سوداني لجهة أمه أكثر شعراء الجاهلية إبرازا لوضعية الأسود في الثقافة العربية . وحتى عندما جاء الإسلام ظل التمييز واضحا بين \"العبد\" و \"المملوك\" فالآخر : \"المملوك\" هو الذي يميزه اللون عن العبودية \"اللفظية\" ولكن هي صفته \"العملية\" والواقعية في المجتمع . أما الأسود فلا مجال له إلا أن يكون \"عبداً\" شاء أم أبى .

* أرجح من جهتي أن الذي فجع الطاهر ساتي هو \"الصفة\" التي أطلقها اللبنانيون على \"قومه\" فالشرطة تضرب وتفرق وربما \"تسحل\" هنا في الخرطوم، وليس في مكان بعيد ، حين يتعلق الأمر بالقوانين ، التصاديق ، الأذونات ... الخ .. وليس من فرق بين شرطة وأخرى فالأمر يرتبط بطبيعة \"حفظ النظام\" .. قد تضربك الشرطة في نيويورك أو باريس لأنك أقمت صلاة جمعة في مكان غير مخصص لذلك ودون إذن .. والصلاة ليست مما يضرب المرء جراء القيام به . فالمقصد الذي أقام به السودانيون حفلهم الخيري في لبنان لا يعد عذرا – إذا خالف اللوائح والقوانين التي تحكم البلاد . (ولا علم لي بحيثيات المسألة).

* بقي أن \"حرقة\" الزميل ساتي ناجمة من الثانية ، وهي إطلاق صفة \"عبيد\" على رهط من قومه وهي مسألة تضعنا وجها لوجه أمام السيد الدكتور الباقر عفيف ، مرة أخرى في مسألة جزئية هي محل اتفاق جزئي على الأقل ههنا.

* تقوم نظرية الباقر عفيف على أن \"العرب\" السودانيين الشماليين منهم حين يلامسون \"مركز العروبة\" (ومراكز العروبة هي الخليج – الشام) يصطدمون بأنهم أقل درجة ، أقل هذه ، قد تضعهم في صفة أو خانة العبيد ، وتطلق عليهم الصفة \"عيني عينك\" دون لف أو دوران وهو (هذا تفسير من عندي) الكأس الذي ظلوا يسقونه ردحا من الزمان للآخرين هنا في السودان لمن هم أشد منهم سوادا أو أقل عروبة أو عديمي العرق العربي لأنهم – حسب الباقر عفيف – ظلوا يتحايلون على مسألة اللون هذه بالأخضر \"فلان أخدر\" و \"فلانة خدرا\" وهما في الواقع أسودان أي عبدان وهي مسألة لا تتجلى إلا حين تقارب حدود \"البيضان\".

* الشيء الثاني هو أن هذه الصفة يطلقها العرب على قوم الطاهر ساتي \"أي السودانيين\" ليس في لبنان وحده حتى لا يظلم \"لبنان\" بل في الخليج وفي ليبيا وفي مصر أيضا وعلى الأرجح في أوربا وآسيا وأمريكا. ذات مرة اعتذر لنا دليل سياحي في ماليزيا – مسبقا – إذا صدف – وهو ماسيحدث - أن دعانا أحد بـ\"عبيد\" \"Negros\" فالمسألة ليست لبنانية فقط .

* وحتى لا يحزن الطاهر ساتي فإنني ألتمس من السيد علي كرتي وزير الخارجية أن يفتح سفارات جديدة في الدول الإفريقية \"الشقيقة\" ويعمل على سحب سفارات من بعض الدول العربية \"المحرجة\" لنا – كونها من حين لآخر تذكرنا بحقيقتنا – وذلك في إطار التوازن النفسي الذي قد يساعدنا في فهم سؤال الهوية خاصة بعد الانفصال لا سمح الله ذلك أن الانفصال ياسيدي الطيب مصطفى لن يغير ألواننا ، وسنجد أن أقرب الناس إلينا هم \"هؤلاء السود\".

*لا داعي لأن تعتذر السفارة اللبنانية بالخرطوم ، لكن على لبنان أن \"يمرحل\" الجرعات واعتذاراتي الشخصية لأهلنا الذين تم ضربهم هناك \"وتعالوا البلد واسعة\" واعتذاراتي لدكتور عفيف للاتفاق ، وللطيب مصطفى وتمنياتي لعلي كرتي بخارجية ذات أفق واسع و\"فش\" الله غبينة الأخ الطاهر ساتي.


صحيفة الحقيقة

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1075

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#3283 [صلاح عبدالحق]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2010 12:51 PM
عفوا لقد نزل تعليقي هنا السابق بالخطأ في هذا المكان، فأن أصلا لا أعلق ولا أرغب في التعاطي مع الكاتب عبدالحفيظ مريود، فهو من الذين أختاروا الوقوف في صف الجلاد وهم بكامل وعيهم، وكل كتاباته عبارة عن محاولة تغبييش لوعى لواقع ندركه ونعيشه، فبئس من جعلوا الكتاب (كسير ثلج) ومغالاطات لعين السلطان، فهنئينا لك وقوفك في صف مسار ومهدى إبراهيم وبقية النماذج المستقبحة.


#3256 [صلاح عبدالحق]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2010 10:52 AM
شكرا لثروت قاسم وخالد عويس والسراج وساره عيسى والطاهر ساتى، والذين كتبوا عن الموضوع بالنفس السوداني الحقيقي.

أنتم الكتاب العقلاء من نعول عليكم في السعي لتأسيس غد أفضل، العنصرية في المجتمع اللبناني عميقة جدا ولها جذور ممتدة، ومع ذلك لا نرغب في شتمهم أو سبهم ولكن نرغب في الإعتذار . . نعم وما بعد الإعتذار . نحتاج أن نجعل هذا الشعب اللبناني أن يعرف من هم السودانيين ومن هم السود عموما، وهذا جهد ثقافي وتنويرى كبير.

التهاون مع العنصرية أو أي دعوة للتسامح حاليا مرفوضة كما هي مرفوضة الدعوات للإنتقام أو طرد الرعايا.

يعجبنى الروائي الشاب محسن خالد ففي روايته (تيموليلت - سيرة وحجر) كتب بأنه كان على وشك الدخول على أحد الفنادق عندما صادف عند بوابة الفندق شاعر عراقي أشتهر بعنصريته تجاه اللون الأسود وكان هذا العنصري كلما رأي محسن خالد تذكر بأن العبد لا يشترى إلا والعصا معه، تقدم نحوه خالد وحصره في أضيق زاوية وبالكاد إستطاع العراقي المأمون المرور وعيناه لا تفارقان الأديم فهو لن يجرأ أن يرفعهما في وجه محسن خالد الأسود النبيل، فكذلك باب الإيلام الجسدى سيكون حاضرا تلك الساعة من محسن خالد أن تجرأ المتشوعر العراقي بالشكوى وحتى أظهر ضربا لتذمر.

الرمزية هنا أنه دوما يجب أن نحاصر العنصريين في أضيق زاوية ممكنة، فلا يجب أن نترك أن نترك لهم مجال ليمرحوا مجال أو سانحة (على رأي محسن خالد) ليلتقطوا أنفاسهم، فمن ينزعون عنا إنسانيتنا ويهينون بشريتنا فليس لنا منهم إلا ضروب الحصار والتضييق.

العنصري شخص متبلد الأحاسيس فهو كالعين التى أغلقها مرض الرمد ، فلاحرج هنا بتاتا أن ندب فيها أصابعنا مرار وتكرارا فهدفنا أن نعالج رمدها لتبصر مثلما الحال مع العنصري فهو مريض والكي قد يكون علاجا ناجعا في أحيان كثيرة.


#3248 [نور الهدي]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2010 10:27 AM
و الله ياود خالي كلامك ماركب عدلوا .


#3190 [السيد داود]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2010 10:20 PM
منو القال ليك في باريس اونيويورك الشرطة بتضرب المواطنين الا لودا باريس جديد رحم الله الصحفين لو؟كانو مثلك8


#3176 [galadater]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2010 08:21 PM
قال المثل السوداني :
عبدا مركز ولا سيد مجهجه
بعدين السوداني الشمالي حضاره لوحدها...
والشرق حضاره لوحدها .....
والغرب حضارة غرب افريقيا .....
والجنوب الحضاره النيليه.....
المشكله تكمن في فهم الانسان لنفسه
والعارف عزو مستريح زده مثل في المكان المناسب.


عبد الحفيظ مريود
عبد الحفيظ مريود

مساحة اعلانية
تقييم
2.04/10 (16 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة