المقالات
السياسة
قريتي والفقد السداسي
قريتي والفقد السداسي
08-14-2016 10:29 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل نحو عقدين من الزمان .. ونحن في مجلس عزاء والدي عليه الرحمة والغفران.. لاحظنا وصديقي وقريبي فتحي محمد عيد أن رحيله كان امتداداً لرحيل رموز مرابيعنا في القرية..كانوا مجموعة محدودة..لا وضع اجتماعي يميزهم ..بسيطون ..لكن كل واحد منهم كان يمثل نمطاً خاصاً في المجتمع ..له اعتداده بنفسه وتجربته الشخصية ..اكتسبوها من خلال تجارب حل وترحال وتسفار وتغرب في مصر الثلاثينيات حينها ..ولو أن والدي رحمة الله عليه ..قد أضاف تجربة جديدة بالعمل في تركيا..بالكاد كانوا يفكون الخط ..لكن والدي كان يحكي عن أتاتورك وحضوره رفع أول آذان علني بعده في استانبول..ولم ألامس بعد وانا في ستسينيتي ..ما تأنق به من بدلات وربطات عنق..وصورته بملابس البحر على البحر الأسود..تبعدني سنوات عن تجربته رغم فارق التعليم والمهنة..وهكذا طفقنا نحسب الراحلين اسماً تلو الاسم ..حتى رحلوا جميعاً كل بسمته المميزة..تغشاهم رحمات رب العالمين
رحل عن الفانية بعدهم كثيرون..لكن هذا العام ..قد شهد رحيلاً سداسياً لرجال بنفس القدر كانوا رموزاً وإن اختلفوا عن أولئك..فاروق سليل آل أيوب في وجاهة سني شبابه وحسن هندامه الذي لا يتكلف من أجله..فالرك على الشماعة كما يقول المثل..ومع ذلك يتجول ناظراً للغيط حاسماً لا يعرف المجاملة ولا قاسياً يظلم مزارعا..وكانت الفاجعة المرة بعده في رحيل الاستاذ لؤي..الذي لم يفارقه لقب الاستاذية رغم أنه ترك المهنة وتغرب وجال قبل أن تخذله كُلاه..ومع زراعتها قضى بقية عمره مبذولاً للقرية ولكل الناس..ثم كان رفيقه في أنشطة لجان القرية ..بكري عثمان ..نمط قائم بذاته ..عمله في اللجان لم يكن بالضرورة لتوجه سياسي..لكن رضوخاً للأمر الواقع..فهو يحب خدمة الغير حتى صار مرجعاً في كل شئ..ورحل تاركاً فراغاً قال أحد الشباب..أن القرية ستحتاج إلى عشر سنوات إضافية لتأتي بمثله.. لكن العشرة أيام الأخيرة ..استأثرت بأستاذنا علي كبارة..الذي كان رمزاً آخر يصعب الاقتراب منه وتصويره.. فمن يتجرأ وقتها من الاقتراب من مدير مدرسة متوسطة؟ فالهيبة لم تكن مصطنعة..بل أصيلة من جانب ..ومكتسبة من جانب آخر..من طبيعة المهنة وعزها ومكانتها حينها..ثم كانت دراما الفقد في الجمعة الماضية..عبده فتحي المعروف لمجايليه في الجامعة بعبده سري ..شديد الاعتداد بنفسه ..لم يأبه بمشاكسات أقرانه له في شعره..من حلفا المصرية حتى أصبح خريجاً زامل حسين خوجلي ويكتب عنه كثيراً صلاح عووضة ..وسعى إلى الماجستير في الفلسفة..وكما دون عنه صديقي الدكتور أحمد صالح..فقد عمل معلماً مجيداً للغة العربية..حتى ضعف بصره..وصارت زوجته الصابرة دليله في كل مشاويره ..تشهد لها أسواق حلفا بالوفاء..لكن للأقدار سخرية عجيبة ..فقد كان صالح علي يتلقى العزاء في عبده..ورأي بعد الافطار أن يستعد لصلاة الجمعة ..واستلقى لأخذ قسط من الراحة ..فارتاح أبدياً ..فقد وجدوه مفارقاً للحياة عند إيقاظه..وصالح ترزي القرية الذي كان الأطفال والرجال ينتظرونه حتى صباح العيد..ولك أن تتخيل أنني ما لبست من غير تفصيله من الأولية وحتى عهد قريب..إلا بعد منعه بواسطة الطبيب..ومع ذلك ..كان من تغنى باسمه مشجعو فريق الوحدة..نتاج الاهتمام والتطور الاجتماعي في السبعينيات ..حرك نشاطه عبده محي الدين من دبروسة أطال الله عمره..كان هو الجناح السريع..ورغم أن الفريق كان يفقد خدماته بسرعة في بدايات المباريات..فالرجولة لا تنازل عن قيمها ولا يرضي محاولات أمساكه من الشورت لإيقافه ..فيرد سريعاً على طريقته لينال البطاقة الحمراء من الدولي الراحل صالح لبوت الذي يضحك وهو يشهر البطاقة في وجهه.. ونغني بعد الانتصار ..(الوحدة الوحده ساله الي ) بعد أنت تكون النوبية قد فعلت فعلها في نطق اسمه ..يا الله كم كانوا في غاية الوسامة نماذج مختلفة ..تعبر عن حيوية مجتمع نسأل اله أن يرعاه..اللهم أرحمهم جميعاً وأحسن مثواهم وارزقهم اعلى الجنان وأنت على ذلك قدير..وإنا لله وإنا إليه راجعون

muamar61@yahoo.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1292

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




معمر حسن محمد نور
معمر حسن محمد نور

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة