المقالات
السياسة
الإستراتيجية الأمريكية تجاه جنوب السودان أثرها على الأزمة
الإستراتيجية الأمريكية تجاه جنوب السودان أثرها على الأزمة
08-16-2016 11:25 PM


لا يمكننا الحديث عن الدور الأمريكي الكبيروالمؤثر حيال مجمل القضايا العالمية دون التطرق إلى إستراتيجتها وخططها الرامية إلى فرض سيطرتها الكاملة على العالم، بما في ذلك الدول التي تشاركها الآن الريادة والقيادة والقوة الشاملة؛ فمصطلح (إستراتيجية) على الرغم من قدمها وإختلاف ميادينها ومجالاتها على مر العصور، إلا أن القادة السياسيين الأمريكيين هم من بدأوا بتعريفه والتنظير له بهذا الفهم الواسع الشامل الذي نراها به الآن. فللمدرسة الأمريكية شأن في هذا المجال وتعتبر أمريكا أول من قام (بنفض التراب) عن هذا المصطح، فقد جاء في قاموس الجيش الأمريكي في سنة 1959م أن الإستراتيجية تعني " فن وعلم إستخدام القوات المسلحة للدولة بغرض تحقيق أهداف السياسة العامة عن طريق إستخدام القوة أو التهديد بإستخدامها"، وقد بلغت أمريكا شأواًً بعيدًا في تحديد مفهوم الإستراتيجية على مدى العقود الماضية، تبعاً لتطورها المستمر.
لقد نظرت أمريكا إلى العالم الجريح والذي خرج للتوّ من حرب قضت عليه، كغنيمة سائغة يجب إغتنامها وإعادة تشكيلها، فبنت لذلك برنامجاً إستراتيجياً محكماً قائم على الإهتمام بالأمن القومي الأمريكي كهدف قومي وقيمة وطنية لا تقبل التهاون وحماية الأراضي والمصالح الأمريكية من عالم (همجي) وقع في حرب مدمرة مرتين خلال 30 سنة (1914 – 1945) وربما تدعوه همجيته مرة أخرى إلى خوض غمار حرب أخرى أشدّ فتكاً بالبشرية. ومنذ ذلك الحين وأمريكا تسعى جاهدة لإنزال رؤيتها إلى أرض الواقع بإتخاذ سياسات على شاكلة (الذراع الطويلة) التي إستخدمتها في حربها في أفغانستان وسياسة (شد الأطراف) في السودان في (جنوب السودان) سابقا والآن فيما تبقى من (المليون ميل مربع). أما فضيحتها – وليس حربها - في اليابان، فإنها تسمى سياسة (لي الذراع)، كما إستخدمت سياستها الإقتصادية التركيعية لأول مرة في أوربا بتبرعها بمليارات الدولارات لمشروع إعادة إعمار ما دمرته الحرب في أوربا أو ما يعرف بـ(مشروع مارشال)، وهو التبرع الذي لم تدفع فيها حكومة الولايات المتحدة (سنتاً) واحداً من مواردها الإقتصادية الحقيقية، وإنما (رزم من أوراق الدولارات) التي لا توجد لها مقابل أو تغطية فعلية من الذهب، وهو ما يُعرف لدى الإقتصاديين بسياسة (تاجر الحمير)، أما إستراتيجيتها تجاه بقية العالم فقد قامت على تأمين البحار، فقامت بإنشاء (الأسطول السادس) كأسرع قوة مسلحة موجودة على وجه الأرض لحماية مصالح أمريكا في كل العالم ولضمان سرعة الوصول إلى أي تهديد لها في أي وقت، فظهرت أسطورة مشاه البحرية (المارينز) والتي تُوسَم بأنها لا تقهر، كما إستطاعت من أن تنتزع حلف (الناتو) من أيدي قادة أوربا الغربية، وهو حلف نشأ في أوربا للوقوف أمام المد الإشتراكي السوفيتي بواسطة دول هولندا ولوكسمبورغ وغيرها. أما حربها في العراق فإنها قد قامت بتطبيق نظرية قديمة من نظريات الأمن القومي الأمريكي تسمى (الردع)، وهي من النظريات التي لا تُعوِّل عليها أمريكا كثيراً لتكلفتها الكبيرة وإنهاكها للخزانة الأمريكية.
ومن السياسات التي إستخدمتها أمريكا من خلال إستراتيجيتها سياسة (المخزن)، وهي السياسة التي تقوم بها حالياً تجاه جنوب السودان ودول شرق وسط أفريقيا (القرن الأفريقي)، حيث تنبني النظرة الأمريكية حيال أفريقيا وبعض دول الشرق الأوسط على أنها مخزن للموارد التي يجب أن تُستغَل ويستفيد منها الشعب الأمريكي في الوقت الذي يحتاجونها فيه. ولعل هذه الناحية هي ما جعلت سياستها تجاه أزمة جنوب السودان الحالية يغلب عليها طابع الجمود والفتور، فعلى الرغم من معرفة إدارة الرئيس باراك أوباما بكل ملابسات الأحداث منذ 15 ديسمبر 2013م إلا أن ردة فعلها لم تتجاوز إرسال طائرة حربية لإجلاء رعاياها من جوبا.
لا شك إن الديمقراطية التي تنادي به الولايات المتحدة وتعمل على إرسائها بالقوة والجبروت في العالم هي ذاتها الديمقراطية المعروفة في علم السياسة بحكم الشعب لنفسه، لكن يبدو المفكرين والساسة في مجال السياسة الدولية فطنوا منذ قت مبكر إلى إستحالة تطبيق الديمقراطية بشكلها المثالي في كافة الدول بذات المنهجية والوسائل والشكل، فإختلاف المجتمعات ودرجة وعي الجماهير والتفاوت في ممارسة الحريات العامة، يعتبر أهم الأسباب التي أدّت إلى تراجع الكثير من الدول عن هذا الفكر السياسي الحديث. فأمريكا من الدول التي لا توجد فيها أغلبية أو أقلية برلمانية في الكونغرس الذي يمثل أعلى سلطة تشريعية، أو في بقية المجالس النيابية المتخصصة، فكل الأحزاب تُمَثّل وفق دوائرها في الكونغرس الأمريكي، لكنها إبتدعت في دستورها المصادق عليه في العام 1791م مؤسسات ودوائر حكومية تعمل جنباً إلى جنب مع (البيت الأبيض) لتمرير الساياسات التي قد يعترض عليها أعضاء البرلمان، فوزارة الدفاع (البنتاغون) ومستشارية الأمن القومي وجهاز المخابرات الـ (CIA) وغيرها، لا تقل في بعض السلطات الممنوحة لها عن مؤسسة الرئاسة في البيت الأبيض، فهي تعتبر مؤسسات تم إبتداعها للإلتفاف على الديمقراطية المزعومة لأمريكا وللخروج من أي مزلق أو إحراج تجد نفسها متورطة فيه أمام الشعب الأمريكي.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كدولة لم تتجاوزها عمرها القرنين ونصف القرن بعد، ولا يمكن مقارنتها مع الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، إلا أنها إستطاعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من أن تتخذ من هزيمة معسكر (المحور) وزهو إنتصار (الحلفاء)، سلماً ترتقي به إلى فرض سيادتها على العالم كبديل لتلك القوى التي خارت قواها جراء حربين كونيتين أزهقتا أرواح الملايين من البشر ودمرت أوربا وساوت كبرى مدنها بالأرض وإنهارت إقتصادياتها.
لجأت الولايات المتحدة منذ الحرب الباردة (1945 – 1991) إلى تقليص نفوذ روسيا في العالم، حيث لم تكن تلك الحرب - غير التقليدية - صراعاً تكنولوجياً لغزو الفضاء بين القطبين فحسب، وإنما كانت لإعادة تقسيم العالم من جديد بعد أن فشلت الهجمة الأوربية على القارة الأفريقية في القرن التاسع عشر، وبدأ الوعي الجمعي لشعوبها بالتنامي منذ وقت مبكر من القرن التالي، وبلغت ذروة الثورات التحررية الأفريقية أوجها منتصف القرن العشرين.
وتعتبر الولايات المتحدة في تخطيطها الإستراتيجي الحديث نحو إفريقيا أوغندا اللاعب الأساسي في المنطقة، فإسرئيل التي هي حليفتها تريد أن تضع منطقة البحيرات العظمى صوب أعينها، أما الدول العربية فإن خطر التمدد الشيعي نحو أفريقيا من أكبر همومها في الوقت الراهن على الرغم من وقوف تركيا إلى جانبها مما يحسب على أنه لا يعدو كونه (نصرة السنيين) بعضهم بعضاً. لكن أوغندا نفسها كخيار للولايات المتحدة ليس هو الأوحد ولكنها الأفضل حتى الآن، فقد أرادت أمريكا أن تفصل جنوب السودان لتضع نفسها في المسافة الفاصلة بين العرب بكل ما يمتلكون من رؤوس أموال متنامية، والأفارقة بما لديهم من ثروات طبيعية عديدة لم تستغل بعد، لتكون المعادلة الأصعب هي : كسب ود الأفارقة على حساب منطقة الخليج العربي التي تمتلك أكبر إحتياطي للبترول في العالم تقدر بـ 84% على وجه التقريب. فنظرة الإدارة الأمريكية للقارة السمراء قد إختلفت منذ خروج جيوشها المذل من (مقديشو) على أيدي المليشيات الصومالية في 1991م، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تحترم تاريخ الإستعماري لحلفائها (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا) - على وجه التحديد - وكذلك حرصها على عدم التعرض لمصالح تلك الدول في إفريقيا بما يشمل مستعمراتها القديمة ومصالحها الحالية، إلا أنها حاولت في أعقاب الحرب الباردة أن تجد لها مكاناً في أفريقيا خلال هذه الحقبة التي تسمى (ما بعد الكولونيالية)، إلا أن هزيمتها في العاصمة الصومالية (مقديشو) على أيدي ميليشيات الرئيس الصومالي السابق محمد فرح عيديد – كما ذكرنا سابقا، تعتبر من العوامل التي جعلتها تتخذ سياسة جديدة تقوم على المشاركة والتعاون مع إسرائيل حليفتها، أما التقاطع الذي حدث في مصالحها في السودان مع الصين – الوافد الجديد على الدول الكبرى – فإن الولايات المتحدة من الناحية الفنية والتكنولوجية شريكة الصين في إستخراج نفط السودان في عام 1998م، وتعمل الشركات الماليزية والهندية والخليجية في مجال النفط من داخل السودان بعلمها وموافقتها، وهذا ما لا قد يعرفه الكثيرون – للأسف !!
أعطت الولايات المتحدة لـ(أوغندا) - كمكافأة لها - ميزة إحتكار التجارة في جنوب السودان، فقد قامت ضمن (برنامج المعونة) التي تسمح لها بمساعدة حلفائها بتشييد طريق (كمبالا – جوبا) بدلاً من أن تفتح الجسور القديمة مع السودان، فخطوط السكك الحديدية السودانية تصل حتى منطقة أويل بشمال بحر الغزال، أما الطرق البرية فقد إستطاع السودان من أن يقوم بربط مدينة (ربك) في النيل الأبيض بمدينة (الرنك) في ولاية أعالي النيل الجنوبية بطريق مسفلت ضمن الطريق القاري (الإسكندرية – جوهانسبيرج)، فأوغندا حليف إستراتيجي مؤقت للولايات المتحدة في المنطقة، ويتم إستخدام الرئيس يوري موسيفيني في هذا الجانب كـ(مخلب قط) ومنسّق برنامج إيجاد بديل للرئيس (سلفا كير) بعد الإنفصال، فما حدث بعد ذلك أن أمريكا عقدت (إتفاقية دفاع مشترك) بين الجيش الشعبي والقوات الأوغندية في العام 2011م يقوم بموجبها أوغندا بإدخال قواتها إلى جنوب السودان تحت ستار مكافحة (جيش الرب) المعارض للنظام الأوغندي. وإذا علمنا أن جيش الرب المدعوم من أمريكا يتركّز وجوده في الأراضي الكنغولية أكثر منه في الشريط الحدودي بين أوغندا وجنوب السودان، فإن أسرار مخطط السيطرة الأمريكية على جنوب السودان الذي يراد لها أن يتم الآن لن تكون خافية على أحد. وهذا هو التبرير الذي تقول به حكومة جوبا حيال التدخل الأوغندي في الأزمة الحالية التي أعقبت إتهام الرئيس سلفا كير لنائبه السابق د. ريك مشار بالتخطيط للإنقلاب على الحكم بالقوة المسلحة. لكن ما لا تريد أوغندا أن توضحه في هذا الشأن هو أن أمريكا تريد منها القيام بالقضاء على الرئيس كير ونائبه مشار معاً، وإقتراح بديل ثالث من غير العناصر الموجودة في سدة الحكم والمعروفة لديها سلفاً، وهذا ما يفسّر سر التدخل الأوغندي إلى جانب كير والزيارات المتكررة لأركان الجيش الجنوبي لأوغندا.
وإنطلاقاً مما سبق، فإن نظرة القائلين بأن أمريكا تعمل على تجهيز السيد (باقان أموم) ليكون خليفة سلفا كير يشوبه شيء من قصر النظر وعدم الإلمام بالإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وأموم صحيح الآن هو في الولايت المتحدة وهو صاحب علاقات متينة مع نافذين في إدارة الرئيس أوباما، إلا أن الدكتور ريك مشار أيضاً يعتبر من الذين يتمتعون بصداقات وعلاقات واسعة مع ذات الدوائر، لكن أمريكا لا ترى في أيٍّ من الرجلين بديلاً يمكن أن يخلف (كير) في الوقت الراهن، بل تفضل أن يظل كير رئيساً في حال تعذّر إيجاد بديل له، فليست الولايات المتحدة الأمريكية التي فصلت الجنوب، مَنْ بهذه العجالة تترك كل ذلك الجهد نهباً لصراعات قد تطول كثيراً.
إن الرؤية الأمريكية تجاه السيدين (مشار وأموم) تقوم على تفسيرها لتاريخهما، فمشار – بحسب أمريكا – أقرب الساسة الجنوبيين للخرطوم، وسبق أن قام بتوقيع إتفاق سلام مع النظام السوداني الحالي في العام 1997م أسفر عن العديد من المكاسب للسودان كتأمين إستخراج البترول من المناطق الجنوبية وحصر الحركة الشعبية في شريط حدودي ضيق محازي لدولتي أوغندا وكينيا، وخلق حالة من الإستقرار النسبي في كبرى المدن الجنوبية، أما من جانب الجنوبيين ومشار فإن إتفاقية الخرطوم للسلام قد خلفت بعض المكاسب التي تحسب على تاريخ الرجل حتى اليوم، فقد أفرخ إتفاقه مع النظام السوداني حياة سياسية شبه مستقرة لجنوبيي الداخل، فإنتظموا في أحزاب سياسية بعد إجازة قانون (التوالي السياسي) الذي إبتدعه المفكر الإسلامي الراحل د. حسن عبد الله الترابي، وقام مشار نفسه بتأسيس حزب (جبهة الإنقاذ الديمقراطية المتحدة)، كما قامت مجموعات أخرى بتأسيس أحزاب مارست السياسة على مستوى البرلمان والجهاز التنفيذي للدولة والجامعات السودانية. أما أموم فهو الأمين العام للحركة الشعبية السابق، وهو الذي عوّلت عليه أمريكا في فصل جنوب السودان، لكن يُعاب عليه عدم التبعية وقوة الرأي، فهو لدى الإدارة الأمريكية ممن لن يقوم بتنفيذ أجندة أمريكا وحليفتها إسرائيل، كما تتشكك الإدارة الأمريكية في أن يقوم برعاية مصالح الدول الصديقة لها في المنطقة. ويعرف عن أموم خلفيته الإشتراكية منذ دراسته في كوبا بداية تسعينيات القرن الماضي، وهو الأمر الذي تخشاه أمريكا في أموم أكثر من أي سبب آخر. وهكذا تريد أمريكا أن ترهن قرارات الشعوب الأفريقية لقادة ضعاف يتبعون لها ويأتمرون بأمرها، وهو ما لا تراه في مشار أو باقان.
إن الحادث المأساوي الذي تعرض له مؤسس الحركة الشعبية (دكتور جون قرنق) وهو في طريقه من أوغندا إلى جنوب السودان في 2005م بُعَيْد تأديته لليمين الدستورية نائباً أولاً للرئيس السوداني عمر البشير، من القضايا التي يجب أن يُنظر إلى أبعادها بشيء من التبصُّر والروية، فأمريكا لم تبادر بأي خطوة للتحقيق في الحادث على الرغم من دعمها السخي للفقيد قرنق، وإنما طلبت من روسيا أمر التحقيق في الحادث على أن تعرض لها النتائج قبل إعلانها بحجة أن الطائرة المنكوبة من صنع روسيا، كما لم تقم في ذات الوقت من أن تستوضح سفارتها في كمبالا عن ملابسات الحادث كما كان يحدث في كل مرة (تفجيرات سفاراتها في دار السلام ونيروبي في عام 1998م ، نموذجاً)، حيث نشطت السفارة الأمريكية في كمبالا منذ الساعات الأولى من التفجيرات إلى معرفة هوية الجهة التي نفذت العملية، ولم نشهد زيارة مسئول أمني أمريكي لأوغندا بعد إعلان نتيجة تحقيقات سقوط طائرة قرنق، وبطبيعة الحال لم تُقدِم الولايات المتحدة على القول بصحة نتائح التحقيق من عدمها..!!
ومن جانب آخر، لم تقم الإدارة الأمريكية بتعيين الجنرال المتقاعد (سكوت غرايشون) سفيراً لها في جنوب السودان أو وزيراً لخارجيتها كما كان متوقع عقب إنفصال جنوب السودان، فـ(غرايشون) معروف كشخصية قوية ووفاقية في الدوائر الأمريكية وسبق أن تم تعيينه مبعوثاً للسلام في السودان للقيام بأدوار معينة تنتهي بإنفصال الجنوب، وقد وضح التسويف الذي مارسته أمريكا – الراعية الرسمية لإتفاقية نيفاشا – من خلال الأدوار السالبة التي قامت بها أثناء تنفيذ الإتفاقية نفسها، فقد بدأت منذ العام 2007م في تجهيز مكتب لها في جوبا لتنسيق شئون رعاياها، صار لاحقاً سفارتها في الدولة الوليدة، على الرغم من وجود سفارة لها في العاصمة الخرطوم، كما قامت في ذات الوقت بتفعيل برنامج (المعونة الأمريكية) التي تُمنَح للدول الصديقة لها ذات السيادة والإستقلال الكامل، ففي محور الأمن الدفاع قامت بإرسال فنيين على أعلى مستوى بموافقة (البنتاغون) لتقديم خدمات الإستشارة العسكرية لقادة الجيش الشعبي منذ عام 2008م وحتى اللحظة، وشملت المساعدات الأمريكية برنامج شامل لتأهيل الموظفين الجنوبيين في برامج تدريبية تتم خارج وداخل البلاد ودعم الحكومة الإقليمية ليس بالمال فحسب، إنما بالسلاح وكامل العتاد الحربي.
إن مهمة الرئيس الأوغندي الأساسية التي أوكلتها له أمريكا في هذا الوقت هو إيجاد بديل لحكم جنوب السودان وفقا للشروط الأمريكية، فموسيفيني مطالب بتنفيذ ذلك بصورة مباشرة، ونعتقد أن ذلك ما جعله يقترح للإدارة الأمريكية شخصية جنوبية (مغمورة) لكنه ممن تنطبق عليه شروط كالطاعة العمياء والتفاني من أجل خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، ويبدو أن موسيفيني قد رأى في رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي الحالي الفريق (فول ملونق) ضالته، ولم تُبدِ الإدارة الأمريكية حتى الآن رفضاً أو قبولاً بالرجل، لكن الرئيس الأوغندي لا بد له من أن يثبت لرؤساء البيت الأبيض أن (ملونق) جدير بأن يُمنَح فرصة لقيادة جنوب السودان، ولذلك قام بإتاحة كل إمكانات الجيش الأوغندي لـ(ملونق وجنوده). ولا يخفى على أحد التدريب والدعم الذي تجده المليشيات التابعة لرئيس أركان جيش جنوب السودان وعلى رأسهم ميليشيا (مثيانق أنيور) و( وتيت بنج) وغيرها من خلال أوغندا، حيث توجد في كمبالا معسكرات لتدريب هذه الميليشيات جنباً إلى جنب مع عناصر الحركات المسلحة السودانية.
من جانب آخر أوغندا تريد لها وضعية (تماس) مع السودان، فهي تعتبره العدو الأول لأمنها، حيث كانت أوغندا نفسها تمثل العمق الأمني الجنوبي للسودان قبل الإنفصال، وقد شكلت دولة جنوب السودان عائقاً دون أن تصل أوغندا إلى تهديد الخرطوم إلا من خلال الحركات المسلحة السودانية، والتقارب الذي يحدث حالياً بين جنوب السودان وأغندا أحد المخططات التي تتبعها نظام يوري موسيفيني لتركيع الخرطوم لتصفية حسابات قديمة بينهما ترتبط بإيواء كل طرف عناصر معارضة الطرف الآخر.
إن إفريقيا على وجه التحديد ستظل في مدرسة الفكر الإستراتيجي الأمريكي، (مخزناً) لموارد ابناء الشعب الأمريكي، وستظل الحكومات التي ترفض أي شبهة لمحاولة تطويع أمريكا لها حبيسة العقوبات الأمريكية أُحادية الجانب كما السودان، فهل سينتهج جنوب السودان ذات الطريق المحفوف بـ(أشواك) الصلف الأمريكي، أم أن (أشواق) الوحدة التي بدأت تترى بين شطري السودان ستنقذ الموقف؟!
سنرى ...

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2255

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




إستيفن شانج
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة