08-26-2016 08:22 PM

انتشرت في الآونة الأخيرة عملية استخدام الرصاص الحي لقتل المتظاهرين من قبل مؤسسة ما ، ويحملون الأسلحة ، ويطلقون النار بدم بارد ، ويتم بعد ذلك اخفاء القتلة وعدم محاسبتهم قانوناً ، فهل أفلت القاتل بالتالي من العقاب؟

يجب أن نعلم بأن القانون قد حاصر كل التصورات الممكنة لمنع الافلات من العقاب ، فإذا جهلنا شخصيات القتلة فنحن نعلم بأنهم تابعون لجهة ما أو مؤسسة ما ولو تم القبض على واحد فقط فإن مسؤولية هذه المؤسسة تنهض جنائياً ويكون رئيسها محاسباً جنائياً على جرائم القتل العمد ويعاقب بالإعدام تبعاً لذلك إذا توفرت أركان الجريمة.

إذا ؛ فرئيس هذه الجهة مسؤول مسؤولية مباشرة عن جرائم القتل العمد ولكن على أي أساس تنهض مسؤوليته وفقاً للقانون؟ هل يفلت رئيس هذه المؤسسة لأنه يعتبر مجرد محرض على الجريمة؟ وبالتالي يعاقب عقوبة أخف من القتل العمد ، أم يعتبر كالفاعل الأصلي ويعاقب بالاعدام؟ هذا ما ستكشفه دراستنا عن هذا الموضوع. فبسم الله نبدأ.

-1- النصوص القانونية :

نصت المادة 25 على الآتي :

(1) التحريض هو إغراء الشخص لغيره بارتكاب جريمة أو أمره لشخص مكلف تحت سلطانه بارتكابها .

(2) مع مراعاة عدم تجاوز العقوبة المقررة للجريمة ، يعاقب من يحرض على ارتكاب جريمة وفقاً للآتي :

(أ) في حالة عدم وقوع الجريمة أو عدم الشروع فيها ، بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات .

(ب) في حالة وقوع الجريمة أو الشروع فيها ، بالسجن مدة لا تجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو بالعقوبتين معاً ، فإذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الجلد ، يعاقب بالجلد بما لا يجاوز نصف العقوبة .

(3) من يحرض على ارتكاب جريمة ويكون حاضراً وقت وقوعها يعد مرتكباً لتلك الجريمة .

(4) من يحرض شخصاً على ارتكاب فعل معين ، يكون مسئولاً عن ارتكاب أي فعل آخر يشكل جريمة يرتكبه ذلك الشخص إذا كان الفعل الآخر نتيجة راجحة للتحريض .



وسنتناول النظرية العامة للتحريض وفقا لما سبق من نصوص على النحو التالي :



-2- مفهوم التحريض وما يشتبه به



1- تعريف التحريض :

عرف المشرع التحريض تعريفاً شرطياً ؛ فقد تضمن نوعين من أنواع التحريض :

النوع الأول : الإغراء بارتكاب جريمة .

النوع الثاني : إعطاء أمر لمكلف تحت سلطان المحرِّض بارتكاب الجريمة .

والإغراء مصدره من ؛ غرّه غراً وغروراً أي خدعه وأطمعه بالباطل . فالأصح غرَّه . وفي التحريض بالإغراء .

والتحريض من ناحية تحليلية يتكون من عنصرين :

العنصر الأول : توجيه الإرادة نحو ارتكاب جريمة محددة .

العنصر الثاني : إثارة الدوافع النفسية للمحرَّض .

وبالتالي فإن التحريض أوسع من الأمر ؛ فهذا الأخير يتكون من عنصر واحد فقط وهو عنصر توجيه الإرادة نحو ارتكاب جريمة محددة . ولذا فإن المشرع حينما نص على الأمر الموجه لمكلف داخل مواد التحريض ؛ إنما كان ينظر إلى كون الأمر جزء من التحريض . ووفقاً لمبدأ تخصيص النصوص القانونية في السياسة التشريعية ، فإنه وبدون هذه العلاقة العضوية لما كان للمشرع أن يضمِّن الأمر في مادة التحريض . وهذه العلاقة أيضاً ، هي التي جعلت المشرع يجعل من المحرض الذي يقوم بتحريض غير المكلف كالمجنون والصغير يعد بمثابة فاعل أصلي في الجريمة . فرغم أن المشرع لم يشر إلى أن من يقوم بتحريض غير المكلف يعد بمثابة فاعل أصلي إلا أنه أشار إلى عنصر توجيه الإرادة في المادة (23 ق.ج) حين نص على أن : " من يأمر غير مكلف .... يكون هو مسئولاً عنه " أي عن الفعل الإجرامي . فبما أن التحريض يتضمن عنصر توجيه الإرادة نحو اقتراف جريمة محددة فهو بالتالي قد اشتمل الأمر بشكل آلي دون حاجة إلى تكرار النصوص .

وعليه إذا قام (أ) بتحريض (ب) المجنون أو الصغير على اقتراف الجريمة ، فإن هذا الأخير غير مسئول جنائياً ، إلا أن التحريض اشتمل على توجيه الإرادة نحو اقتراف جريمة محددة ، وبالتالي يدخل مباشرة في المادة (23) فيعد (أ) فاعلاً أصلياً للجريمة .

ولا يقوم التحريض فقط بإثارة دوافع الشخص النفسية ، فإذا قام (أ) بإخبار (ب) بأن هناك رجل يدخل إلى منزله في غيابه ويمارس الجنس مع زوجته . فذهب (ب) وقتل الزوجة وعشيقها فلا يعد التحريض قائماً ، فالتحريض يجب أن يكون توجيهاً للإرادة نحو ارتكاب جريمة محددة ، فيجب أن يقوم (أ) بتوجيه إرادة (ب) نحو قتل الزوجة وعشيقها . فهنا يجتمع العنصران المشكلان للتحريض ، وهما عنصر توجيه الإرادة وعنصر إثارة الدوافع النفسية . أما إذا قام شخص بتوجيه إرادة شخص ثاني بارتكاب جريمة قتل ، بدون إثارة دوافع الأخير النفسية ، فإن ما حدث من الأول لم يكن سوى إعطاء أمر للثاني . وأن الثاني اتبع هذا الأمر لسبب من الأسباب الخاصة به كما لو كان تحت سلطان الأول ، أو اتفقت نوازعه مع هذا الأمر أو لأي سبب كان .

2- الفرق بين التحريض والاتفاق الجنائي :

يختلف التحريض عن الاتفاق الجنائي في أن المحرِّض لا يلعب أي دور على مسرح الجريمة ، فهو لا يقوم بأي فعل يدخل في تكوين الركن المادي للجريمة ، وجل ما يفعله المحرض هو توجيه الإرادة وإثارة دوافع المحرَّض النفسية تاركاً للأخير تفعيل ما سبق . أما إذا لعب المحرض دوراً على مسرح الجريمة فإنه يتحول من محرِّض إلى فاعل أصلي في الجريمة ، ولذا نصت المادة (25/3) على أنه :

" من يحرض على ارتكاب جريمة ويكون حاضراً وقت وقوعها ، يعد مرتكباً لتلك الجريمة " . فهذه المادة تعتبر من المواد الاحتياطية ؛ أي التي تحتاط للخطورة الإجرامية لمجرم محترف وقادر على قيادة الآخرين نحو ارتكاب الجريمة ، ثم يستفيد من نصوص القانون الجنائي عن طريق الزعم بأنه لم يلعب سوى دور المحرض رغم أنه سار بالمجرم الآخر ضعيف الشخصية والإرادة إلى آخر الطريق وجعله كالآلة في يده . ولذا ووفقاً لمبدأ المحاصرة الجنائية ؛ فإن المشرع قد افترض أن وجود المحرِّض داخل مسرح الجريمة بمثابة اقتراف كامل لها .

-3- أنواع التحريض

ذكرنا أن المشرع نص على التحريض بالإغراء والتحريض بالأمر وبينا العلاقة بينهما ؛ وعلى هذا فسوف نتناول عناصر كل من النوعين على حدة .

النوع الأول: التحريض بالإغراء:

(1)- طبيعة الإغراء:

لا يشترط في الإغراء شكل معين ، فقد يكون إشارة أو كتابة أو لفظاً ؛ ولكن هل يشترط أن يكون هناك مصلحة ولو معنوية - لمن تم إغراؤه - في إتيان الفعل ؟ كما أشرنا فإن كلمة إغراء تعني وجوب أن يكون هناك مصلحة للشخص ولو كانت معنوية ؛ كمن تحرضه عشيقته على قتل زوجها ؛ فإن لم يكن من مصلحة للجاني في نتائج الجريمة ، أصبح التحريض أمراً . ومع ذلك فإن التحريض بالأمر يتطلب سلطاناً من الآمر على المأمور سواءً كان سلطاناً قانونياً ( كالمستخدم على الخادم ، أو الرئيس على الموظف ) أو كان سلطاناً أدبيا ( كالأب على ابنه ) أو حتى مجرد سلطان إرادي ( كسلطان العاقل على غير العاقل (م23))[1] . فماذا لو انتفى كل ما سبق ؟

(2)- الفرق بين الإغراء والأمر والطلب :

ماذا لو أن شخصاً كان يسير في الشارع فطلب منه شخص ثانٍ قتل شخص ثالث ، ففعل المطلوب منه ذلك دون -حتى- أن يسأل عن السبب ، ثم مضى في طريقه لا يلوي على شيء ! قد يكون مثل هذا الشخص معتاداً على الإجرام أو أياً كان السبب في استجابته لهذا الطلب ، ومع ذلك فلا يوجد أي سلطان للآمر على المأمور ، فهل انتفى التحريض عن الآمر بالقتل ؟ في هذه الحالة لا يعد طلب ارتكاب الجريمة بمثابة تحريض لا بالإغراء ولا بالأمر . ليس بالإغراء لعدم وجود إثارة للدوافع النفسية لدى المطلوب منه ، ولا بالأمر لعدم وجود سلطان للطالب على المطلوب منه .

ولذا كان من الأفضل للمشرع ألا يستخدم كلمة إغراء لتعريف التحريض ، بل يستخدم تعريف بعض الفقهاء له باعتباره " دفع الجاني إلى اقتراف الجريمة بالتأثير على إرادته[2] وتوجيهها الوجهة التي يبتغيها المحرض "[3] ، أياً كانت درجة التأثير على الإرادة . أو يكتفي في( التحريض بالأمر) على عنصر توجيه الإرادة سواء أكان هناك سلطان للآمر على المأمور أم لا ، وبالتالي يتماثل الأثر القانوني للأمر وللطلب .

(3)- المحرَّض : أي ذلك الشخص الذي تم تحريضه على اقتراف الجريمة ، ولا يشترط أن يقع التحريض بين شخصين ذوي علاقة شخصية فيجوز أن يتم التحريض بين شخصين لا يعلمان شخصية بعضهما البعض ، مثل التحريض عبر الانترنت والذي يتم بين شخصيات افتراضية لارتكاب عمليات إرهابية أو لغسل المال عبر البنوك الإليكترونية .

(4)- التحريض الخاص والعام : اختلف الفقهاء حول مدى وجود ما يسمى بالتحريض العام ؛ فهناك نظرية تذهب إلى أن أي تحريض يعتبر تحريضاً خاصاً مادام قد وجه نحو مجموعة معينة أو طائفة معينة . وهناك رأي يقسم التحريض إلى عام وخاص ، فالتحريض الخاص ؛ هو ذلك الموجه إلى شخص معين أو عدة أشخاص أو فئة معينة ، مثل تحريض فرد من أفراد القوات المسلحة على التمرد أو على الخروج عن الطاعة (م 58 .ق.ج) .

أما التحريض العام ؛ فهو ذلك الموجه نحو جمهور غير معين أو غير معدود ، فهو تحريض على ارتكاب جريمة بغض النظر عمن سيتأثر بالتحريض ، ومن ثم قيام الجريمة . فالتحريض العام هو تأثير على إرادة احتمالية . وبالتالي فهو يتم علناً أو بوسائل واسعة الانتشار ، كما أن التحريض العام يعد جريمة قائمة بذاتها سواء ترتب عليه ارتكاب الجريمة أم لا ، وبالتالي تخرج من القاعدة العامة للتحريض ، ومثال ذلك ما جاء بالمادة (63) والتي نصت على الآتي :

" من يدعو أو ينشر أو يروج لمعارضة السلطة العامة عن طريق العنف أو القوة الجنائية .. "

وتعتبر جرائم التحريض العام من جرائم الخطر وليست من جرائم الضرر ؛ فهي تنشأ ولو لم يتم تنفيذ الجريمة أو يشرع في تنفيذها .

(6)- التحريض بسلوك إيجابي والتحريض بسلوك سلبي :

أيضا ثار الجدل حول إمكانية أن يقع التحريض بسلوك سلبي ؛ وقد ذهب اتجاه إلى إمكانية ذلك ، ومثاله أن يقوم ضابط شرطة بتعذيب المتهم أمام وكيل النيابة دون أن يقوم هذا الأخير بأي تصرف لمنع هذا التعذيب ، وبالتالي يعتبر وكيل النيابة محرضاً على هذا الفعل . ولكن ينتقد هذا المثال باعتبار أن وكيل النيابة في هذه الحالة لا يكون مجرد محرض فقط بل فاعل أصلي في الجريمة باعتبار أنه يخالف التزاماً قانونياً ملقى على عاتقه بوقف التعذيب ، فإذا لم يفعل ذلك وكان وكيل النيابة في مسرح الجريمة وله سلطان على ضابط الشرطة عدَّ فاعلاً أصلياً وليس محرضاً فقط . والفرض الذي يمكن أن يتصور في هذه الحالة أن يكون وكيل النيابة عالماً بعملية التعذيب وغير موجود بمسرح الجريمة ومع ذلك تجاهل الجريمة وصمت عنها . وفي كل الأحوال فإن التحريض السلبي يعتبر مثار جدل ، ولذا فإننا لا نحبذ الاعتداد به . فالتحريض لابد أن يتم بنشاط إيجابي حتى يتوافر العنصر الأول وهو توجيه الإرادة نحو ارتكاب جريمة محددة بعينها فمجرد القبول لا يعتبر تحريضاً .

-4- الجريمة المحرض على ارتكابها :

لم يحدد المشرع جريمة بعينها ، فيستوي إن كانت من جرائم الحدود أم القصاص أم التعزير ، وسواء وردت في القانون الجنائي أم في قانون آخر . ويستوي كذلك أن تقع هذه الجريمة بالفعل أم لا تقع ؛ لأن التحريض ههنا يعتبر جريمة قائمة بذاتها ؛ إلا أن وقوع أم عدم وقوع الجريمة يؤثر في العقوبة . ففي حالة عدم وقوع الجريمة تكون عقوبة التحريض السجن مدة لا تجاوز خمس سنوات[4] (م 25/2/أ) ، أما إذ وقعت الجريمة أو شرع فيها عوقب المحرِّض بالسجن مدة لا تجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو بالعقوبتين معاً[5] " .

إلا أن المشرع لم يكتف فقط بتجريم التحريض على ارتكاب جريمة وإنما أيضاً على مجرد التحريض على ارتكاب فعل ولو لم يكن جريمة في حد ذاته ؛

-5- التحريض على ارتكاب فعل :

بعض الفقه السوداني فهم نص المادة (25/4) على أن المقصود من الفعل هو الفعل الذي يشكل جريمة ، بالرغم من وضوح نص هذه المادة ، والتي لم تتطلب أن يكون الفعل المحرَّض عليه جريمة ، ولكنه ينتج جريمة ؛ وهذا هو نص المادة :

(25/4) : " من يحرِّض شخصاً على ارتكاب فعل ، يكون مسئولاً عن ارتكاب أي فعل آخر يشكل جريمة يرتكبه ذلك الشخص إذا كان الفعل الآخر نتيجة راجحة للتحريض " .

وهذا النص ، محل نظر من عدة وجوه ؛ ففي الوقت الذي لا يجعل فيه المشرع المحرض مسئولاً عن الجريمة التي تنشأ عن تحريض مباشر ، نجده مسئولاً عن جريمة ناتجة عن فعل محرض عليه . كما أن المشرع لم يحدد طبيعة مسئولية المحرِّض عن الفعل غير المباشر ففي الوقت الذي يطلق فيه لفظ المحرض ، نجده يتحدث عن المسئولية عن ارتكاب الفعل الآخر ؛ فهل هو محرض فيخضع للمسئولية عن الفعل الآخر وفقاً للأحكام الواردة في التحريض ، أم هو فاعل أصلي في الجريمة ؟

* عناصر المادة (25/4) :

1) التحريض على ارتكاب فعل معين :

لم يشترط المشرع أن يكوِّن هذا الفعل جريمة ؛ بل هو فعل معين ، ومشروع ؛ ذلك أنه إذا كان الفعل المحرض عليه جريمة ( غير مشروع جنائياً ) لما احتاج إلى النص عليه ، ولاكتفى بالنص الآتي :

" إذا نتج عن الجريمة المحرض عليها جرائم أخرى كان المحرِّض مسئولاً عنها متى كانت هذه الجرائم نتيجة راجحة للجريمة الأولى أو المحرَّض عليها " .

إلا أن نص المادة المشار إليها ؛ كان واضحاً في أنه نص منشئ لصورة جديدة من صور التحريض ؛ وهي صورة التحريض على فعل مشروع ( غير خاضع لنص القانون الجنائي ) ، وأن المحرض يدرك تماماً أو في إمكانه أن يتوقع نتائج غير مشروعة عن هذا الفعل المشروع .

ومثال هذا الفعل ؛ أن يقوم (أ) وهو زوج (ب) بتحريض (ج) على دخول غرفة زوجته في غيبتها ، وهو يتوقع أن يقوم (ج) بسرقة مجوهراتها الموجودة على الطاولة .

فهنا لم يقم (أ) الحانق على زوجته والراغب في الإضرار بها ، بتحريض (ج) على ارتكاب جريمة لكنه كان يتوقع قيام (ج) بسرقة المجوهرات .

كذلك إذا قام (أ) وهو شخصية دينية ذات تأثير على (ب) بإخبار هذا الأخير بأن (ج) شخص لا يحترم الدين ، طلب من (ب) أن يتحدث إلى (ج) بالرغم من علم الأول بأن (ب) ذو شخصية عنيفة ، وأن قيام (ب) بقتل (ج) نتيجة راجحة للحديث بينهما ، فإن (أ) لم يقم بتحريض (ب) على ارتكاب جريمة ، لكنه يعلم بأن النتيجة الراجحة ستكون قتل (ج) . فهنا يتطلب المشرع قصداً خاصاً في التحريض ، وإن لم يكن قد أشار إليه في محل الدراسة ؛ وهو أن يقصد المحرِّض من التحريض على الفعل ، وقوع الجريمة . وإلا لم يكن من العدالة تجريمه على التحريض .

* قصد من وقعت منه الجريمة :

ولكن هل يشترط أن يتجه قصد من تم تحريضه على الفعل المشروع على ارتكاب الجريمة كما قررها القانون ؟

ومثال ذلك ؛ أن يطلب (أ) وهو مشرف على عمال رافعات من (ب) وهو سائق رافعة ؛ أن يفلت حجر الأسمنت الضخم على الأرض ؛ فيقوم (ب) بذلك ؛ ويسقط حجر الأسمنت على شخص ثالث هو (ج) .

فـ (أ) لم يطلب من (ب) فعلاً غير مشروع ؛ لكنه كان يعلم تماماً بأن (ج) يجلس في المكان الذي سيسقط فيه الحجر ( قالب الأسمنت ) ؛ أما (ب) فلم يكن يقصد قتل (ج) ، ولم يكن على علم بأن (ج) يجلس في المكان . هنا لا تنهض جريمة التحريض التي نحن بصددها ؛ بل تدخل في مجال الفاعل المعنوي أو إعطاء أمر لشخص حسن النية ؛ أما ما تقصده المادة (25/4) فهو أن تتجه إرادة من تم تحريضه إلى ارتكاب الجريمة التي نشأت عن الفعل المحرض عليه كما في الأمثلة السابقة . أما إن نتجت الجريمة بدون قصد منه ، فلا مكان لإعمال هذه المادة ؛ فالمادة (25/4) قاعدة احتياطية ؛ يحاول بها المشرع سد كافة الفروض التي يمكن أن يقدحها عقل المجرم لارتكاب الجريمة بطريقة تجعله يفلت من المسئولية ؛ وذلك وفقاً لمبدأ المحاصرة الجنائية .

-6- التحريض على التحريض :

إذا قام (أ) بتحريض (ب) على قتل (ج) ؛ فقام (ب) بتحريض (د) على قتل (ج) ؛ وبالفعل قام (د) بقتل (ج) ؛ فهل يعتبر (أ) محرضاً ويخضع للأحكام العقابية الخاصة بالتحريض ؟

رأينا من قبل ، أن المشرع لم يأخذ بنظرية الاستعارة الإجرامية وحدها ، ولا بنظرية استقلال الاشتراك الجنائي ، بل جمع بينهما ، لكن ، ومن مجل قواعد الاشتراك الجنائي نجد أن المشرع قد مال إلى هذه الاستقلالية ميلاً كبيراً ؛ كما أنه أخذ بنظرية وحدة الجريمة في مواجهة تعدد المساهمين ؛ فيكون أحدهم قد ارتكبها كما لو اقترفها وحده . ويتحمل كافة ما ينتج عنها من نتائج جنائية . وهذا ما رأيناه أيضاً في مسئولية التحريض عن فعل مشروع ؛ وبالتالي فإن هذا يكشف بوضوح عن اتجاه المشرع إلى تجريم التحريض على التحريض ؛ لأنه ينظر إلى التحريض من جهة باعتباره مستقلاً عن الجريمة ومعاقباً عليه سواء وقعت أم لم تقع ، كما أنه ينظر إلى النتيجة النهائية للتحريض ؛ من جهة أخرى ؛ فيشدد العقوبة عليه ، وبالتالي ووفقاً للوجهتين السابقتين فلا شك في أن التحريض على التحريض يرتب أثره .

ليس هذا فحسب ؛ بل لو أن (أ) حرض (ب) على تحريض (ج) على ارتكاب جريمة ؛ فإنه يخضع للعقاب على هذا التحريض ، وأخيراً فإن المحرض إن كان حاضراً بمسرح الجريمة أعتبر فاعلاً أصلياً[6] ، وقد فصلنا سبب ذلك من قبل .

النوع الثاني : التحريض بالأمر :

إذا قام (أ) وهو ضابط شرطة أعلى ، بإعطاء أمر لضابط شرطة بتعذيب متهم ؛ فهل يعتبر (أ) محرضاً على ارتكاب الجريمة ، أم فاعلاً أصلياً ؟

وللإجابة على هذا التساؤل ، يجب الإشارة إلى نص المادة (25/1) وهو :

" أمره لشخص مكلف تحت سلطانه بارتكابها " .

كما تجدر الإشارة إلى المادة (25/3) والتي نصت على أنه " من يحرض على ارتكاب جريمة ويكون حاضراً وقت وقوعها ، يعد مرتكباً لها " .

فوفقاً للمادة (25/1) يعتبر الشرطي الأعلى محرضاً على ارتكاب جريمة التعذيب ، أما إن كان حاضراً لهذا التعذيب فيكون فاعلاً أصلياً في الجريمة . ففي المادة (25/3) اعتد المشرع بمسرح الجريمة كمعيار لتحديد الفاعل الأصلي ؛ فجعل من المحرض مسئولاً عن الجريمة مسئولية كاملة باعتباره فاعلاً أصلياً .

* خصوصية المادة (25/3) بالنسبة لرجال الإدارات الأمنية :

إذا كان المحرض شخصاً عادياً فإن تحديد نطاق مسرح الجريمة الذي يعتبر المحرض فيه حاضراً لها ، يدخل في نطاق السلطة التقديرية لقاضي الموضوع .أما إن كان المحرض أحد رجال الإدارات الأمنية ؛ كضابط الشرطة الأعلى ؛ فإن نطاق مسرح الجريمة يتحدد بنطاق اختصاصه المحلي . فمادام أن نفوذه مبسوط داخل دائرة اختصاصه فإنه يعتبر داخل مسرح الجريمة ، الذي يجعله فاعلاً أصلياً في أي جريمة يأمر بارتكابها ولو لم تحدث داخل قسم الشرطة . وعليه إذا كان (أ) ضابط أعلى بشرطة الخرطوم شمال ؛ وأمر بتعذيب أي متهم ، ثم غادر القسم ، لكنه لم يبارح دائرة اختصاصه ؛ عدَّ حاضراً لهذه الجريمة . كذلك إذا كان داخل دائرة اختصاصه ولكنه ليس في قسم الشرطة وأعطى أمراً عبر الهاتف الخلوي بالتعذيب أعتبر حاضراً للجريمة ، ومن ثم فاعلاً أصلياً فيها .أما إذا كان خارج دائرة اختصاصه اعتبر محرضاً .

ويشترط في هذه الحالة أن ترتكب الجريمة بسبب الوظيفة أو بمناسبتها ؛ أما إن كانت منبتة الصلة عن أعمال وظيفته وسلطاتها ، فإن نطاق مسرح الجريمة يتحدد بحضوره الشخصي وفق تقدير سلطة قاضي الموضوع .

ويعيب نصوص التحريض بناءً على أمر صادر ممن له سلطة على الجاني ؛ بأنها تجعل عقاب المحرِّض أقل جرعة من عقاب الفاعل للجريمة ، رغم أنها بنت قواعدها على أساس ما للمحرض من سلطان على مقترف الجريمة ، وهذا السلطان ينتقص من إرادة مقترف الجريمة في مواجهة المحرض (صاحب النفوذ ) .

ويشترط في التحريض بناءً على هذا الأمر أن يكون الشخص مكلفاً ؛ فإن لم يكن كذلك ، لم ينبسط حكم المادة (25/1) على هذه الحالة ، ولم يعد الشخص محرضاً بل فاعلاً أصلياً للجريمة باعتباره فاعلاً معنوياً وفقاً لنص المادة (23) ، كذلك يشترط ألا يكون من وجه إليه الأمر حسن النية ، وإلا تحول المحرض إلى فاعل أصلي وفقاً للمادة (23) . ورغم أن المشرع لم ينص على شرط حسن النية ، لكنه شرط بديهي ينبثق عن المقارنة بين النصوص .

ويشترط أن يكون من وجه إليه الأمر ، تحت سلطان المحرض ، ولم يحدد المشرع طبيعة هذا السلطان فيستوي أن يكون سلطانه عليه أدبياً كالأب على ابنه المكلف ( البالغ العاقل ) ، أو يكون قانونياً كالمدير مع السكرتيرة في شركة خاصة ، أو الخادم مع المخدوم ، أو الموظف الأعلى مع الموظف الأدنى في الهيكل أو السلم الوظيفي للقطاع العام .. وهلم جرا .

وفقاً لما سبق ؛ فإن رئيس هذه المؤسسة هو المسؤول عن اعطاء أوامر بارتكاب قتل المتظاهرين ، فاذا كان اختصاصه يشمل كل السودان فإنه يعتبر فاعلاً أصلياً باعتباره حاضراً داخل مسرح الجريمة وعالماً به في دائرة اختصاصه ، وبالتالي لا يعاقب فقط باعتباره محرضاً بل يعاقب بالعقوبة المقررة للفاعل الأصلي ، ومن ثم تكون عقوبته الاعدام .

هذه المفاهيم القانونية يمكن أن يتم تطبيقها بعد تغير النظام الحاكم في السودان وخضوع المسؤولين عن الجرائم للمحاسبة والعقاب ، ويمكن أن يمتد نطاق التجريم ليشمل رئيس الجمهورية بعد سقوط حصانته . وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.



د.أمل الكردفاني

[1] - إلا أن هذه المادة تجعل من المحرض فاعلاً أصلياً في الجريمة باعتباره فاعلاً معنوياً .

[2] - مع الانتباه لما يشوب تعريف القصد في قانون 1991 من انحراف عن المعنى التقني للقصد الجنائي .. على ما سيأتي بيانه بإذن الله .

[3] - د.محمد هشام أبو الفتوح – المرجع السابق – ص 570 .

[4] - ويلاحظ تزيد المشرع حين أضاف "أو عدم الشروع فيها" ؛ وهذا تزيُّد لا معنى له ، فلا يوجد ما يسمى بعدم الشروع في الجريمة ، لأن هذا يعني عدم وقوع الجريمة ، وهذا منصوص عليه مسبقاً .

[5] - ويلاحظ أن المشرع اكتفى بعقوبة السجن بالنسبة للتحريض في جريمة لم تقع ، في حين جعل عقوبة التحريض في جريمة وقعت أو شرع فيها بالخيار بين السجن أو الغرامة ، وهذا يجعل موقف المحرِّض الذي لم تقع جريمته أسوأ من موقف المحرِّض الذي وقعت جريمته ، والذي يمكن أن يكتفي القضاء بمعاقبته بالغرامة . لا سيما مع عدم وجود حد أدنى لعقوبة لسجن .

[6] - وأنظر سابقة :ح س ضد هارم برجو حسين وآخر – (م أ/ م ك/ 372/1970) .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2270

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.أمل الكردفاني
د.أمل الكردفاني

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة