08-07-2016 01:03 AM


في بحث مطول (السرد والرؤى) كمدخل أو مقدمة لدراسة الرواية والقصة القصيرة في السودان، انجزته قبل سنوات(٢٠٠٣-٢٠٠٦). كنت قد لاحظت أن المشهد (الروائي السوداني) في الثلاثة عقود الاخيرة، يعيش حالة أشبه بالإنفجار الروائي، فما طبع ونشر حتى تاريخ كتابة هذا المقال (٦أغسطس ٢٠١٦)، يفوق بكثير ما طبع ونشر خلال كل العقود السابقة!
وكنت دائما أتصور، أن تحقيق إنتاج نوعي في الرواية السودانية، لابد أن يمر عبر الانتاج الكمي، وعمليات التطور والفرز، التي تفضي الى كتابة نوعية، ذات قيمة فنية وجمالية كبيرة! وهنا ينبغي علينا التوقف عند المشهد السوداني، كمشهد يغيب عنه مفهوم الوسط الفني، بمعنى المؤسسات والوسائط، التي يطرح المنتج الابداعي من خلالها، حيث يتم تقييمه وتحديد قيمته واعادة طرحه للقاريء!!
فخلال المتابعة لسنوات للأصداء التي ترتبت علي هذا الانفجار السردي، لفتت انتباهي مواقف آيدلوجية سافرة، بدرت سواء من نقاد أو روائيين أو محررين في الصحافة الثقافية، ينتمون لأجيال مختلفة، و الحقيقة أن كل هؤلاء وأولئك إنما طرحوا انفسهم بالأصالة أو الإنابة عن الجهاز الآيديولوجي الثقافي الإلغائي للنظام، كسدنة لتراث السرد والنقد وكهنة لمعبد الأخلاق، فخلال حوارات ومقالات واستطلاعات عديدة، شملت هؤلاء، تحدثوا، عن بعض أعمال روائيين وروائيات شباب، كحافظين لتاريخ السرد وتقاليده السودانية (الأصيلة) التي لا يسمونها أو يحددونها في معرض إفاداتهم! ظنا منهم أن السرد شأن قبلي يتعلق بأمن القبيلة وشرفها العذري وأعرافها؟ ما يوحي بأنه يتوجب على أعمال هؤلاء الشباب أن (تتحجب، وربما تصلي ركعتين قبل أن تلج المطبعة) وفي الواقع أن هذه العقليات في تلقي المنتج الابداعي، هي نتاج طبيعي لإنحلال الدولة السودانية وما أحدثه هذا الإنحلال من فراغ ثقافي، وما ترتب على هذا الانحلال والفراغ من فوضى في المشهد السردي موضوع حديثنا، إذ ليس مدهشا ان تجد تعليقا على خروج رواية التسعينيات، على سائد أعراف وتقاليد الرواية السودانية، على نحو ما قال به أحدهم:(مثل هذه الكتابة محاولة لكسب الآخر الأوروبي بحثا عن الشهرة وهي كتابة ليست للمتلقي السوداني والعربي).. وكما يلاحظ على مثل هذه الآراء الفطيرة، التي لا تستند إلى معرفة حقيقية بالسرد، وبطبيعة المشهد السردي في السودان، أنها لاتخرج عن سياق كونها آراء ايديولوجية، تنطلق من مواقف (قيمية- أخلاقية) لا علاقة لها بالنقد الأدبي ولا يحزنون!.. فمسيرة الرواية السودانية منذ أربعينيات القرن الماضي، مرت بكثير من المنعطفات والتحولات في بحر التقليد والحداثة والتجريب، وربما بشرت ورسمت ملامح لمدارس وتيارات لم تكتمل لعوامل عديدة. أهمها عدم إتصال التجربة الإبداعية، في واقع السودان الكبير، الذي تتبدى فيه هذه التجارب كجزر معزولة عن بعضها البعض، في أرخبيل الجغرافيا والناس والتاريخ الإجتماعي والسياسي. وهذا يجيب عن سؤال ان ما طبع ونشر بالفعل، أقل بكثير من ما كتب فعلا، خلال أكثر من ستين عاما. الرواية السودانية من ناحية المرجعية الثقافية تقف في منزلة بين المنزلتين: أفريقيا النبيلة، وآسيا العربية، بكل ما لهذين المرجعين من غنى ثقافي وجمالي، أخذ تعبيره المتميز في مجمل حركة السرد السوداني.. وهنا يأخذ توصيفنا للسرد في السودان ب(السوداني) دلالة حساسة، فهو ليس توصيفا متفق عليه، وربما ذلك يعود إلى أن الفشل في حسم سؤال الهوية الوطنية للسودان (بما هو عليه فعلا، لا كما يريد له المستلبون أفريقيا أوعربيا) ربما أن هذا الفشل الذي جعل الهوية متنازعة بين أكثر من قطب، ألقى بظلاله على توصيفنا للسرد في السودان، ومع ذلك خلال قراءاتي للسرد السوداني عبر سنوات طويلة، تلمست خصوصية في هذا السرد، عن السرد العربي أو الافريقي اذا جاز لنا التعبير، لذا وبكل جرأة استطيع الزعم ان هناك (سرد سوداني) له خصوصيته في ركام السرد الكثيف مؤخرا، في السودان. والذي يمكن أن نطلق عليه (سردا سودانيا) خلال نماذج باذخة، عبرت عن خصوصية هذا السرد خلال الطيب صالح، محمود محمد مدني، مرورا بإبراهيم بشير، عبد الحميد البرنس وعمر الصايم وكثر غيرهم من مختلف الأجيال. قالت أسروداتهم أن هناك سرد سوداني خصوصيته غير مكتشفة بعد، وبحاجة لجهود نقاد حقيقيين، لديهم القدرة فعلا على سبر غور هذا السرد وإعادة اكتشاف قوانينه، وقراءة ملامحه وسماته التي تميزه عن السرد العربي والأفريقي! وبقدر ما أفاد السرد السوداني من أسئلة الواقع المتنازع ما بين الموروث والجديد والوافد، ونهوض أسئلة محايثة كالهوية كسؤال وطني وإنساني كوني.. كأحد الاسئلة المفصلية في رواية السودان، والتي كان الطيب صالح قد عبر عنها في أعماله بدرجات متفاوتة، كما عبر عنها روائيون سودانيون كثر بأجيالهم المختلفة، هذا السؤال هو نفسه سؤال المركز والهامش، فالاخير ليس سؤالا منفصلا بذاته، فهو كسؤال كشف عن موقع شخصيات السرديات السودانية من العالم، او من موقعهم المركزي او الهامشي داخل النص، من هامش أو مركز (ما) في مجتمعاتهم المحلية أو القومية (داخل النص)!.. وهو كسؤال إنطوى على القلق والحوار الفكري و الوجودي المبكر، الذي استشرفه الشعراء فيما مضى و حاولت أبادماك و الغابة والصحراء بما تنطويان عليه من جبال ووديان وقيزان، التعبير عنه، كما ما لبث أن برز (تشكيلا) في مدرسة الخرطوم، ليتقاطع كل ذلك في القصة و الرواية، محطما الفواصل بين أجناس الإبداع، و يتنامى كسؤال خلال مسيرة السرد، لأكثر من نصف قرن، محددا أبعادا جديدة في أسئلة الرواية السودانية.
الرواية كجنس سردي في السودان بحاجة لنقاد يتحلون بالمسؤلية تجاه وظيفتهم كنقاد غير منشغلين بتحسس سراويلهم، وإنما بهذا المنتج الذي بين أيديهم، الذي لا يمكن إختصاره في مشهد جنسي لا يتجاوز أسطر قليلة، بين دفتي كتاب كامل! وبحاجة لوسط معافى من أمراض الغيرة والحسد، ومحاولات الإلغاء!

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1581

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1499520 [العنقالي]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2016 10:02 AM
جميلة عودتكم للكتابة
لا اعتقد انه في ظل نظام كهذا يمكن ان تتوفر مواعين يطرح خلالها مبدع حقيقي انتاجه، كل مؤسسات النظام الرسمي في افريقيا النبيلة واسيا العربية حتى غير الاخوانية تتميز بالبلادة وبشروط الطهارة وضرورة ان يكون الادب مصليا
الهوية كسؤال وطني كوني يبدو لي كسؤال يطرح في غير موضعه او زمانه، هذه اللحظة النقدية مابعد الخداثة ليست مشغولة جدا بهذا السؤال ،اليس كذلك؟
بكل تقدير


أحمد ضحية
أحمد ضحية

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة