08-25-2016 02:32 AM


بورما ... البﻼد التي عرفها العالم بالحروب اﻻهلية والدينية الدامية منذ استقﻼلها من اﻻستعمار اﻻنجليزي بنضاﻻت وتضحيات ابنائها المثقفين والسياسيين في ذلك العهد الثوري، لم تتمكن هذه البﻼد من التحول الي دولة مستقلة متقدمة سياسيا واقتصاديا، بل انتكست وباتت فريسة اﻻنظمة الدكتاتورية البوليسية، وانتشر الفساد والظلم والتفرقة العنصرية علي اساس الجنس والدين، ولما سادت سيطرة الجنراﻻت علي السلطة بالمجلس العسكري الباطش احترق فيها الاخصر واليابس، ولم تشهد بورما انتخابات ديمقراطية إﻻ في العام 1990م والتي اكتسحتها الرابطة الوطنية للديمقراطية، لكن لﻸسف رفض الجنراﻻت بقيادة حزب اتحاد التضامن والتنمية اﻻعتراف بنتائجها، واستمر الحال علي حاله إلي مطلع العام 2011م عندما تصاعد الحراك الشعبي الثوري وفتحت السجون ابوابها للثوار المطالبين بالحرية والعدالة والديمقراطية، فأظهر الجنراﻻت موافقتهم علي اجراء اصﻼح سياسي يتيح الفرصة للشعب البورمي ﻹنتخاب قيادة سياسية جديدة تمثله وتعكس ارادته الحرة في ممارسة ديمقراطية يشرف عليها المجتمع الدولي، وبالفعل دخلت بورما في عملية انتخابات تشريعية شاركة فيها المعارضة علي رأسها مرشحة الرابطة الوطنية للديمقراطية السيدة (أونغ سان سو تشي) إبنت المناضل البورمي الجنرال (سان سوكي) الذي شارك في الكفاح الوطني حتي استقﻼل بﻼده، وولدت أونغ في العام 1945م، وتخوض اﻻنتخابات بعمر ناهز السبعين عام، وكانت حكومة بورما قد اودعتها اﻻقامة الجبرية في العام 1989م بعد تكثيفها الدعوة الي قيام نظام ديمقراطي يعبر عن اشواق شعبها، ويذكر انها نالت جائزة نوبل للسﻼم في العام 1991م وترفع أونغ تشي شعار ‏( التصويت من اجل التغيير) وتدخل به الي ساحة اﻻنتخابات التي شارك فيها اكثر من %80 من اصل 30 مليون ناخب بورمي، واحرز حزبها رقم قياسي يقدر %75 أهلها ذلك للتفوق علي منافسيها في اﻻنتخابات التشريعية التي وصفتها دول اوربية (بالتاريخية)، رغم انها نسخة تجريبية شابتها بعض اﻻخطاء الفنية، إﻻ انها محل دراسة لتقيمها بالنظر الي الظروف السياسية بالغة الصعوبة التي تحيط بدولة بورما وارثها التاريخي وتركيبتها اﻻجتماعية ومحدودية ممارسة الديمقراطية فيها، وكذلك تحليل البيئة التي يجب ان تنمو فيه ديمقراطيتها ووصع إستراتيجية مستقيمة لحمايتها من لصوص الديمقراطية، ولنا في بﻼد السودان سلسلة تجارب ديمقراطيات متقطعة لكن ﻻ يستهان بها، ولنا إرث ثوري قديم ومتجدد يمكننا أن نحمي به الديمقراطية عند نيلها بعد رحيل النظام اﻻنقاذي الحاكم، ونستطيع ايضا اﻻستفادة من التجارب البشرية اﻻخرى في كل انهاء العالم، فالمدخل الرئيسي لتثبيت الديمقراطية في دولتي السودان وبورما هو اجراء المصالحة اﻻجتماعية واﻻنتقال الي دولة مواطنة بﻼ تمييز واحترام الحقوق السياسية والثقافية لكل المجتمعات وحمايتها بنصوص قانونية صارمة، والفصل بين السلطات الثﻼثة التشريعية - التنفيذية - القضائية وتحرير السلطة اﻻعﻼمية باعتبارها السلطة الرابعة التي تحمي الديمقراطية، والدولة الديمقراطية الحديثة من اهم مرتكزاتها وجود دستور متقدم طبقا للنماذج العالمية المتعارف عليها ليحكم به الشعب ويحقق التوالي السلمي علي السلطة وتبسط فيه الحريات السياسية والدينية ويمهد لإستقرار الديمقراطية لتنامي اﻻقتصاد بشكل سريع والذي يجب ان يتقاسم المجتمع فوائده بالتساوي حسب التعداد السكاني ونسبة الدخل القومي للدولة وميزانيتها السنوية، وسينتج ذلك مجتمعات اكثر تقدما ومواكبة للحداثة في شتى المجاﻻت، وسوف يفتح اﻻبواب امامها لﻺبداع في الشؤن العلمية والعملية وسيبدأ التطور في الفنون السياسية والثقافية عبورا الي عهود النورانية وتعبيرا عن الحضارة الانسانية ووصولا الي الرفاهية، وهذا ما قد يحدث في بورما إن استقر الوضع هناك، وسيحدث في السودان خاصة وان السودانيين يتجهون الي الحوار الشامل من اجل الديمقراطية والعدالة اﻻجتماعية وبناء دولة القانون المدنية ويجب أن يبدأ الحوار بخطوات ممنهجة واضحة المعالم وفي حلقات متصلة ببعضها البعض وتدور في فلك البحث عن سلام شامل وعادل لا يترك شاردة ولا واردة إلا وحل عقدها وفكك قيدها، ومن هنا تأتي ضرورة جلوس الاطراف المتفاوضة في اجتماع تحضيري يقام بمقر اﻻتحاد اﻻفريقي في العاصمة اﻻثيوبية اديس ابابا، ويناقش عدت ملفات تمثل الخطوط العريضة التي يجب التفاوض حولها من بينها الوضع اﻻنساني وإيصال المساعدات الي متضرري الحروب في دارفور والنيل اﻻزرق وجنوب كردفان وبناء مؤسسات مهنية وحل مشكﻼت السودان السياسية والاقتصادية ومعالجة تدهور حقوق الانسان وتفشي القتل المجاني في كل بقاع البلاد، وغيرها من لوازم قيام الحوار السلمي المتكافئ، وهذا طريق لتحقيق السﻼم واﻻتحاد الوطني الديمقراطي، ﻹنتشال السودان من ازماته الممتدة والتي ترجع لعهود سحيقة مظلمة من تاريخ السودان منذ استقلاله وإحداث نقلة نوعية في العﻼقات الخارجية والتأسيس لنهضة اقتصادية تجعل السودان في مصافي الدول المنتجة والمؤثرة في محيطها اﻻقليمي والدولي ، إن الحل السياسي الشامل للصراعات التي تنشب في أي دولة علي خارطة الكرة اﻻرضية هو الحل اﻻمثل، ويكون بالحوار التكافئي الذي ﻻ يسقط حقوق اﻻخرين كما ﻻ يتجاوز اساسيات التحول الديمقراطي إﻻ وفصلها تفصيﻼ ، لذلك نتمنى نجاح الجولات القادمة وعلي قوى نداء السودان التمسك بالحل الشامل لبناء موطن المواطنة والديمقراطية وفك طلاسم المعادلة السودانية المطروحة علي الساحة الدولة لفترة طويلة دون أن تجد حلول مناسبة، ورغم تعنت النظام الإنقاذي ورفضحه القبول بكل المقترحات المقدمة لدفع عجلة التفاوض الي مرحلة جديدة، إلا أن التعويل علي الضغط الشعبي ووعي المثقفين بضرورة الانتقال الجماعي الي مربع الدولة الديمقراطية الحرة وتماسك صف المعارضة الحية، يدفعنا لتوقع تراجع موقف النظام وتقدم رؤية المعارضة بالدعم الذي ستجده من قبل الجماهير الثائرة خاصة وأن المجتمع الدولي الذي ضغط المعارضة لتوقع علي خارطة الطريق بعد تضمين ملاحظات قوى نداء السودان، ذاته لا يعول علي النظام الإنقاذي المتبدل دوما في مواقفه والمتخبط في علاقاته الخارجية، والتي اوصلته الي العزلة التامة عن العالم الخارجي، مع دخوله تحت حصار المحكمة الجنائية الدولية التي تطالب بالقبض علي الرئيس الإنقاذوي الجنرال عمر البشير وعدد من أعضاء حكومته، بسبب ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مناطق مختلفة من السودان، كل هذه المضبات تجبر النظام علي التراجع عن موقفه والنزول عند مطالب الشعب السوداني، وشد الرحال بكل انكسار الي أديس ابابا للتفاوض حول المسألة القائمة، وحديث الرئيس البشير مؤخرا عن أنهم فاوضوا بما فيه الكفاية والتفاوض القادم سيكون بالبندقية، هو حديث شخص يرفض الإعتراف بالهزيمة النكراء التي لا تخئها بصائر الجميع، والتنازل عن هذا الحديث سيكون اقرب من طلوع شمس يوم غدا، ولا سبيل للنظام في مواصلة مراوغاته في المرحلة القادمة لأنه مهما فعل سيأتي ذات الطريق الذي أتاه جنرالات بورما، وحتما ستنتصر إرادة الشعوب علي الدكتاتورية وسيخرج صباحها من رحم السلام والحرية والديمقراطية ... وسلاما علي دعاة الحب ودولة الإنسانية.


سعد محمد عبدالله


القاهرة


[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1368

خدمات المحتوى


التعليقات
#1510075 [أبو أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2016 10:44 PM
المجرمة دي ذاتها زعلت من مذيعة سألتها عن جرائم قومها ضد المسلمين
أي ديمقراطية وأي بطيخ!

http://www.skynewsarabia.com/web/article/827475/%D8%B3%D9%88%D9%94%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%BA%D8%B6%D8%A8-%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B1


سعد محمد عبدالله
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة