المقالات
السياسة
أزمة الحضارة وتناقض الذات في تاريخ السودان الوسيط والحديث!
أزمة الحضارة وتناقض الذات في تاريخ السودان الوسيط والحديث!
08-26-2016 10:54 PM



طبقات ود ضيف الله وعلة التوثيق وأزمة الحضارة وتناقض الذات في تاريخ السودان الوسيط والحديث!


حلقة "1"


هذه الأيام أشتغل على تأملات في إرث الشيخ فرح ود تكتوك كواحد من اهم الشخصيات السودانية التاريخية في العهد الوسيط وإن شئت قل الشخصيات الإسطورية!.


وعندما يأتي الحديث عن فرح ود تكوك ربما قفز إلى الأذهان مباشرة إسم كاتب الطبقات السودانية "ود ضيف الله" كونه من الأشخاص القلائل الذين وثقوا لحياة الشيخ فرح ودتكتوك. ولهذا السبب سنترك الشيخ فرح ود تكتوك ونبوءاته ومعجزاته وحكمه للحظة وسنهتم بطبقات ود ضيف الله. في الحقيقة أنا هنا هذه المرة لا لشيء غير أن أمدح الطبقات وأعلن إعجابي بها وحبي لها، وعندي أسبابي الموضوعية "المبررة" والأخرى النفسية والمبررة بدورها!.


لكن قبل صياغة المبررات خطر لي للتو سؤال لماذا كتاب الطبقات فريد من نوعه ولا توجد كتابات بلغة محلية غيره تحدثنا عن العهد السناري. في الحقيقة لا يوجد أي مادة وثائقية مكتوبة تشابهه ما خلا نتف نادرة من هنا وهناك لدولة استمرت أكثر من ثلاثة قرون؟!.


ما السبب إذن؟!، مع العلم أن حضارات سابقة بزمن طويل على العهد السناري أستطاعت أن توثق لنفسها بجدارة، فما هو سر سنار الذي جعلها تفضل الكتمان على الجهر؟!.


دعونا نتأمل الخلفية التاريخية (صبراً):


سنار جاءت تالية للعهد النوبي المسيحي في السودان.


السودان "النوبي" وقل السودان الحضاري المنظم كان خصماً للحضارة العربية الإسلامية طوال مراحلها المزدهرة (هكذا يقول التاريخ ويحدثنا عن الحروب والتمردات والثورات والرفض والإتفاقيات المبرمة بين الأطراف وبروبقاندا الحرب من غضب وأدب وشعر عربي معادي للنوبة!). جاءت سنار على خلفية ذلك الصراع العربي/الإسلامي/النوبي/ المسيحي الخفي والمعلن والذي استمر لمدة 700 عاما.
سنار تبنت النسق الحضاري المشرقي بكلما امكنها من سعة وخيال (حتى قال ملوك سنار باصلهم الأموي وقال الاخرون باصلهم العباسي.. أي تم تبني الحسنيين بالتتابع! ).
لكن بعد إنطفاء جذوة ذلك النسق الثورية وتحوله الى محميات جزئية بلا انسجام ولا رؤية كلية ثاقبة و حراك ثقافي حي .. اذ كانت سنار في حاجة ماسة لصناعة نسق حضاري جديد كي يبقى بديلاً للنسق العدو في تلك اللحظة التاريخية وهم المزارعين النوبة المسيحين فتبنت سنار العروبة والإسلام كحتمية تاريخية ضد الحضارة القائمة و السائدة انها.. وليس في الإمكان احسن مما كان.


وإذ تبنت سنار بوعي منها النسق المشرقي الميت فإنها لم تستطع تجاوز نقاط الضعف الموضوعية به فكانت سنار باهتة النسق الحضاري مما جعلها حضارة شبه ميتة عند وضعها في ميزان الإنجاز المادي والمعنوي مقارنة بكثير من الحضارات السابقة والموازية واللاحقة لها.


يبدو جليا أن سنار لم يكن عندها فرصة لتجاوز النسق الذي تبنته بعد موته أو قل إنطفاء جذوته الثورية ، فاصبحت جزءً عضوياً منه، أصبحت هي ذاته هو!، ومن الصعب تجاوز الذات لذاتها إن لم يكن من المستحيل.


لذا كانت سنار تشبه الشرق في لحظته التاريخية التائهة في يد المماليك والعثمانيين من الاغراب والعجم الذين لا عهد لهم ولا ولاء لجذوة الحضارة العربية الإسلامية في مجدها الأموي والعباسي الذي لم يستطع النهوض من ضربة المغول التي قصمت الظهر وفجرت الدماغ وهتكت نبض القلب.


بإختصار فإن سنار كانت منسجمة مع اللحظة التاريخية المظلمة بالمقارنة. وهي ذاتها اللحظة التاريخية التي أعقبت الحروب الصليبية المنهكة للشرق وللغرب معاً وكان نتيجتها صعود نجم المماليك "العجم" وهم الأتراك والشراكسة وسيطرتهم على الشام ومصر ثم أخيراً إستطاعو إنهاك السودان المسيحي حتى تسنى أخيراً للرعاة الوثنيين "الفونج" في حلف مع الرعاة المسلمين “القبائل العربية في وسط وشمال السودان” من إسكات الصوت الحضاري النوبي بشكل حاسم والسيطرة الكلية على دفة القيادة بعد مجازر عرقية وثقافية وعقدية طالت الملايين من أهل الحضارات السابقة في السودان في حروب ضروس لم يهدأ إوارها حتى تاريخ اليوم!.
ثم أخيرأ جداً أستطاع الأتراك والشراكسة ذاتهم هد بنيان سنار الهش وحولوها إلى ساحة للمعارك المدمرة من أجل الحصول على الذهب والرجال الاقوياء جسديا دون أن يقدموا أي وعي جديد أو فهم أو قبس من حضارة كونهم لا يملكون شيئاً من ذلك!.. أعني مقارنة بما سبق من أنساق الحضارة العربية الإسلامية لحظات إشراقاتها الحية كما الحضارات الاخرى.
هل كانت سنار خطاً؟، لا اقول ذلك، لا يوجد شي في التاريخ إسمه خطأ وصواب، ما حدث لقد حدث وليس في الإمكان أفضل مما كان، فقط أحاول رؤية اللحظة التاريخية بحياد علمي أو هو زعمي عبر إعمال المقارنة بأنساق حضارية سابقة وموازية ولاحقة.


سنار كما أسلفنا كانت تحول حضاري جذري، نتج عن خطط وتكتيكات ناجحة في مواجهة الممالك المسيحية في السودان والتي كانت آخر زمانها في لحظة إختلال وفقدان توازن وفساد وطغيان مما حتم نهاية العهد المسيحي في السودان بمساعدة فاعلة من المماليك ثم العثمانيين في مصر، ولا ننسي تلك اللحظة التي يضمخها دم المعارك المقدسة بين المسلمين والمسيحيين (والتي يسميها المؤرخون المشرقيون: الحروب الصليبية)، إذ أن القيادة السياسية في الممالك النوبية "المسيحية" كانت على خلافات جذرية مع المماليك في أواخر عهدهم ثم العثمانيين فأنتهت الممالك النوبية وأنتهى المماليك في ذات اللحظة التاريخية (1500-1520) ليبدءا عهدان جديدان في السودان ومصر والشام ثم الحجاز، ولو أن التغيير في مصر وعند الاخرين سياسي/عرقي فحسب فإن التغيير في السودان كان أعظم، جذري: سياسي وعرقي وثقافي وحضاري!. إذ تحولت مصر من عهد مملوكي (أتراك وشراكسة في الأصل ومسلمين) إلى عهد عثماني/تركي/إسلامي (الإسلام المطلق) بينما تحول السودان من عهد نوبي/مسيحي/زراعي إلى عهد فونجي/عربي/إسلامي/رعوي.


هذه المقدمة التي ربما تراءت طويلة نسبياً أراها ضرورية من وجهة نظري لأدلف من بعدها إلى الحديث عن أزمة التوثيق في السودان ثم نحتفي بطبقات ود ضيف الله .. وسنقول حالاًً لماذا تلك الطبقات متميزة ومنمازة وممتازة!.


لذا دعنا الآن من مصر والعثمانيين والآخرين.. ولنذهب إلى الأمام للنظر في سنار وحدها، ونحن نتحدث عن جزئية التوثيق والطبقات وأزمة الذات!.


للتوثيق أدوات ومن أهم أدوات التوثيق هي: اللغة المكتوبة طبعا!. مشكلة التوثيق في السودان هي أن الإدارة السياسة (السلاطين والملوك وأجهزتهم الإدارية) كانوا دائما في السودان الوسيط ومعظم السودان الحديث عندهم لغة مختلفة عن لغة الشعب "مجمل الشعوب السودانية" فالإدارات السياسة في الغالب كانت منفصلة عن عموم الناس، أي أن الرأس مفصول عن الجسد، لذا فالحياة الصحية مستحيلة والحضارة الحقة غير ممكنة!.


التوثيق لا يحدث من أجل التوثيق ولا التاريخ يكتب من أجل التاريخ!. هكذا يحدثنا التاريخ!.
لا بد أن يكون هناك دوافع ودواع موضوعية وآنية ودنيوية ولحظية (إدارية/ساسية) عندها مصلحة في كتابة وحفظ الأشياء والمعاني الخاصة بالأجهزة الرسمية أو/و عندها مصلحة في كتابة الحقيقة أو العكس: تزييف الحقيقة، كله توثيق!.


وكل ذلك عنده سوق والسوق يكون بعموم الجماهير وإن كانت الجماهير لا تتحدث ولا تقرأ لغة الحاكم فلا سوق للكتابة كي يبيعها الحاكم للناس .. عندها سيتحدث الحاكم مع الناس بالأدوات البسيطة المجربة ناجعة الفاعلية اللحظية: الشفاهة والطبول والسيوف وأدوات القمع.. وذلك ما حدث في سنار وفي جميع اللحظات التاريخية الشبيهة.
فلغة الإدارات الحاكمة في سنار كانت معظم الوقت ليست لغة عموم الناس الشي ذاته حدث في العهد التركي والمهدية لم تجد الوقت لتوثق لذاتها لكنها الأفضل وأخيراً جاء الإنجليز فكانت مرة ثانية لغة الجهاز الإدارة ليست لغة الناس. وأول جهاز إداري في تاريخ السودان تكون لغته مطابقة للغة الناس (أعني لغة مشتركة للغالبية) هو الجهاز الإداري الذي ترأسه محمد إسماعيل الأزهري 1956 وكانت اللغة هي العربية "الدارجة" مما قاد إلى تعاظم الإحساس بالعروبة في تلك اللحظة التاريخية ثم تهيأت عوامل للأنتكاس وقل المراجعة!.


لدي ملاحظة أو قل تنبيه لدى هذه الجزئية ونذهب من بعدها إلى الامام في مواصلة الحديث عن التوثيق والطبقات: في مستقبل الأيام أنوي مقاربة أيديولوجيات حديثة بالأزمة الكلية مثال آيديولوجية "المركز والهامش"، كوني أرى مبدئياً أن السودان في عهدة الوسيط والحديث لم يكن أبداً مركز ذاته "لا مادياً ولا رمزيا" ولذا عندما لا يكون مركز ينتفي بالضرورة الضد "الهامش"!.. وسنفعل المزيد مما يلي تلك القضية من قبيل البحث في التركيبة العرقية العقدية في السودان الحالي ومرجعياتها التاريخية وأثرها وتأثرها بالعوامل السياسية الداخلية والأقليمية وأبعد.


قلنا أن لغة الأجهزة الأدارية كانت في معظم اللحظات منفصمة عن لغة الناس.. وعليه فإن التوثيق الحضاري "المنظم" كان مستحيلاً في تاريخ السودان الوسيط.. ما خلا بعض الإشراقات الفردية التي تشع في مثل تلك اللحظات التاريخية المعتمة بالمقارنة.


ود ضيف الله كان من تلك الإشراقات بجدارة تامة.. لروحه السلام.. وتلك الإشراقة التي فعلها ود ضيف الله هي طبعاً: الطبقات.


كيف حدث ذلك ولماذا؟. الطبقات كانت موجهة للشعب مباشرة (سوق مستقل) فجعل ود ضيف الله لأول مرة في تاريخ سودان الوسيط سلطة مستقلة للكتابة عن السلطة الرسمية!.


وتلك النقطة في وجهة نظري هي سر الجدل الدائر حول الطبقات كل الوقت، كونها ليست صنيعة دواوين رسمية ولا وليدة معارضة لسلطة قائمة "كدا بس" وإنما هي صولجان في حد ذاتها!.


فالطبقات مكتوبة بلغة الناس ومتحدثة عن هموم الناس وناقلة لتصوراتهم وافكارهم وأحلامهم وخيالاتهم وأوهامهم وعجزهم وآلامهم وأحزانهم وأساطيرهم القادمة من البعيد. إنه أمر غير معتاد، مع الوضع في الحسبان المحيط المعتم والمنفصم، الذي تحدثنا عنه أعلاه، أن يجي إنسان ويتحدث بلغة الناس من اجل الناس لا لغة الأجهزة الإدارية "السلاطين/الملوك/الأمراء" ذلك نادر في التاريخ!.


ولكل تلك الأسباب جاءت الطبقات في غاية البساطة والإبداع والصدق مع الذات إلى درجة اشبه بالسذاجة وما هي كذلك!.. إنها فقط تشبه لحظتها التاريخية في أقصى الحدود الممكنة.


تنبه هام عندي: هذا الكلام عن الطبقات اعني هذه الجزئية الأخيرة مركبة من مداخلات خاصتي لمنشور لي سابق على الفيسبوك بعنوان "في مديح طبقات ود ضيف". وضرورة هذا التنبيه هو رجاء أن تسامحوني على اي تكرار للرؤى محتمل!. لقد رأيت أن اترك الكلام على سجيته وفي خلدي حصافة القاري المهتم!.


طبقات ود ضيف الله هي "نحن" القسط الأكبر منا، من حيث التركيبة السايكلوجية والمخيال الجمعي لكن هناك مشكلة مركبة الاقصاء إذ أن الإيديولوجيات السائدة في السودان اليمينية (السلفية والاخوانية) واليسارية (الماركسية والبعثية والناصرية والخ كما اللبرالية) وافدة حديثا أي محشورة تعسفيا في السياق الزمكاني بفعل الاستعمار الصريح والمستتر او بحجة مقاومة الاستعمار مما يعتمل نفي الذات لذاتها عبر التماهي مع الصورة المصطنعة أو قل المصنعة وهذه أزمة الطبقات وازمتنا نحن في رقبتا دي.. نحن السودانيين..؟!.. ايوة في حاجة اسمها السودانيين! . هم نحن!


وقد سمعت أن البروفسير الكبير العلامة عبد الله الطيب قد حذر من الطبقات وكان رأيه فيها في معظمه سالباً، وانا أفهم أن البروف يحذر من الخرافة في واقع الحياة اليومية بتحذيره من قراءة الطبقات وهي في الحقيقة ليست رؤيته وحده كيميني وسطي ايديولوجي شبه محافظ بل تلك رؤية متطابقة مع بعض رموز اليسار المتطرف في حربهم معا ضد الطائفية السياسية والاجتماعية.. كون الظن أن الطبقات تغذي الوعي الطائفي والغيبي عند الناس وتنحاز للسائد.. وان كان في ذلك بعض الصحة أو الوجاهة فتلك ليست مشكلة الطبقات بل مشكلة الصراع الاجتماعي الراهن في اختلال معادلاته وأزمة التبعية والاستعمار.. ومجد الطبقات هو مقدرتها على التأثير بالرغم من أنها تبدو كتاب عادي وعادي جدا حتى ظنه قاصري الافق "كتاب ساذج" لكنها ليس كذلك! .


الطبقات ليست معجزات فحسب فيها تاريخ وأخبار وسياسة والخ ولكن المعجزات منها هي روح الكتاب والكتابة وفي رأيي أن تحذير البروف يشبه أي تحذير محتمل من قراءة التراث الديني لعدد من شعوب الارض منها التراث اليهودي والمسيحي وبلا شك الاسلامي وكمان البوذي والكنفوشي وعدد لا حصر له من الأديان الرسمية وغير الرسمية لانها عند الكثيرين ملتصقة بالاسطورة والخرافة.. وعندي أن ثلاث أرباع الكلام الذي سمعته للبروف في سياق الدين واللغه والتاريخ ربما صنفه البعض في خانة الخرافات والأساطير ولكنا بعد نسمعه وربما نجد فيه الكثير من الرؤى والحكم!.


لأساطير التي حفلت بها طبقات ود ضيف الله ليست من خياله أو صناعته هو ولا هي بالضرورة أفعال أولياء الله الصالحين ولا إقرارهم "نعماً بهم ولشيخي حسن ود حسونة القومة".. بل هي في الحقيقة خيال المجتمع "رواية عظيمة ألفها ملايين البشر على مدى ثلاثة قرون حسوماً" رواية هي الحلم الجبار كي تستجيب الأقدار فتركع مطيعة أمام سلطان الإرادة... إنها رؤى إجتماعية وثقافية وإقتصادية تنادي الأفاق البعيدة بالحضور إلى الهنا... بل وتدمر حواجز الغيب كي تتعرى الحقائق في عين الوجود. إنه سحر الإرادة الطامحة كالبراكين تشق عنان السماء.


أفضل كتاب عندي وجب أن يضمن في أي قائمة محتملة لأفضل عشرة كتب على مر تاريخ البشرية وكل العصور، هو: طبقات ود ضيف الله السوداني.. وعلى كل حال مثل تلك اللوائح وجب أن تؤخذ بالحذر اللازم من أي جهة جاءت.. الحضارة المحددة (القوة المادية والمعنوية) لا الأفراد هي التي تصنع رموزها، فالطيب صالح عندي لو لم يكتب روايته من منفاه الإختياري في إنجلترا (الغرب) لما حاز على هذا الصيت (حاز الطيب صالح عدة مرات على مكانة ما من لوائح أفضل كتاب كل العصور في كل تاريخ البشرية ليس العرب فحسب، انظر ايضاً لائحة نادي الكتاب النرويجي).. تلك الحضارة الإنجليزية/الغربية هي التي صنعت الصيت في تلاقحها مع جودة عمل الطيب ولولا ذلك فالجودة وحدها لا تفعل فعلها!..


عندي أن من أعظم الكتب السودانية التي وجب أن تضمن في أي لائحة محتملة لأفضل الكتب والوثائق في تاريخ البشرية هو كتاب طبقات ود ضيف الله، فهو رواية وعلم إجتماع وتاريخ وتصوف وعلم نفس وخيال علمي ولا علمي كما معجزات باهرة من حيث رغبة الإنسان في إختراق الحجب والحدود بكل معانيها!.


الآيديولوجيون المنحازون على كل حال وقاصرو الأفق هم من ظنو الطبقات أحاجي عن متصوفة وذكر لفضائل وعجائب الأعلام من الناس في ذلك الزمان فحسب!.


تلك الأحاجي (ولو) هي إشعاعات الطاقة الإنسانية الخفية في سعيها الدؤوب للإنفلات من قبضة الجاذبية الأرضية "الهنا" إلى الأفاق البعيدة "الهناك" المجرات البعيدة!. الطبقات هو ملخص ثورات الماضي السحيق!. الثورات ليست المهدية وود حبوبة وإكتوبر وأبريل وسبتمبر وبس. هناك آلاف الثورات في الماضي السحيق (الأحلام الضخمة العظيمة) ملايين التضحيات والضحكات المبتهجة والصرخات المذعورة معلقة في السماء. الثورات دائما حالمة ورومانسية وغير منطقية. وذلك سر الطبقات في حسباني!. ذلك القفز فوق المنطق الآني والطيران بلا أجنحة حلم رجال ونساء قادرين على الأحلام.. إنه ملخص إرث شعوب السودان الرهيب وأبعد!.


تلك الأساطير العظيمة ربما كان عمرها آلاف السنين (عشرة وعشرين ألف وأكثر). لا أحد يدري على وجه الدقة، فقط في كل مرة تأخذ الأسطورة لباس جديد (إله، نبي، صاحب خوارق، صوفي، شيخ، فارس، إمرأة، رجل، طفل، شجرة، بحر، دودة غز ... أي شي ممكن ولا مستحيل تحت الشمس!.


كل المخترعات الحديثة الباهرة وغزو النجوم وخطة الإنسان في الخلود الجسدي وإحياء الموتى كانت أحلام مجنحة في الماضي القريب فما بالك بالبعيد!.


ذلك الغيب الأسطوري قادم من البعيد .. من أزمنة الإله امون ومن قبله.. والاله ابادماك.. والغيب المسيحي والكجور .. واخيرا جدا الغيب الإسلامي في صيغته المتصوفة التي استطاعت استيعاب كل صنوف الغيب السابق عليها مما جعل الإنسان السوداني فريدا في سايكولوجبته مقارنة بمجتمعات كثيرة في الجوار.


كما أن الإنفصام التاريخي مازال ماثلاً حتى تاريخ هذه اللحظة، فقط لا نستطيع أن نحسه إلا تعمدا وعبر إستخدام أدوات قياس دقيقة ليست متوفرة في كل الأوقات!.


الطبقات حوت قيم ورؤى ومشاعر وتصورات آلاف الأمم "السودانية" السابقة علينا كل تلك القصص تم روايتها في كتيب واحد فريد إسمه: طبقات ود ضيف الله.


المخيال الجمعي هو الذي أنتج الطبقات. قصص الطبقات لم يؤلفها ود ضيف الله وهو لم يقل ذلك (كانت تروى من قبله ومن بعده) كما أن معظم تلك القصص لم يكن أبطالها في الحقيقة من أخذوا أدوار البطولة في الكتاب، لأن الإسطوري من تلك القصص فهو إسطوري لم يحدث، فسمع ود ضيف الله القصص من الناس، الناس الذين رووها عن أناس آخرين من التاريخ الذي ضاع ناسه في ذاكرة أبعد من ذاكرة التاريخ الذي نعرف!..


إنها نزعات الأحلام العظيمة الساعية إلى إختراق حجب المستحيل من أجل البقاء والنهضة والخلود حيث يصبح كل شي ممكن التحقق بلا حدود أو قيود.


محمد جمال الدين

nson2003@yahoo.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1329

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد جمال الدين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة